بعد الانقسام صار أكثـر انسجاما دينيا واقتصاده أكبر تحدٍ
الانفصال لم يجلب السلام ولا التنمية للسودان
إسرائيل تعمل على مفاقمة أزمات السودان حتى يصعب عليه معالجتها

السودان الجديد في 2013 تغيّر كثيرا عن السودان الموحّد الذي رأيته في 2010 ، فمساحته تقلّصت وكذلك عدد سكانه ومداخيله النفطية. وأصبح الذهب المصدر الأول للعملة الصعبة، وانخفضت قيمة الجنيه السوداني، وعانت البلاد من تضخّم وارتفاع الأسعار، ما أخرج الناس في مظاهرات محدودة، أشبه باحتجاجات الزيت والسكر بالجزائر في جانفي 2011.

 لكن، من جهة أخرى، أصبح السودان أكثـر انسجاما لغويا ودينيا واجتماعيا، وحتى عرقيا، فلم يعد هناك عدد كبير من الجنوبيين والمسيحيين في الخرطوم، فالمسلمون ارتفع عددهم من 70 بالمائة قبل الانفصال إلى 7, 96 بالمئة بعده، ولم تعد هناك مظاهر العربدة والتنانير القصيرة والحفلات الصاخبة التي كان ينظّمها الجنوبيون في الخرطوم، والتي كانت تستفز السودانيين (الشماليين)، دون أن يتمكّنوا من تحريك ساكن.

الانقسام لم يجلب السلام للسودان
الانفصال الذي كان من المفترض أن يجلب السلام والاستقرار والتنمية للسودان لم يحقق أيا من ذلك، فالخرطوم دخلت في حرب محدودة مع الدولة الوليدة، ولم تتمكن، لحد الآن، من ترسيم الحدود مع جوبا (عاصمة دولة جنوب السودان). بل أكثـر من ذلك بقي التمرد متواصلا في الولايات الجنوبية للسودان الجديد، بدعم من جوبا التي رفضت فكّ الارتباط مع المتمردين الشماليين الذين كانوا جزءا من الحركة الشعبية لتحرير السودان، التي قادت التمرّد في الجنوب، أو من يطلق عليهم في السودان ''القطاع الشمالي للحركة الشعبية لتحرير السودان''.
أما في دارفور (غرب السودان) فمازال التمرد قائما، رغم سقوط نظام القذافي الذي كان أكبر داعم لحركات التمرد في دارفور. ورغم تشكيل فرق عسكرية مشتركة بين السودان وتشاد لمحاربة المتمردين على الحدود بين البلدين، وحتى اتفاقيات السلام التي رعتها قطر والأموال التي وعدت بها دارفور في مؤتمر المانحين بالدوحة من أجل تحقيق التنمية، لم يؤت كل ذلك أكله، لحدّ الآن.
والأكثـر من ذلك تعرّض وسط السودان (أم روابة ولاية شمال كردفان)، خلال تواجدنا بالخرطوم في أفريل 2013، لهجوم وحشي من قِبل حركة تمرّد تسمى ''الجبهة الثورة''، أحرقت ونهبت واختطفت، بشكل يخيّل لك أنك في زمن الجاهلية الأولى بالجزيرة العربية، عندما كانت تغير القبائل على بعضها البعض وينهب قطاع الطرق قوافل التجار والحجاج.
ومع كل هذه الأوضاع الأمنية غير المستقرة، في جنوب وغرب ووسط السودان الجديد، إلا أن سكان العاصمة، الخرطوم، يعيشون في أمن وطمأنينة وسلام، وأوضاعهم من حسن إلى أحسن، بعد أن بدأوا يمتصون هزة الانقسام وما خلّفته من غلاء في المعيشة. وفي الخرطوم تشعر براحة غريبة، فالناس طيبون ومسالمون ومضيافون أيضا.
فالسودان الجديد استطاع، الآن، تحقيق الاكتفاء الذاتي من الكهرباء، بل لديه فائض قابل للتصدير، وهذا بفضل استكمال إنجاز ''سد مروي''، أكبر سد في إفريقيا (حسب السودانيين) ودخول محطات إنتاج الكهرباء بالطاقة الكهرومائية حيز الخدمة، كما تمكّن السودان من تحقيق الاكتفاء الذاتي من السكر.
في 2010 تركت غابة السنط، وسط العاصمة الخرطوم، وقد تم إزالتها لبناء قرية سياحية تطلّ على النيل، ولما عدت في 2013 وجدت بنايات زجاجية زرقاء كبيرة وحدائق خضراء في قرية السنط الجميلة، وأخبرني مرافقي السوداني، مصطفى، أن العديد من الشركات الأجنبية لم تستكمل استثماراتها في قرية السنط، لذلك تأخر إنجاز مختلف مرافق هذه المدينة السياحية. ولكن الاستثمارات القطرية بدت بارزة أكثـر مما وجدته قبل ثلاث سنوات، حيث كان هناك تنافس سعودي كويتي على الاستثمار في السودان. أما برج الفاتح أجمل تحفة معمارية في السودان، والذي بناه الأمير السعودي الوليد بن طلال، أغنى رجل في العالم العربي، وباعه للعقيد معمر القذافي، فلم يعد يحمل الاسم نفسه (الفاتح)، الذي يرمز لثورة الفاتح من سبتمبر التي خلع فيها القذافي الملك السنوسي في 1969 ، أصبح اسمه بعد الثورة الليبية ''كورينثيا''.
وقال لي زميل مصري، يدعى جمال عرفة قبل مغادرتنا السودان، إنه ''قبل مجيء حكومة الإنقاذ، في 1989 ، بقيادة عمر البشير، كان السودان يعاني من نقص التنمية والتهيئة العمرانية وقلة الطرق المعبّدة، أما، الآن، فكل هذه المباني الراقية والجسور والطرق المعبّدة شيّدت في عهد عمر البشير''، مضيفا أن ''الحكومات السابقة لم تكن بالكفاءة نفسها في التنمية، مثلما هو الحال في عهد حكومة البشير''.

