ظاهرة السطو على مكاتب البريد بتيزي وزو أربكت السلطات العمومية
أزيد من 20 عملية سطو في المناطق النائية واستيلاء على مبالغ مالية

يُقال في المثل الشعبي، باللهجة العامية، ''راس الفرطاس قريب لربي''.. يكاد يكون هذا القول المأثور الأقرب إلى واقع سكان العديد من القرى والبلديات النائية في ولاية تيزي وزو، الذين يعانون الأمرّين في سحب أموالهم، سيما المتقاعدين ومعطوبي الحرب، والأرامل، من مكاتب البريد، وذلك على خلفية قرار السلطات غلق مكاتب البريد البعيدة نوعا لأسباب أمنية..  الدواعي الأمنية تلك، ما هي، في الواقع، إلا تكرار حالات السطو على مكاتب بريدية، بشكل ملفت للانتباه، ولم تجد السلطات العمومية حلاّ إلا غلق تلك المرافق، وبالتالي ''معاقبة'' المواطن البسيط.

 شهدت ولاية تيزي وزو، في الأشهر القليلة الماضية، أزيد من 20 عملية سطو استهدفت مراكز ومكاتب البريد في مناطق متفرّقة بالولاية. وأغلب هذه العمليات تمّت في وضح النهار، تحت التهديد بالسلاح، انتهت بعضها بسقوط ضحايا. وحسب مصادر مطّلعة، فإن عناصر المجموعات المختصة في اقتحام المكاتب البريدية لم يتمّ توقيف أي منهم، ولم يتمّ استرجاع المبالغ المالية التي تمّ الاستيلاء عليها. عناصر ينشطون لصالح الجماعات المسلّحة، أم مجموعات تنشط ضمن ما بات يُعرف في لغة مصالح الأمن ''الجريمة المنظّمة''؟ هو السؤال الذي يطرحه المواطنون بإقليم ولاية تيزي وزو، وحتى الجهات المسؤولة، بشأن هؤلاء الذين يزورون مكاتب البريد نهارا، عبر سيارات ينزل عدد منهم، لتهديد موظّفي المكتب البريدي المستهدف والزبائن بأسلحة نارية، في مشاهد لا تحدث سوى في الأفلام، ويقتادون مسؤول المكتب نحو مكان جمع الأموال ويتمّ الاستيلاء على ما تمّ العثور عليه ليتّجه الفاعلون ''المجهولون'' نحو وجهة مجهولة. هذه هي الطريقة التي تمّ بها الاعتداء على مكاتب البريد بولاية تيزي وزو، في أزيد من 20 عملية، تمكّنت عناصر هذه المجموعات، في أغلب الحالات، من الاستيلاء على مبالغ مالية متفاوتة.  وكان ممارسو عمليات السطو هذه، التي لا نشاهدها إلا في أفلام ''الأكشن''، يغتنمون غياب مصالح الأمن بهذه المناطق للقيام بعمليات السطو والاعتداء، والتمكّن من الإفلات من العقاب، حيث إن المكاتب البريدية المستهدفة تقع في البلديات أو القرى التي لا تتوفّر فيها هيئات أمنية، على غرار بلدية بني زمنزر ببني دوالة، حيث تعرّض المكتب البريدي في هذه البلدية النائية إلى السطو، على الأقل، 5 مرات في أقل من سنة واحدة، استحوذ مقتحموه على مبالغ مالية بقيمة متواضعة، كما تمّ الاستحواذ على العتاد والتجهيزات المتواجدة به. وطالت عمليات اقتحام مكاتب البريد مناطق نائية أخرى، على غرار مناطق واسيف وتيزي غنيف، ومعاتقة، ووافنون وقرى أخرى مترامية الأطراف بإقليم ولاية تيزي وزو. وعلاوة على المكاتب البريدية، فإن وكالة بنك التنمية المحلية بمدينة عزازفة كانت، قبل سنوات، عرضة لعملية اقتحام ''استعراضية'' في وضح النهار، تمكّن خلالها أفراد المجموعة الإجرامية، وتحت التهديد بالسلاح، من الاستيلاء على مبالغ مالية ضخمة، بالعملتين الوطنية والأجنبية. وقد خلّفت تلك العملية سقوط شرطي وجرح مواطن، أثناء تبادل لإطلاق النار بين أفراد الشرطة وعناصر المجموعة الإجرامية، التي تمكّنت من الفرار ومعها الأموال. ولم تكن حادثة بنك عزازفة الوحيدة التي خلّفت خسائر في الأرواح، فقد تمّ اغتيال قابض بمكتب بريد حاول أن يستنجد بمصالح الأمن، أثناء عملية اقتحام مكتب البريد الذي يُشرف عليه.  وموازاة مع مسلسل اقتحام وكالات البريد بالولاية، فإن سيارات نقل السيولة النقدية، بدورها، لم تنج من أفراد عصابات السطو على المال العام، حيث تعرّضت إحداها لهجوم مسلّح في الطريق الرابط بين الأربعاء ناث إيراثن وعين الحمام، حينما كانت متجهة لتموين الهيئات المالية بالمنطقة، حيث تمّ تفجير قنبلة تقليدية عند مرور العربة التي تمّ تعطيلها فورا وقُتل سائق السيارة، قبل أن تسطو العصابة على الأموال.

