السيدة زبيدة عميرات تستعيد ذكرى زوجها
سليمان ناضل للجزائر ومات من أجل الديمقراطية
من أقوال سليمان عميرات: ''لو خُيِّرت بين الجزائر والديمقراطية فإني أختار الجزائر''

استضافتنا المجاهدة زبيدة عميرات في بيتها بحيدرة، مساء يوم ممطر. دخلنا صالونها الدافئ، وأول ما لفت انتباهنا تلك الصور المخلدة للمرحوم سليمان عميرات المعلقة على الجدران، كان يقف شامخا معتزا بنفسه. وعلقت أمام تلك الصور، بعض الشهادات التي سلّمت له عرفانا لمشاركته في حرب التحرير، إضافة إلى وسام الأثير.

 ارتأت السيدة عميرات في البدء أن تحدثنا عن مؤسسة سليمان عميرات، التي أسستها لتخليد ذكرى زوجها وبعث القيم التي ناضل من أجلها. قالت إن المؤسسة وُلدت عقب رحيل زوجها، وجاءها الاعتماد بعد انتظار عدة سنوات، لكنها لم تتلق إلى حد الآن أي دعم، ما أجبرها على تنظيم بعض النشاطات والأعمال الخيرية من أموالها الخاصة، ومن التبرعات التي تجمعها من هنا وهناك، يقدمها بعض الأصدقاء والمعارف المتعاطفين مع ذكرى المرحوم سليمان عميرات.
أخبرتنا السيدة زبيدة، بكل فخر، أنها بصدد التحضير لعملية خيرية تتمثل في توزيع عدد من الكراسي المتحركة على ذوي الحاجة، وقد تحصلت عليها من قبل بعض الجمعيات الخيرية. أما عن دعم الدولة للمؤسسة فهي لم تتلق إلى حد الآن ولو سنتيما واحدا، لكنها لم تفقد الأمل، ولم تبد أي امتعاض، وما تزال تنتظر التفاتة رسمية، تعطي مؤسسة عميرات بالخصوص مقرا، يمنحها دفعا ويمكنها من بعث ذكرى الرجل، وتعريف الخلف بمحاسنه وبروحه النضالية من أجل الجزائر والديمقراطية على حد سواء.
سليمان عميرات عضوا في ''لوس'' في سن الـ17
في خضم حديثنا مع السيدة زبيدة عميرات، عادت إلى نضال زوجها سليمان عميرات، المولود يوم 24 جويلية 1929 بمشدالة بالبويرة. أخبرتنا أنه ناضل في الحركة الوطنية منذ الصغر، والتحق بالمنظمة الخاصة، وعمره لم يتجاوز آنذاك السابعة عشرة من العمر. ويعود الفضل في ذلك إلى أخواله الذين وجدوا فيه القدرة الكافية لتحمل متاعب العمل السري والانضمام إلى منظمة عسكرية. فقد كان يملك قوة جسدية وتقبلا نفسيا رشّحاه للقيام بأي عمل عسكري مسلح ضد فرنسا الاستعمارية. وقالت محدثتنا باعتزاز: ''لما قامت الثورة في نوفمبر 1954، كان سليمان من طلائع المجاهدين الذين عملوا في صفوف جيش التحرير بالولاية الثالثة، إلى جانب القائد الشجاع عبد الرحمن ميرة. ولما اكتشف هذا الأخير صلابته وعمق روحه الثورية، قرّر إرساله إلى فرنسا للتكفل بعملية التحسيس في أوساط العمال الجزائريين المغتربين. وبالفعل شدّ عميرات الرّحال إلى باريس في مارس من عام .''1955
واستفاضت المجاهدة زبيدة عميرات في الحديث عن الدور النضالي والثوري الذي لعبه زوجها أثناء حرب التحرير، وقالت: ''في فرنسا لعب دورا أساسيا في وضع حد لهيمنة أنصار الحركة الوطنية الجزائرية التي أسّسها مصالي الحاج في ديسمبر .1954 وتم اختياره من قبل قادة الثورة، لكي يكون عضوا في وحدات ''كومندوس'' خاصة للقيام بهذه المهمة، وكان يعمل تحت إمرة عمر عدلاني إلى غاية سنة 1958، حيث ألقي عليه القبض من قبل الشرطة الاستعمارية في باريس، ونقل إلى السجن بالجزائر، حيث قضى عدة سنوات في سجون قسنطينة وميلة إلى غاية سنة .''1960 وكشفت السيدة عميرات جوانب خفية من نضال زوجها في السجون الفرنسية، وقالت: ''خلال مرحلة سجنه، قام بخلق تنظيم ثوري داخل السجون، ومن خلف أسوارها كان يعمل على جمع التبرعات والأدوية للمجاهدين، بفضل تعاون عائلات السجناء. وبالفعل تمكن من جمع مبلغ مالي معتبر، يقدّر بأربعمائة ألف فرنك شهريا، إضافة إلى كميات من الأدوية تم نقلها للجبال حيث كان يرابط المجاهدون''.