السودان خسر الكثير اقتصاديا بعد الانفصال
مساحة السودان تقلصت من 589 ,2 مليون كيلومتر مربع قبل الانفصال في 2011 إلى 882 ,1 مليون كيلومتر مربع بعد الانفصال، متراجعا من المرتبة الأولى إفريقيا وعربيا إلى المرتبة الثانية إفريقيا، بعد الجزائر، والثالثة عربيا، بعد الجزائر والسعودية، وعدد سكانه تراجع من 41 مليون نسمة في 2010 إلى 33 مليون نسمة في 2012 ، وبذلك تراجعت السودان من المرتبة الثانية من حيث عدد السكان عربيا إلى المرتبة الرابعة عربيا، بعد مصر والجزائر والمغرب.
كما خسر السودان 75 بالمائة من مداخيل البترول التي قدرت قبل الانفصال بنحو 8 مليارات دولار، ما جعله يعيش أزمة اقتصادية خانقة، خاصة بعد وقف تصدير نفط دولة جنوب السودان عبر الأنابيب التي تعبر أراضيه ليصدّر إلى الصين وماليزيا ودول أخرى عبر ميناء بورتسودان.
فقبل الانفصال كانت الخرطوم تحصل على 4,4 مليار دولار من مداخيل النفط، وجوبا على 3 مليارات دولار، وأزيد من 6 مليارات دولار للشركات الأجنبية، خاصة الصينية والماليزية. لكن بعد الانقسام تراجعت مداخيل الخرطوم إلى 9, 1 مليار دولار، وخسرت ميزانيتها 5 ,2 مليار دولار، وهو مبلغ ضخم بالنسبة لدولة لا تتجاوز صادراتها 4 مليارات دولار، بعدما تجاوزت مداخيل السودان الموحّد 10 ملايير دولار في 2010 .
وتراجع مداخيل النفط أدى إلى ثغرة عميقة في الاقتصاد السوداني جعلت الجنيه يتراجع بشكل كبير من 5, 3 جنيه سوداني لكل أورو في 2010 إلى قرابة 6 جنيهات لكل أورو في السوق الرسمية، ويصل إلى 8 جنيهات في السوق السوداء. وقلة النقد الأجنبي في السودان تسببت في خسائر كبيرة لشركات أجنبية عند تحويل أرباحها إلى الخارج. على غرار شركة ''زين'' الكويتية للاتصالات أو شركة ''آم.تي.آن'' الجنوب إفريقية للاتصالات.
لكن بمجرد الاتفاق بين الخرطوم وجوبا على إعادة ضخ بترول جنوب السودان عبر أنابيب الشمال انتعش الجنيه السوداني، وتقلّصت نسبة التضخم من 46 إلى 41 بالمائة. ويتفاءل السودانيون بأن اقتصادهم سيتحسن بمجرد تصدير أولى شحنات نفط الجنوب عبر ميناء بورتسودان، حيث ستحصل الخرطوم على رسوم نفط الجنوب ما بين دولار إلى 37 دولارا عن كل برميل نفط جنوبي يمر عبر أراضيها، وهو ما سيوفر مداخيل إضافية هامة للاقتصاد السوداني، خاصة وأن حقول دولة جنوب السودان تنتج 350  ألف برميل يوميا، وتعتمد على النفط بنسبة 98 بالمائة، وليس لها من طريق لتصديره إلا عبر ميناء بورتسودان.      
الذهب الأصفر بديلا عن الذهب الأسود
تقلّص إنتاج السودان من 500 ألف برميل يوميا من النفط إلى 150 ألف برميل يوميا، أدى إلى تقلّص صادراته إلى أقل من ملياري دولار أو ما يمثّل 37 بالمائة من الاقتصاد السوداني، ما جعله يبحث عن بدائل للذهب الأسود، فكان البديل هو الذهب الأصفر الأصيل، الذي تم تصدير ما قيمته 2,2 مليار دولار في 2012، بعد أن صدر 42 طنا من الذهب، خاصة أن احتياطي السودان من المعدن النفيس كبير، ويصل إلى 940 طن، كما إنه يوظف مليوني شخص، فضلا عن استخراج أفراد للذهب بشكل فردي، وهو ما ساهم في تعويض الثغرة المالية التي خلّفتها خسارة 75 بالمائة من مداخيل النفط.
وإلى جانب الذهب تحاول الخرطوم تنويع صادراتها من خلال التركيز على الزراعة، إذ تعد السودان أكبر مُصدّر عالمي للصمغ العربي (90 بالمائة من الإنتاج العالمي)، كما إنه مصدّر للقطن والحبوب الزيتية كالفول السوداني ومختلف أنواع المكسّرات، والتي بدأت تجد لها رواجا في الأسواق العالمية، على غرار الهند.
وتملك السودان ثـروة حيوانية كبيرة تصدّر جزءا منها إلى السعودية بأربعة ملايين رأس، فأغلب أضاحي الحجاج في مكة المكرمة تأتي من السودان، كما إن مصر تستورد أعدادا هامة من رؤوس الماشية. ولحوم الأغنام السودانية شهية وقليلة الشحوم لاعتماد السودانيين في تغذيتها على الرعي، إلا أن اللحوم الجزائرية أشهى!

