الدولة الوطنية لا تتأسس على ''الأسطورة''
حرِّروا الثورة من ''التاريخ الرسمي'' والتشويه الفرنسي

  فما هو سائد حاليا هو الذاكرة، من خلال كل الخطاب التاريخي الموجود، كالمذكرات والوثائق الأرشيفية والروايات والشهادات وغيرها، لكن كل هذا الخطاب بكل أنواعه لم يخضع لدراسة علمية أكاديمية.

  كم نحن بحاجة إلى دراسة تاريخ الثورة وفهم المجتمع الجزائري من خلاله، بالإضافة إلى فهم حركية المجتمع ومختلف العوامل المؤثرة فيها ومدى العلاقة بين المدينة والريف.

يؤدي استمرار كتابة تاريخ الثورة وفق تصورات المؤسسة الرسمية في الجزائر، إلى إيجاد وضعية معكوسة لن تكون في صالح الثورة نفسها. وعليه يعتقد عدد من الباحثين والمؤرخين أنه حان الوقت لامتلاك تاريخ الثورة وإضفاء طابع العقلانية عليه، بدل الترويج لتصورات تقوم على بطولات مبالغ فيها. فالجيل الجديد لم يعد يقبل بتاريخ أسطوري، بل بتاريخ عقلاني. والأسطورة ليست هي التي تؤسس لمقومات الدولة الوطنية، بل العقل والقراءة الموضوعية التي تدرج الثورة في سياق إنساني مفعم بالبطولات والأخطاء.


الدكتور رابح لونيسي لـ''الخبر''
أغلب مؤرخينا سجنتهم الوظيفة الأيديولوجية
يعتقد أستاذ التاريخ بجامعة وهران، الدكتور رابح لونيسي، أن الجزائر تعرف حاليا نهضة فريدة  من نوعها في ما يخص كتابة المذكرات، بينما لاتزال الدراسات التاريخية التي تدقق
 في هذه الشهادات وفق مناهج علمية، تعرف تراجعا كبيرا.
   