التحاق زبيدة قدور بالمجاهدين وسجن سليمان في نفس العام
شاءت الصدف أن تلتحق زبيدة قدور بصفوف المجاهدين عام 1958، أي في العام الذي ألقي القبض على سليمان عميرات. التحقت بالثورة كنتيجة لنضال عائلتها الثوري، وميل والدها لأفكار الشيخ عبد الحميد بن باديس الإصلاحية، حيث كان يستقبل الفدائيين في بيتهم الكائن بالأبيار، ويدعمهم. ولما اكتُشف أمره، وضع الجيش الفرنسي دورية للمظليين بالقرب من بيت العائلة. وقالت: ''بعد أن اشتدت حراسة الجيش الفرنسي على كل أفراد عائلتي، وضعت السلطات الفرنسية اسمي في قائمة المطلوبين للعدالة، أخبرت والدي ذات يوم من صيف عام 1958 أنني قررت الالتحاق بالمجاهدين. صمت قليلا، وقال إنه يرفض ذلك بصفته والدي ويخاف علي، لكنه كمناضل لا يجد أي مانع، وبالفعل التحقت بالثورة بالولاية الرابعة بالمكان المسمى ''رميلي'' ليس بعيدا عن جبال ''الزبربر''.
وعلمنا من السيدة زبيدة أن ستة من أفراد أسرتها التحقوا بالثورة، وألقي القبض على أختها جميلة عام 1958، وظلّت في السّجن إلى غاية سنة 1960، كما عملت أختها الأخرى فتيحة مع الفدائيين من موقع عملها بمحافظة شرطة العاصمة، ثم التحقت بدورها بالجبل، واثنان من إخوتها استشهدا، وهما محمد وجيلالي. وكان محمد عضوا في كومندوس علي خوجة الشهير، الذي كان ينشط على مستوى ''الزبربر''، والذي نفذ عملية ''باليسترو'' الشهيرة ضد الجيش الفرنسي. وقد رفض أخوها الشهيد محمد الالتحاق بتونس للدراسة، وفضل البقاء إلى جانب أفراد ''الكومندوس'' إلى غاية استشهاده. وقالت محدثتنا بخصوص نشاطها الثوري: ''عملت إلى جانب مجاهدين من العاصمة، وهما عبد القادر بلخوجة المدعو ''براقي''، وعبد النور إسماعيل القادم من حي القصبة العتيق. وما زلت أذكر اليوم الذي تمكنت وحدات من الجيش الفرنسي بتعقب آثارنا في عين بسام''، تقول السّيدة زبيدة ''فساعدتنا عائلة مغراوي على الاختباء في بيتها إلى غاية زوال الخطر. وفي نفس اليوم وضعت إحدى النسوة مولودا أسمته زبيدة. كانت ظروف معيشة هؤلاء الجزائريين في المناطق النائية قاسية جدا، وقد اكتشفت تلك الأوضاع لأول مرة. صحيح أن أبناء المدن عانوا بدورهم من الاستعمار، لكن معاناة هؤلاء الناس في الأرياف كانت أكثر بكثير''.