6 وزراء مسلمين في دولة جنوب السودان
وأكد مسؤولون سودانيون لـ''الخبر'' أن المسلمين في دولة جنوب السودان الوليدة ليسوا أقلية مضطهدة، بل يمثلون الفئة الأكثـر تعلما وثقافة، و''الحركة الشعبية لتحرير السودان''، الحاكمة في جنوب السودان، والتي تربى بعض قادتها على يد المدارس التبشيرية المسيحية لا يمكنهم القفز على هذه الحقيقة، خاصة وأن 90 بالمائة من شعب جنوب السودان أميون، لذلك فـ''الحركة الشعبية'' مضطرة للاستعانة بالكفاءات والإطارات المسلمة في جنوب السودان.
وأكثر المسلمين نفوذا في دولة جنوب السودان سلطان قبيلة الدينكا، التي ينحدر منها رئيس الدولة سلفاكير ميارديت، ويدعى ''السلطان عبد الباقي'' ويلقب، أيضا، بـ''نصير المسلمين''، ربما لأنه ينصر كل مسلم يلجأ إليه إذا ما واجهته مشكلة في دولة جنوب السودان.
ومع ذلك، انتُقد السلطان عبد الباقي (73سنة) لأنه خالف الشريعة الإسلامية عندما تزوّج من 70 أو 90 امرأة، فكان يردّ: ''تزوجت أربع نساء، أما البقية فسبيّتهن في المعارك''.
أحد المسؤولين السودانيين أكد لي أنهم لا يخشون على المسلمين في جنوب السودان، مشيرا إلى أن ستة وزراء في حكومة دولة جنوب السودان مسلمون.  

