في ضيافة الكاتب والإعلامي سهيل الخالدي
الأنتلجانسيا الجزائرية لم تفهم الشاذلي بن جديد

يُعتبر اللقاء مع اسم صحفي كبير، يُعدّ موسوعة إعلامية حقيقية، من الأمنيات التي راودتني، لأنني أعلم أني سأنهل منه قدر المستطاع، خاصة أنه مرصّع بتجارب الحياة والعلاقات الكثيرة والمتشعبة، وصقلته الآلام والحسرات وأنتجته المواقف والأحداث، مع تعدّدها، بخطورتها أحيانا وبطرافتها وغرابتها أحيانا أخرى. كان هذا شعوري وأنا أتنقل إلى مخيّم ''نات كوم'' بسيدي فرج، 

حيث يقيم الكاتب والصحفي سهيل الخالدي منذ أشهر.  

 تنقّلت أحمل في داخلي خوفا من التيه في العالم الإعلامي للكاتب والصحفي، الواسع والمتشعب.. استقبلني الأستاذ الذي تجاوز عمره 64 عاما، أمام المخيّم، بابتسامة ونظرة ثاقبة.. جلنا بين أطراف المخيّم، وأحسست بضيق كبير وأنا أتساءل ''أهذا حال إعلامي بقيمة سهيل الخالدي يعيش لاجئا في بلده؟''. لكن سهيل الخالدي الذي تعوّد على المحن منذ سنوات، وهو الذي قضى أربع سنوات بدار للعجزة بباب الزوار، في الجزائر العاصمة، لم يكن مهتما لوضعه كثيرا، بل همّه الوحيد كان الوضع في العالم العربي.  وصلنا إلى الغرفة التي يسكنها، حيث تحاول زوجته أن تعطيها قليلا من الترتيب والجمالية، قدّمني إليها والابتسامة لم تفارقه، ثم أجلسني إلى جانبه، وبعيدا عن الرسميات والأسئلة التقليدية، حيث كان للسياسة القسط الأكبر، تجاذبنا أطراف الحديث.

الهموم تحاصرني من الجزائر إلى دمشق

هرب سهيل الخالدي بآلامه ومرضه وحسرته، من وضعيته في الجزائر إلى سوريا، دمشق تحديدا سنة 2008، بعد أن ضاقت به الدروب، إذ كان يعيش في غرفة بدار العجزة بباب الزوار، وهو الذي صاحب الملوك والوزراء، وكتب في كبريات الصحف والمجلات العربية، وكان هذا منطلق حديثنا، من واقع الحال الذي فرض نفسه بإلحاح، خاصة وضعيته الحالية وعودته إلى الجزائر، فبادرني قائلا: ''عدت إلى الجزائر في 26 أوت الماضي بعد معاناة طويلة، حيث قضيتُ وزوجتي 60 يوما تحت القصف المباشر، حين بدأت معركة دمشق في جويلية، وطالت المنطقة التي نسكنها، وتدعى ''بلدا'' في جنوب دمشق. لجأنا إلى إحدى المدارس التي طالها القصف أيضا، وبفضل جهود الإخوة الإعلاميين والمثقفين والأدباء مع السفارة الجزائرية بدمشق، قدمت لي ولزوجتي إمكانية العودة إلى الجزائر، ثم التحقنا بالمخيّم بسيدي فرج ومازلت أقيم حتى يفرّج الله. ورغم صعوبة الحياة بالمخيّم، إلا أن شهامة الأصدقاء والتفافهم حوله، قلل من معاناته ووحدته ''منذ مجيئي إلى الجزائر لم يكفّ الأصدقاء ساعة واحدة عن زيارتي، وكثيرا ما يأتون رفقة عائلاتهم''، ثم يضحك ''أصبحت أكثر المقيمين في هذا المخيم زيارة، وهذا الموقف لا يمكنني نسيانه''.

الانتقال للعمل المسلح في سوريا تم بالتواطؤ مع أجنحة المعارضة

ابتعد سهيل الخالدي عن سوريا وعن عاصمتها دمشق، لكنها لم تبتعد عن تفكيره ووجدانه، ولذلك يساهم بكتاباته في تحليل الوضع وشرح الحالة السورية. يقول سهيل الخالدي ''من ناحية التحليل السياسي، حين ابتعدت عن ميدان الحرب، ازددت قناعة بما كنت أقوله، فهذه المعركة الدائرة، ليست معركة الشعب السوري، بل حُرٍّفت عن مسارها وإستراتيجيتها''.