بقيت السيدة زبيدة تسرد تفاصيل من نضالها الثوري، وكنا نصر على معرفة المزيد منها، لكنها كانت تلفت انتباهنا،وبكل تواضع المرأة المجاهدة، أننا بصدد الحديث عن نضال سليمان عميرات وليس نضالها هي، ورغم ذلك بقينا نصر على معرفة مشاركتها في الثورة، فقالت: ''ذات مرّة مشينا سيرا على الأقدام من تابلاط إلى عين بسام، وعندما استقبلتنا بعض العائلات من سكان الأرياف، طبخوا لنا أحسن ما عندهم من أكل، ولما قامت أحداث صيف 1962، وما رأيته من خلافات بين الإخوة قرّرت الانسحاب نهائيا والعودة إلى البيت، قلت في نفسي إن دوري انتهى باستقلال الجزائر''. وأضافت بكثير من الاعتزاز: ''الثورة كانت مهمة الجميع، والنساء لعبن دورا كبيرا. حتى أن أحد ضباط الجيش الفرنسي المكلفين بعملية تطبيق ما جاء في اتفاقية وقف إطلاق النار في مارس ,1962 سمعته يقول، بعد أن شاهد عدد من مجاهدات الولاية الرابعة: ''الآن أدرك لماذا انتصر الجزائريون، لقد حققوا النصر بفضل النساء المتعلمات''. في إشارة منه إلى دور النساء في الحرب''.
ومع مرور الزمن، بقيت أشياء كثيرة تحز في نفس السيدة عميرات، فقد كان وقع التطاحن الذي حصل بين جيش الحدود ومجاهدي الولاية الرابعة صعبا عليها، تحملته بصعوبة، كما تحمّلت تلك المقولات التي راجت بعد الاستقلال بخصوص مظاهرات 11 ديسمبر بالأحياء الشعبية بالجزائر العاصمة. وتعتقد محدثتنا أن ما جرى ذلك اليوم لم يكن عفويا، إذ نزل عدد من المجاهدين من الولاية الرابعة بأمر من الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وكانت هي برفقتهم، واتصلوا بالمواطنين بغية تحسيسهم بضرورة الخروج في مظاهرات عارمة، للتعبير عن مساندتهم لجيش وجبهة التحرير الوطني. لكن المؤرخين، وحتى الخطاب الرسمي، لا يتطرق لهذا الدور الفعال، ولا إلى تقديم صورة حقيقية عن مجريات الأحداث بخصوص مظاهرات 11 ديسمبر، التي كان لها وقع كبير على الثورة، وشكّلت بالفعل منعرجا حاسما، ويفضل الحديث عن مظاهرات عفوية.
الحكم بالإعدام على سليمان عميرات
عادت السيدة زبيدة إلى مسار المرحوم سليمان عميرات، وقالت: ''أُطلق سراح عميرات سنة 1960، فقرّر العودة إلى باريس بجواز سفر مزوّر، واستأنف عمله في وحدات كومندوس جيش التحرير. لكن الشرطة الفرنسية تمكّنت من إلقاء القبض عليه مرة ثانية سنة 1961، فنقلته إلى مركز ''سانت موريس لاردواز'' الشهير، حيث تعرض للتعذيب، ونجا من الموت بفضل تظاهرة طلابية نظمها الطلبة الجزائريون في باريس. وبقي هناك إلى غاية الاستقلال، فعاد إلى الجزائر، وانضم إلى القوات التي أسندت لها مهمة وضع حد لإرهاب منظمة الجيش السري التي أنشأها الجنرال صالون لتخريب الجزائر وقتل الجزائريين بشكل عشوائي. وكان ينشط بين الأبيار وبوزريعة''.