إسرائيل تخشى أن يصبح السودان بلدا عملاقا إذا استقر
خلال لقاء الوفد الإعلامي الإفريقي بوزير الاستثمار السوداني، مصطفى عثمان إسماعيل، والذي شغل مناصب هامة في السودان، كنائب رئيس الجمهورية ووزير الخارجية، سألته عن سبب زيارة نائب رئيس المخابرات الإسرائيلية إلى جنوب السودان، بعد يومين من زيارة الرئيس عمر البشير إلى جوبا، فأشار إلى أن إسرائيل تخشى أنه في حال استقر السودان سيصبح بلدا عملاقا، مثل السعودية ومصر والعراق.
واستدل وزير الاستثمار بتقرير لرئيس الأمن الداخلي الإسرائيلي، آفي ديختر، الذي تحدث عن السودان فقال: ''كانت هناك تقديرات إسرائيلية، حتى مع بداية استقلال السودان في منتصف عقد الخمسينيات، أنه لا يجب أن يُسمح لهذا البلد، رغم بعده عنا، أن يصبح قوة مضافة إلى قوة العالم العربي، لأن موارده، إن استثمرت في ظل أوضاع مستقرة، ستجعل منه قوة يحسب لها ألف حساب. وفي ضوء هذه التقديرات، كان على إسرائيل أو الجهات ذات العلاقة أو الاختصاص أن تتجه إلى هذه الساحة، وتعمل على مفاقمة الأزمات وإنتاج أزمات جديدة، حتى يكون حاصل هذه الأزمات معضلة يصعب معالجتها فيما بعد''.    
وأشار مصطفى عثمان إسماعيل إلى أن إسرائيل هاجمت السودان ثلاث مرات، لدورها في دعم القضية الفلسطينية، سياسيا وإعلاميا، واستعملت تكنولوجيا عالية للتشويش على الرادارات السودانية، لذلك لم تتمكّن الدفاعات الجوية السودانية من إسقاط أي طائرة إسرائيلية مهاجمة.
وأضاف الوزير السوداني أن السودان كان دوما العمق الإستراتيجي للأمة العربية، خاصة في حرب 1967، حيث لجأت الطائرات المصرية إلى المطارات السودانية.
واعتبر وزير الخارجية السابق أن قبول السودان الاستفتاء على انفصال الجنوب جاء بعد حرب دامت 50 سنة، خلقت انفصالا حقيقيا بين الطرفين وشوّهت صورة السودان، الذي قُدّم كبلد يتاجر في العبيد، وخسائر بشرية ومادية كبيرة.

إصرار سوداني على تطوير العلاقة مع الجزائر
ويرى وزير الخارجية السوداني الأسبق، مصطفى عثمان، أن الشعبين السوداني والجزائري من أقرب الشعوب العربية لبعضهما، من حيث التركيبة النفسية والاجتماعية، لأنهما يرفضان الضيم (الظلم والحفرة) ومعتدّان بعروبتهما وإفريقيتهما.
وأكد مصطفى عثمان إصرار حكومة السودان على تطوير العلاقات مع الجزائر، رغم أنه لا يوجد أي خط جوي مباشر يربط البلدين، لكنه عبّر عن تفاؤله في إمكانية تطوير هذه العلاقات، حيث قال ''في السابق كانت قدراتنا محدودة، وحاولنا توفير اللحوم للجزائر مع عدد من الشركات (الجزائرية). أما، الآن، فهناك رجل أعمال جزائري (يسعد ربراب) اقترح استثمار مليار دولار في قطاع السكر، بالإضافة إلى عدد من الشركات الجزائرية التي تنشط في عدة قطاعات.