ما هو تقييمكم لواقع كتابة تاريخ حرب التحرير حاليا؟
 كي نقيّم واقع الكتابة التاريخية حول الثورة الجزائرية، يجب علينا أولا أن نميز بين مفهومين هما الذاكرة والتاريخ، فما هو سائد حاليا هو الذاكرة من خلال كل الخطاب التاريخي الموجود كالمذكرات والوثائق الأرشيفية والروايات والشهادات وغيرها، لكن كل هذا الخطاب بكل أنواعه لم يخضع لدراسة علمية أكاديمية وفق منهج علمي صارم، بل أعتقد أن كتابة تاريخ الثورة الجزائرية يجب أن تخضع إلى منهج علمي خاص بهذه الثورة، وهذا يعود إلى عدة عوامل، تتمثل في غياب نسبي للأرشيف والوثائق داخل الجزائر أثناء الثورة، بسبب الخوف من اكتشاف السلطات الاستعمارية لها، ولهذا نعتمد أكثر على الشهادات والمذكرات، لكنها قليلة، لأن الإنسان الجزائري عبر تاريخه لا يكتب ويعتمد أكثر على الثقافة الشفهية. أما الأرشيف الموجود لدى فرنسا فيمكن أن يخضع للانتقاء فتخفى وثائق وتظهر أخرى، وهذا يمكن أن يحدث أيضا حتى في الجزائر، ما يزيف الحقيقة التي نريد الوصول إليها لو اكتفينا بالاعتماد عليه فقط أو لم نتعامل معه بذكاء.
تنتمون لجيل جديد من المؤرخين الجزائريين، ما هو تصوركم بخصوص كتابة تاريخ الثورة، أو تكتبون وفق أي تصور؟
 أعتقد أن أي كتابة أو بحث تاريخي، يجب أن يخضع إلى الوظيفة التي يؤديها هذا البحث في المجتمع، فمثلا أثناء الاستعمار كانت الكتابات التاريخية يغلب عليها الطابع الأيديولوجي لأن الأيديولوجية الوطنية عليها أن تواجه الأيديولوجية الاستعمارية التي تسعى لنفي وجود الأمة الجزائرية وكيانها، لكن للأسف الشديد بقي أغلب مؤرخينا في نفس الوظيفة الأيديولوجية بعد استرجاع الجزائر استقلالها، مثل التمجيد وإضفاء شرعيات معينة واللجوء إلى إخفاء الحقائق في الكثير من الأحيان.
شخصيا  أرفض هذا الطرح، بل أحدد وظيفة الكتابة والبحث التاريخي بعد استرجاع الجزائر استقلالها في مهمتين أساسيتين وهما بناء الأمة الجزائرية والحفاظ على تماسكها ووحدتها، وهذه الكتابات تربوية تستهدف الشباب وتجعل الإنسان الجزائري يعتز بانتمائه إلى الأمة الجزائرية ويشعر بجذوره العميقة والبعيدة واعتزازه بتاريخ هذه الأمة، الذي يجب أن يكون مترابط الحلقات منذ غور التاريخ، أي منذ القديم إلى اليوم، ويفتخر بكل رموز الأمة.
لكن هناك وظيفة أخرى أهم وهي مساهمة هذه الدراسات التاريخية في بناء الدولة والمجتمع، فتتحول مهمة المؤرخ إلى تفسير الحاضر والواقع ومختلف مشكلاته لفهمها جيدا، بالإضافة إلى فهم نفسية المجتمع والأمة الجزائرية، وهذا كله بهدف بناء المستقبل على أساس سليم، وهو ما يتطلب الموضوعية والعلمية الصارمة، ويجب أن توضع هذه الدراسات التي يجب أن تكون متعددة في موضوع واحد كي نقترب أكثر من الحقيقة ونتجنب الخطأ ثم توضع بين أيدي صناع القرار كي يضعوا السياسات السليمة على أساسها. كما يجب على المؤرخ أن يفهم حركة التاريخ وإلى أين تسير الأمور كي يصحح صانع القرار المسار، وهذا لا ينطبق فقط على الدراسات التاريخية بل كذلك على مختلف الدراسات الاجتماعية والسياسية الاقتصادية وغيرها، أي ما أسميه ضرورة ربط الاتصال بين الأكاديمي وصناع القرار مثلما هو موجود في البلدان المتقدمة التي تحدد فيها الإستراتيجيات والسياسات الكبرى، حسب دراسات مراكز البحوث.
ولهذا السبب كم نحن بحاجة إلى دراسة تاريخ الثورة وفهم المجتمع الجزائري من خلالها، بالإضافة إلى فهم حركية المجتمع ومختلف العوامل المؤثرة فيها ومدى العلاقة بين المدينة والريف وكذلك معرفة ما أسميه في كتاباتي بـ''العقل السياسي الجزائري'' وكيف يتصرف، وغيرها من المواضيع التي لا يهتم بها باحثونا للأسف الشديد.
بعد سنة 1999، ظهر كمّ هائل من الكتابات التاريخية الفرنسية التي تناولت حرب التحرير، كيف تعاملتم معها؟
 مرت الكتابة التاريخية الفرنسية حول الثورة الجزائرية بثلاث مراحل، فكانت مرحلة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وهي المرحلة التي عرفت بروز إيف كوريير بشكل لافت، وهي كتابات صحفية أكثر مما هي لمؤرخين. ثم مرحلة أخرى بدأت تظهر فيها  المذكرات للمشاركين في قمع الثورة، لكن في السنوات الأخيرة بدأ يظهر جيل جديد من المؤرخين في فرنسا، لم يشارك لا من قريب ولا من بعيد في عملية قمع هذه الثورة، فكان أكثر موضوعية من سابقيه، واستغل بشكل ملفت الأرشيف الفرنسي، خاصة منذ العام 2004، عندما فتحت مصلحة التاريخ للجيش البري الفرنسي أرشيفها للمؤرخين، فمثلا جيلبير مينيي قد وضع كتابه ''التاريخ الداخلي لجبهة التحرير الوطني'' بناء على هذا الأرشيف، ونجد نفس الأمر لدى باحثين فرنسيين شبان كبحث رفائيل برانش حول التعذيب وسيلفي تينو حول القضاء. لكن المؤرخ الجزائري للأسف الشديد مغيب عن ذلك بفعل عدة عوامل، وقد خصصت للبعض من هؤلاء المؤرخين الفرنسيين دراسات منشورة، وطبقت عليهم ما أسميته بعلم نقد الخطاب التاريخي بتفكيك هذا الخطاب حتى ولو أخذ طابعا أكاديميا، مثلما قمت بنفس العمل على بعض المذكرات والأعمال لجزائريين كبن خدة ومحمد حربي وآخرين، وهدفي من ذلك كله هو عزل الحقيقة عن الذاتية التي تكون نتيجة لعدة عوامل حددتها في منهجية هذا العلم. وأعتقد أن هذا العلم الذي وضعت منهجيته،  يسمح لنا بالاقتراب من الحقيقة كلما تعمقنا في تطبيق هذا العلم وتفكيك كل الخطاب التاريخي حول الثورة مهما كان شكله، سواء أكان أكاديميا أو مذكرات وشهادات وحتى الوثائق يجب أن تخضع لهذا المنهج النقدي الذي أرى أنه الكفيل بفتح آفاق واسعة حول تاريخ الثورة الجزائرية.



 

عدد القراءات : 14235 | عدد قراءات اليوم : 1
أنشر على