بقي سليمان وفيا للشرعية الثورية، ورفض التخلي عن الحكومة المؤقتة، لكنه رفض الدخول في أي نشاط سياسي. فعمل في سلك الشرطة بين تلمسان والجزائر العاصمة، لكنه سرعان ما اتصل بجبهة المعارضين لنظام أحمد بن بلة، والتي شكلها كل من بلقاسم كريم، محمد بوضياف، والعقيد محند أولحاج. وعقب تأسيس جبهة القوى الاشتراكية من قبل حسين آيت أحمد، قرّر الالتحاق بها فحكم عليه بالإعدام خلال محاكمة آيت أحمد والعقيد شعباني الشهيرة. وقالت السيدة عميرات إن زوجها تمكن من الفرار إلى فرنسا، وبقي هناك إلى غاية إقدام العقيد هواري بومدين على الانقلاب على الرئيس بن بلة في جوان .1965 مضيفة: ''لم يكن عميرات راضيا على سياسات الرئيس بومدين، ورفض كل ما قدم له من مقترحات، وظل متمسكا بفكرة إطلاق سراح آيت أحمد. وكرد فعل انضم إلى الشخصيات التي أسّست حزب الحركة الديمقراطية من أجل التجديد في الجزائر، والتي كان على رأسها كريم بلقاسم في أكتوبر .1967 وكان رد فعل النظام صارما منذ البداية، حيث ألقى القبض على عميرات يوم 2 جويلية 1968، وحكم عليه بالإعدام بعد تسعة أشهر، لكن الرئيس بومدين، رفض تنفيذ الحكم الصادر في حقه. وخلال فترة سجنه شرع في عدة إضرابات عن الطعام، آخرها دام خمسة وعشرين يوما، نقل على إثرها إلى مستشفى وهران في حالة غيبوبة تامة''.
لم يطلق سراح سليمان عميرات المناضل الديمقراطي، إلا بعد أن قضى ثماني سنوات سجنا، تنقل من سجن وهران والبروافية والحراش. وقد توفي والده وهو في السجن. وبشأن مجهود السيدة عميرات للمطالبة بإطلاق سراح زوجها، قالت: ''قمت بإعلام الرأي العام العالمي، وبعثت عدة رسائل لمنظمة حقوق الإنسان، وأمنيستي الدولية، والصليب الأحمر الدولي، والأمين العام لهيئة الأمم المتحدة، والملكة اليزابيث الثانية، والجنرال ديغول، والرئيس التونسي الحبيب بورقيبة. كنت أسعى لفك العزلة على خبر سجن زوجي، فتكوّنت لجنة من المحامين، سمحت لي بالعودة إلى الجزائر رفقة أبنائي، ولم يتوقف نضالي من أجل إطلاق سراح سليمان، وهذا ما دفع فعلا الرئيس بومدين إلى إطلاق سراحه سنة .''1975
بعد الشروع في التعددية الحزبية قرّر النظام الجزائري منح الاعتماد للحركة الديمقراطية من أجل التجديد في الجزائر، رسميا يوم 1 جانفي .1990 وتوفي سليمان عميرات يوم الفاتح جويلية 1992، خلال وقوفه لتأبين المرحوم محمد بوضياف.
غادرنا بيت السيدة عميرات بعد لقاء دام ثلاث ساعات. الأمطار في الخارج لم تتوقف، بقيت تسقط بذات الحدة. وفجأة تذكرت مقولة سليمان عميرات: ''لو خيّرت بين الجزائر والديمقراطية فإني أختار الجزائر''، ومدى قوة وقعها على المسار الديمقراطي الفتي، حيث كانت تشبه نوعا من الصرخة والدعوة إلى الالتزام بما يحمي البلاد من الانزلاق.   

عدد القراءات : 11944 | عدد قراءات اليوم : 4
أنشر على
 
 
طالع أيضا