الكركدي والتبلدي والعرديب أشهر المشروبات السودانية
يشتهر السودان بمشروب الكركدي، الذي يشرب ساخنا مثل الشاي أو باردا كالعصير بعد إضافة السكر، ولونه عنابي كما لديه لون أبيض، وله فوائد صحية كثيرة ويتناوله السوريون بكثـرة، كما يباع في الجزائر كدواء لدى العشابين، ولكن بكميات قليلة. ومن فوائده أنه يخفف ضغط الدم المرتفع ويزيد من سرعة دوران الدم، ويقوّي من ضربات القلب، وهو مرطّب ومنشّط للهضم ويمنع الإحساس بالعطش، ويحدّ من نمو الأورام السرطانية، ويساعد على تخفيف آلام النقرس والروماتيزم، وكذلك يحتوي على نسبة عالية من فيتامين سي، ويساعد في علاج نزلات البرد وعلاج السعال وارتفاع الحرارة وهو مفيد لحالات السل الرئوي، ومهدئ لتقلّصات الرحم والمعدة والأمعاء ويزيل الألم. والأهم من كل ذلك أنه مهدئ للأعصاب، وينصح به للمتزوجين بسيدات نكديات.
ومن المشروبات المشهورة في السودان ''التبلدي'' أو القنقليز، وهو ثمرة لشجرة التبلدي المشهورة في غرب السودان، وتكسر الثمرة بأداة قوية ويستخرج منها ثمرة بيضاء ناصعة وبداخلها نواة سوداء كبيرة، ويوضع التبلدي في الماء لمدة ثم يتم تفتيت الجزء الأبيض ووضعه في ماء نقي وترمى البذرة السوداء ويترك ليبرد مع إضافة السكر، ويشرب كعصير وهم مفيد لأمراض المعدة. المشروب الثالث ويسمى العرديب يغسل بالماء ثم يضاف عليه ماء حسب كميته، وبعد ذلك يوضع لفترة من الزمن حتى يتبلل تماما، ثم يتم خلطه بالخلاط ويصفى ويمكن إضافة روح الأناناس أو الموز له، فضلا عن السكر وبكميات كبيرة نظرا لطعمه المر والمركّز.
المشروب الرابع هو ''الحلو مر''، وهو المشروب الأول في رمضان بالنسبة للسودانيين لأنه يقاوم العطش، وخاصة أن هذا البلد معروف بدرجات الحرارة المرتفعة، التي تصل في أفريل إلى 48 درجة مئوية، ويتشكل من طحين الذرة والزنجبيل والقرفة، وتوضع في الماء ثم تنقع، لمدة ساعة أو أكثـر، لتصبح مشروبا ذا طعم غريب.
وقد زرنا السوق الشعبية في الخرطوم، واطلعنا على أنواع مختلفة من العصائر، على غرار عصير المانجو الشهير وعصير فاكهة الجوافة غير المعروفة في الجزائر، فضلا عن الفول السوداني الذي يحمص على الجمر وليس على النار كما في الجزائر، وثمار مختلفة لم نسمع بها ولم نشاهدها من قبل.