من يقف وراء هذه الظاهرة؟

تختلف القراءات حول هذه العمليات التي ظلّت، لسنوات، تستهدف الهيئات المالية بولاية تيزي وزو خصوصا، منها المكاتب البريدية التي تتواجد بمناطق معزولة. فحتى الجهات الأمنية لا تتّفق على اتّهام جهة واحدة باقتراف هذه الاقتحامات للاستيلاء على الأموال. ففيما تتّهم جهات أمنية المجموعات الإرهابية بالوقوف وراء استهداف مكاتب البريد، بغرض الحصول على المال للتموين بالمواد الغذائية والمؤونة والدواء وأغراض أخرى، فإن جهات أخرى تُدرج الظاهرة ضمن خانة ''الجريمة المنظّمة''، التي استفحلت بولاية تيزي وزو في العشرية الأخيرة، والتي تعدّ، حسب خبراء أمنيين، نتيجة حتمية لظاهرة الإرهاب التي عاشتها البلاد.  وفي هذا السياق، فإن استفحال الجريمة المنظّمة بالمنطقة لم يتوقّف عند استهداف مكاتب البريد، بل يتقاطع مع مسلسل الاختطافات الذي يستهدف أصحاب الأموال وأقاربهم، بغرض الحصول على الفدية. وكان والي ولاية تيزي وزو، عبد القادر بوعزقي، قد أكّد، في تصريحات صحفية قبل أيام، أن مرتكبي الاختطافات تدفعهم الرغبة في الكسب السريع بأسهل وأسرع الطرق، مؤكّدا أن الوضع الأمني بالولاية ليس سيئا بالقدر الذي يتحدّث عنه البعض، متّهما العصابات الإجرامية بالسعي للكسب السريع بطرق غير شرعية.

السلطات تردّ على عصابات السطو بـ''معاقبة المواطنين''

وكإجراء وقائي قرّرت سلطات ولاية تيزي وزو معاقبة مواطني المناطق النائية باللجوء إلى أسهل الحلول، وذلك بغلق جميع المكاتب البريدية الواقعة بالمناطق التي لا تتوفّر فيها مصالح الأمن، أو التي طالبت مؤسسة بريد الجزائر بحماية أمنية فيها لاستمرار نشاطها. وقد تمّ اتّخاذ هذا الإجراء بعدما تمّ إقرار مرافقة أعوان الأمن، سواء من الشرطة أو الدرك الوطني، لقوافل نقل الأموال باتجاه المناطق الداخلية للولاية. وقد خلّف هذا الإجراء استياءً في أوساط السكان، خصوصا كبار السن الذين يتقاضون معاشات، إذ يُجبرون على قطع مسافات معتبرة لسحب أموالهم، أو للحصول على أدنى الخدمات التي تقدّمها هذه المكاتب، إلى درجة أن اقتناء طابع بريدي يستلزم السفر نحو مركز البلديات أو الدوائر في هذه المناطق، مع ما يترتّب عن ذلك من مجهودات إضافية ونفقات أخرى.  وكإجراء استثنائي يبدو أنه أصبح عاديا، قامت السلطات العمومية بتوقيف نشاط أزيد من 20 مكتب بريد ونقل العاملين بها نحو مكتب بريد واحد بمركز البلدية، حيث تمّ خلق متاعب للمواطنين وللموظفين، في آن واحد، ''في انتظار تحسّن الوضع الأمني بالمنطقة، لإعادة فتح المكاتب المغلقة''، مثلما ظلّ يردده المسؤولون المحلّيون هنا. ويتساءل مواطنو هذه الجهات ''كيف للدولة، وما تملكه من إمكانيات مادية وبشرية، أن تعجز عن حماية هيئات تابعة لها، وتعاقب، مقابل ذلك، مواطنين بسطاء ذنبهم الوحيد أنهم يقيمون في هذه القرى والبلديات التي استهدفتها المجموعات المختصة في السطو على مكاتب البريد؟!''. وتشير إحصائيات من القطاع إلى أن مصالح البريد بولاية تيزي وزو تسيّر، حاليا، قرابة 500 ألف حساب جاري لموظّفين ومتقاعدين، وأن شريحة هامة من هؤلاء يقطنون بالبلديات والقرى النائية، ويضطرّون للتنقّل نحو المكاتب المركزية لسحب أموالهم.

عدد القراءات : 1782 | عدد قراءات اليوم : 1
أنشر على