القروض البنكية.. حلال أم حرام
مواطنون تائهون بين فتاوى الأئمة وإغراءات الحكومة

الاقتصاديون يرون فيها ''سوء فهم'' وأئمة المساجد يعتبرونها ''ربا'' أمام تزايد الطلب على التمويلات لإنجاز مشاريع خاصة، وعدم قدرة المواطنين على الوفاء بالكلفة، بات تفكيرهم متجها نحو الاقتراض والحصول على أموال لتغطية نفقات المشروع أو المسكن. وفي الطريق إلى البنوك يطرح المواطنون أسئلة عديدة حول جواز هذه الخطوة من عدمها، في ظل الاختلاف القائم بين علماء الدين، وعدم وضوح الرؤية الرسمية لمؤسسات الدولة بخصوصها.

 أثارت التفسيرات الشرعية لحكم الاستفادة من القروض، إذا ما كانت حلالا أم حراما، حيرة المواطنين الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين فكرة التراجع عن إجراءات الاقتراض، أو البقاء في الوضع المادي الصعب الذي يعانون منه. وتعتبر الطبقة المتوسطة في مجتمعنا من بين الفئات التي تواجه الإشكال بصفة دائمة، نظرا لحاجتها إلى تمويل مشاريعها المصغرة، وضخ مبالغ معتبرة تشكل النواة الأولى لانطلاق غالبية الشباب في تحسين وضعهم الاجتماعي.
وأمام الخلاف القائم حول شرعية الاقتراض من البنوك تفضل شريحة واسعة من المواطنين التخلي عن فكرة الاقتراض، حيث اختارت فئة هامة من الشباب عدم الخوض في تجسيد مشاريعها، رغم توفر الكفاءة والمؤهلات العلمية، بعد رفضهم استغلال القروض البنكية التي أبدى، بشأنها، علماء الدين عدة تحفظات، أكدوا فيها أن الفوائد المترتبة عنها ''ربوية''، ولا يجوز التعامل بها، ما جعل شريحة هامة من المجتمع تتجه نحو محاولات شاقة لتأسيس حياتهم العملية الخاصة بعيدا عن جدلية ''الفوائد''.
وأمام هذا العزوف عن الاستفادة من تدابير الحكومة لدفع سياسات التشغيل، تبقى أموال البنوك الموجهة للشباب على وجه الخصوص، في إطار إعانات الدولة وبرامجها للتشغيل مكدسة، وتجعل من تحقيق الأبعاد الرئيسية لسياسات التشغيل، ومحاربة البطالة، والبرامج المختلفة التي وضعت لتجسيد وتنفيذ سياسات التشغيل أمرا صعبا، في ظل رفض أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وطالبي التمويلات على المشاريع، الاستفادة من الحوافز التشجيعية والتسهيلات الإجرائية الممنوحة من طرف الدولة، التي قررت تخفيف شروط منح القروض البنكية لهذه الفئة، وتخفيض نسبة الفوائد. وحتى البنوك التي تعرف بأنها ''إسلامية'' لا تقدم تمويلات كبيرة للأفراد، حيث تركز على أصحاب المؤسسات والأنشطة التجارية، وتعرض خدماتها بصيغ مختلفة، وتتقاضى مقابلها ''مصاريف الإجراءات''.
وبالنظر إلى قدرة صندوق التوفير والاحتياط على تمويل 80 بالمائة من المشاريع، بمعدلات فائدة منخفضة، والاستثناء الذي خصت به الحكومة قطاع الفلاحة بعدما أقرت قروضا دون فوائد لصالح الفلاحين، ما فتح الباب لمطالب بتعميم الإجراء على باقي فئات الشعب، في غياب نقاش مباشر وتنسيق فعلي بين مصالح وزارتي المالية والشؤون الدينية حول قضايا القروض التي تمثل حساسية كبيرة بالنسبة للمواطنين، لتبقى الإجراءات الحكومية تشرّع لقوانين يرى المواطنون أن فيها ''حرمة'' لمجتمعنا من منظور علماء الدين، بعدما صنف بعضهم الفوائد في خانة ''الربا''، وأكدوا في أكثـر من مناسبة على أن استغلال القروض البنكية بفوائد ''حرام''. وفي غياب نقاش صريح ومباشر وتنسيق فعلي بين مصالح وزارتي المالية والشؤون الدينية حول قضية القروض التي تكتسي حساسية بالنسبة للمواطنين، تبقى إجراءات الحكومة لتشجيع التشغيل والاستثمار حبرا على ورق ومجرد أرقام.