النيل ثـروة السودان الخالدة  
ارتبط النيل، في المخيال الجزائري، بمصر، فمن منا لا يذكر تلك المقولة الشهيرة ''مصر هبة النيل''، إلا أن السودان يحتفظ بأجمل المناظر لنهر النيل، خاصة في مدينة الخرطوم، حيث يشق النيل الأبيض طريقه من بحيرة فيكتوريا في أواسط إفريقيا عابرا غابات وسهوب وسهول ليصل إلى الخرطوم مرهقا، وقد ضيع الكثير من مياهه في منطقة المستنقعات بولاية جونقلي بدولة جنوب السودان الوليدة، ويصطدم بنهر هادر دافق نازل من الهضبة الإثيوبية يدعى ''النيل الأزرق''، والذي يمثّل 70 بالمائة من مياه النيل التي تصل إلى مصر، رغم أن طوله أقصر بكثير من النيل الأبيض العجوز، ويلتقي النيلان في منطقة المقرن، وتحاصر مياه النيلين جزيرة جميلة تسمى ''توتي''، والتي تتميّز عن بقية برّ الخرطوم بجوّها اللطيف.
ويشق النيل طريقه مخترقا صحاري وقفار ضمآنة لكل قطرة ماء، حتى يقترب من البحر الأبيض المتوسط ويتفرع إلى عدة تفرعات صغيرة مشكلا دلتا النيل.
ويشكّل النيل، بالنسبة للسودان، موردا حيويا، فمنه يرتوي سكان الخرطوم والمدن والقرى القريبة منه، فهناك اعتقاد بأن مياه النيل مقدسة لكل من يشرب منها. وبفضل سد مروي العملاق، في شمال السودان، ولدت مدن جديدة ومطار، واكتشفت آثار لأمم غابرة، وسدّ السودان احتياجاته من الكهرباء واستصلحت أراض واسعة. كما إن نهر النيل استغل لأغراض تجارية مع دولة جنوب السودان، وكذلك في السياحة، فركوب ''المعديات'' متعة لا مثيلة لها، خاصة عندما تبحر في النهر ساعة الغروب، كما أن النهر يحوي على أنواع عديدة من الأسماك، ويزوّد المناطق البعيدة عن البحر الأحمر بثـروة سمكية يفتقدها سكان الصحراء، ناهيك عن سقي ملايين الهكتارات من المزارع.. إنه رئة السودان التي يتنفس منها.
غير أن النيل كاد يتسبب في حرب بين مصر وإثيوبيا، في عدة مناسبات، وخلاف عميق بين مصر ودول المنبع (إثيوبيا، أوغندا، كينيا، الكونغو الديمقراطية)، لأن مصر تعتمد على مياه النيل بشكل حيوي، خاصة مع تزايد عدد سكانها، ليصل إلى 90 مليون نسمة وافتقادها لموارد مائية جوفية، وأي نقص لمياه النيل قد يحوّل مصر إلى صحراء قاحلة، ما يجعل المساس بمياه النيل قضية حياة أو موت بالنسبة للمصريين، وليست كذلك بالنسبة لإثيوبيا مثلا، التي لديها الكثير من الموارد الجوفية البديلة.
غير أن دول المنبع تعتبر أن مصر أخذت حصة الأسد من مياه النيل (55 مليار متر مكعب)، في اتفاقية ظالمة وقعت في منتصف القرن الماضي، وتطالب بمراجعتها، بل إن إثيوبيا تحدّت مصر وشرعت في بناء سدّ ''النهضة'' على نهر النيل الأزرق، وأكد رئيسها بأن إثيوبيا بإمكانها هزيمة مصر في أي حرب قد تخوضها ضدّهم.
أما السودانيون فيعتبرون أنفسهم غير معنيين، بشكل مباشر، بمعارك ''النيل''، لأنهم ليسوا دولة منبع ولا دولة مصب، وحصتهم من مياه النيل تقدّر بـ18  مليار متر مكعب، وهم لا يستهلكون من حصتهم سوى 14  ألف مليار متر مكعب، ورغم ذلك فهم متضامنون ''شكليا'' مع مصر.
وكان بإمكان إنهاء قناة جونقلي في دولة جنوب السودان أن يحلّ جزءا من المشكلة، إذ إن مصر سعت، منذ سنوات طويلة، في حفر قناة مستقيمة، حتى لا تضيع مياه النيل الأبيض في المستنقعات وتتدفّق، بشكل مباشر، في مجرى النيل الجديد، ما يزيد من حجم المياه التي تصل إلى مصر. لكن متمردي جنوب السودان هاجموا، حينها، العمال المصريين، ما دفع مصر إلى توقيف المشروع.
وحسب الإعلامي المصري جمال عرفة فإن مصر حاولت إقناع دولة جنوب السودان، بعد انفصالها عن الشمال، بإعادة إنجاز هذا المشروع، إلا رئيس دولة الجنوب، سلفا كير، امتنع، بحجة أن ذلك قد يضر بمصالح سكان المنطقة.

عدد القراءات : 5217 | عدد قراءات اليوم : 3
أنشر على
 
 
1 - Lamine
Alger
2013-05-17م على 5:31
خذوا العبرة يا انفصاليو الجزائر !!! يا من تريدون ان تقسموننا الى دويلات
2 - ميمون
سعيدة
2013-05-17م على 8:59
موضوع غني بالمعلومات وبلغة سليمةوقليل من لغة الخشب لاتذهب بجمال المقال و قيمته. نريد المزيد من هذه المقالات التي تثقف القارئ وتفتح له آفاقاًعلىمجتمعات وثقافات أخرى. شكراللمراسل مرة أخرى.
3 - شمس الجنوب
من أدرار
2013-05-17م على 9:18
الذين يجب أن يعتبروا هم مصاصوا الدماء سواء أكانوا في الشمال أو الجنوب ولعلمك أن معظم سكان الجنوب يعيشون تحت خط الفقر يكفي أن تعلم أن غاز المدينة مثلاً لا يتوفر لمعظم المواطنين رغم أنه مستخرج من تحت أراضيهم.إذاً على أصحاب القرار أن يتعضوا لأن الذي فرق السودان ليس الشعب إنما المسؤولون.
4 - djsahraoui
ouargla
2013-05-17م على 10:59
مقال متميز ومليئ بالمعلومات الفريدة لذالك قررت الاحتفاض به للرجوع اليه من حين الى اخر فمزيد من التالق يا خببر
5 - عبد الجليل
algerie
2013-05-17م على 10:35
كفانا تخويفا وترهيبا اذا كانت هذه مشاكل السودان بعد الانفصال فهذه هي مشاكلنا منذ أبد الابدين ودهر الداهرين كما ان السودانيين اعلى مستوى فكري منا بعشرات السنين الضوئية,