فتوى وطنية
حول الموضوع، يقول الخبير الدولي في الاقتصاد والتنمية والمستشار السابق في البنك الدولي والأمم المتحدة، مبارك مالك سراي، إنه يتوجب تصحيح نظرة المجتمع إلى القروض البنكية التي وفرتها الدولة في إطار مشاريع تشغيل الشباب، التي تتراوح نسبة الفوائد بها بين صفر وواحد بالمائة، في حين تتراوح الفوائد في إطار الاستثمار بين 2.5 و5.75 بالمائة.
وقال إن فئة كبيرة من الشباب ترفض التعامل بهذه القروض، من باب عدم الدخول في شبهات استعمال ''الربا''، مؤكدا على وجود ''سوء تفاهم في الموضوع''، كون غالبية مطالب البنوك لا تعتبر ''ربا''، بل ''مصاريف الخدمات'' التابعة لإنجاز ملفات الاستثمار والقرض، بنسب تغطي الخدمات.
وأكد سراي على أن نسبة العزوف ترتفع في مناطق الجنوب والهضاب العليا، حيث يتفادى المواطنون هناك استعمال القروض، على عكس المدن الصناعية الكبرى والجهات الشمالية، على غرار سطيف وتيزي وزو وبجاية ووهران والعاصمة التي تعرف نسب إقبال معتبرة. وأوضح الخبير أن البنية المالية للبلاد تجعل التمويل الإسلامي غير محمي، وغير معترف به ''رسميا'' في إطار قانون البنك المركزي، رغم أن التعامل بالبنوك الإسلامية ''مقبول'' ومسموح به، في حين لا تسن الحكومة ''قانونا رسميا'' يحمي هذا الاستثمار الإسلامي. وأضاف، في الحديث عن استثمار أو تمويل إسلامي أو خدمات بنكية إسلامية، بأنه ''لا وجود لها رسميا في القانون الجزائري''، وأنها تعد مخاطرة كبيرة بالنسبة للمواطنين المتعاملين في إطارها، وقال إن الدليل على نقص الثقة في هذه المؤسسات كونها لا تغطي إلا 2 بالمائة من التمويل الساري المفعول به في بلادنا. وطالب علماء الدين بالاجتهاد أكثـر في توضيح الموضوع للمواطنين، خاصة وأن التمويل الإسلامي والقرض مازال لم يحظ بفتوى إسلامية في بلادنا تؤكد أن نوع هذا القرض الإسلامي ''حلال''، من أجل فتح الباب للمواطنين، مبرزا أن وجود فتوى رسمية سيفتح المجال للقرض الإسلامي. ودعا الحكومة إلى تأسيس خلية وطنية تضم خبراء الاقتصاد والمالية والعلوم الإسلامية، للخروج بفتوى وطنية تؤكد أن هذا النوع من ''الخدمات'' ''حلال''.
خدمات إسلامية
وعن سبب تأخر إصدار فتوى وطنية، أكد سراي أن الجانب الرسمي مازال يرفض وجود التمويل الإسلامي رسميا، تبعا لـ''تخوفات'' من طرف البنوك الرسمية التابعة للدولة أمام دخول خدمات التمويل الإسلامي، خاصة وأن بنوك الدولة الموجودة في الهضاب العليا والجنوب لم تصل بعد إلى المستوى الذي يمكنها من تلبية وإرضاء المواطن، مشيرا إلى أن وزارة المالية تعتبر فتح المجال للبنوك الإسلامية تهديدا لوجود بنوك الدولة الرسمية التي قد تغلق أبوابها، وأفاد محدثنا أن البنوك الرسمية تحضر نفسها من أجل تقديم الخدمات المالية الإسلامية في إطار أعمالها للتمسك بزبائنها.
وانتقد سراي دور أئمة المساجد وعلماء الدين في توعية الشباب، وتوضيح الرؤية لهم بجواز هذه القروض، مؤكدا أنه لا توجد في الوقت الحالي ''قراءة دينية عقلانية في المساجد''، والتي اعتبرها في غير المستوى العلمي المطلوب، الذي يمكن القائمين على فهم المعادلات الاقتصادية على النحو الصحيح، ودعا المثقفين وعلماء المال للقيام بدورهم في الإعلام وتعميم القراءات في علوم المال والاستثمار لتنبيه الشباب إلى كون هذا التمويل الوطني ''حلال''، وقال إن الفتوى الأولى التي فتحت خدمات البنوك الإسلامية كانت في أمريكا، بعدما أعطوا النموذج ''الحلال''، والذي ''لم نعرفه رسميا بلادنا''.
تمويلات البنوك
لا تتجاوز 10 بالمائة
من جانبه، دعا أستاذ الاقتصاد بجامعة الجزائر، بشير مصيطفى، الحكومة إلى إحداث تعديلات على قانون النقد والقرض، الذي من شأنه القضاء على الاختلاف القائم في جواز أو تحريم القروض البنكية.
وقال إن بعض الشباب لديهم نظرة خاصة من منظور ديني تقول بأن القروض البنكية ''حرام''، ما تسبب في عزوف فئة معتبرة منهم، إلا أن السبب الحقيقي للعزوف، يضيف، هو التخوفات والاحترازات الاقتصادية، بسبب الفائدة التي تتسبب في حالات الإفلاس والمتابعات القضائية والسجن، وهو ما يدفع الشباب إلى التوجه نحو القرض الثنائي ليتفادى التعامل مع البنك، على اعتبار أن التعامل مع الخزينة مباشرة أقل تعقيدا، ولا تتم فيه المتابعة القضائية. فيما يضع آخرون في تقديراتهم نسبة الفائدة، التي تتراوح من 3.5 إلى 5,5 بالمائة، ما يشكل عبءا كبيرا.
وأضاف مصيطفى أن الطلب على القروض يقل من طرف المستثمرين الصغار، بسبب النسبة الكبيرة للفوائد، التي يصطلح عليها اقتصاديا ''كلفة رأس المال''، ذلك أن آلية التمويل الثلاثي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة باتت تمثل إشكالية لدى الشباب، بالنظر للأعباء القانونية والضريبية المترتبة عن استفادتهم من التمويلات.
وأوضح أن عدم تمتع الشباب المقبلين على المشاريع بالحماية القانونية اللازمة في حالة الخسارة أو الإفلاس، وعدم توفر الحلول البديلة، يجعل شريحة هامة تعزف عن تجسيد مشاريعها، حيث تمثل نسبة المشاريع الثلاثية 10 بالمائة من المشاريع.
ودعا، الخبير، الدولة لإعادة تعديل قانون النقد والقرض، الذي يستطيع الكشف عن منتجات بنكية جديدة من غير الفوائد، واقترح مصيطفى على المتخوفين من الفوائد الربوية استعمال الفوائد البنكية كإطار ''مخاطرة''، حيث يصبح البنك كشركة رأس مال مخاطر، وقال إنه من بين البدائل: السماح للبنوك باستعمال مدخرات الأفراد والشركات كرأس مال مخاطر ''بالمخاطرة''، وليس بـ''الفائدة''.
وقال إن ''البنوك المخاطرة''، التي نشأت في الغرب، يطلق عليها أيضا البنوك اللاربوية، التي تدخل في شكل شركات مساهمة، بنسبة أرباح وخسائر، حسب النتائج المحاسبية للمشروع، مبرزا أن هذه البنوك لا يسمح بنشأتها في بلادنا، ما يؤكد أن الحل الوحيد للوضعية يكمن في تقدم البرلمان بطلب لتعديل قانون النقد والقرض، أو تقديم مشروع قانون من طرف الحكومة لتعديله.
وأضاف أنه من حق الشباب الاحتراز من القروض البنكية، للاشتباه في كونها ''حرام''، وهي النقطة التي لا يمكن أن تعالج، حسبه، إلا بتعديل القانون، وفتح النقاش مع الخبراء لمعالجة المشكل من الناحية الدينية والاقتصادية.

عدد القراءات : 27258 | عدد قراءات اليوم : 17
أنشر على
 
 
1 - رشيد
الجزائر
2012-10-21م على 16:59
هل دعم تشغيل الشباب ربا
2 -
2012-11-01م على 15:43
ليأتين على الناس زمان لا يبقى فيه أحد إلا أكل الربا فإن لم يأكله أصابه من غباره (حديث شريف) و يالسطايفي اتق الله في نفسك فنهايتها جنة و نار
طالع أيضا