الحديث عن سوريا جرح عميق ولم يستطع الخالدي تسكين آلامه إلا بالسجائر التي كان يلتهمها التهاما مع فنجان القهوة التي تعلمت زوجته تحضيرها على الطريقة الجزائرية.. يأخذ سيجارته الثالثة ويواصل حديثه ''الانتقال إلى العمل المسلح تم بالتواطؤ بين بعض أجنحة المعارضة، وآخرين من النظام، فتحولت هذه الحرب بين النظام وقوة محلية وإقليمية ودولية ركبت حركة المجتمع السوري، التي بدأت في ''درعا'' شهر مارس .''2011 ويواصل ''وها نحن نراها حربا يقودها الإعلام والشعب السوري وتدور بين القوى الدولية والإقليمية، وأدواتها النظام والمعارضة، لمصلحة مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي لم تتفق هذه الدول بعد على تفاصيله النهائية، ذلك أن الموقع الجغرافي لسوريا هو عامل حاسم في خريطة الشرق الأوسط الجديد''.

الصانع الأكبر للدولة السورية هم جزائريون

إن حب سهيل الخالدي لسوريا، لا يتعلق بعشق مقيم فيها، بل هو نابع من رابطة دم وانتماء تاريخي بين الشعبين، ولذلك يرى سهيل الخالدي أن ما تعانيه سوريا اليوم موقف صعب على المواطن الجزائري، فقد كان الجزائريون من المهاجرين مع الأمير عبد القادر، الصانع الأكبر للدولة السورية والاستقلال السوري. وقدم محدثنا أمثلة كثيرة على ذلك: الشيخ الطاهر الجزائري والعقيد سليم السمعوني والأمير عمر بن عبد القادر الجزائري، والأمير محمد سعيد الجزائري، هم من صناع استقلال سوريا وتحرّرها من الأتراك العثمانيين سنة 1918، والذي رفع علم الاستقلال العربي في دمشق كان الأمير محمد سعيد الجزائري، أما الأمير عز الدين الجزائري، يقول الخالدي، ''فهو قائد منطقة الغوطة في الثورة السورية الكبرى من 1925 إلى .1927  وكان اللواء عبد الرحمن خليفاوي، سليل ''لاربعا نثيراثن''، رئيس وزراء سوريا في عهد حافظ الأسد مرتين، وهو أحد الذين سلموا أسلحة الجيش السوري الفرنسية إلى الثورة الجزائرية سنة 1959، وعندما لاحظ استغرابي، قال مضيفا ''أنا لم أولد في سوريا ولم أتعلم بها ولم أقض طفولتي فيها، كل ما في الأمر أنني امتلكت بيتا صغيرا فيها، لم يتح لي أن أمتلكه في الجزائر التي قضيت فيها أربع سنوات في دار المسنين بباب الزوار''.

 صعب أن يكتب الصحفي مذكراته.. فحسنين هيكل لم يكتبها

باءت كل محاولاتي بالفشل في إخراج الأستاذ سهيل الخالدي من جوّ السياسة والحروب الذي يسكنه حتى النخاع، حيث رفض مرات عديدة أن نلج عالمه الخاص، للحديث عن وضعه في المخيم. كان كالمحارب الذي قدم كل شيء، ولم يبق لديه ما يخسره سوى الشهادة بشرف، هذا كان إحساسي وأنا ألاحظ هروبه من السؤال بعنفوان وعزة نفس، وقال يُخبرُني كيف يقضي أوقاته ''حاليا أعيد قراءة كتاب ادوارد سعيد ''الاستشراق''، ومراجعة بعض الكتب التي أنجزتها خلال فترة 2008 و2012 تتعلق بتاريخ الجزائر وبعض الكتابات التي تتعلق بالشأن الأدبي، وأحاول بقدر الإمكان متابعة الصحافة الجزائرية، وللأسف لم يكن لدي تلفزيون إلا منذ يومين، الأمور ليست سهلة''.

اعترف سهيل الخالدي بكثير من القلق، بأنه لن يكتب مذكراته، فقال ''صعب أن يكتب الصحفي مذكراته فأكبر صحفي عربي وهو حسنين هيكل لم يكتب مذكرات''، مضيفا ''لكن البعض يتحايل، فيكتبها كرواية''. أما آخر كتبه، فتحت الطبع يحمل عنوان ''من اغتال وردة العرب؟''، ويناقش ما يسمى الربيع العربي ويتحدث عن ما جرى في المنطقة العربية و''تسابق بين المجتمع العربي والدول الكبرى لإسقاط النظام العربي الذي لم يعد مفيدا لأحد''، فحسب الخالدي ''هذه الأنظمة التي تسمى الآن أنظمة الربيع العربي، هي محاولة تجميل غير ناجحة للأنظمة السابقة ومازلنا كأمة عربية ننتظر الربيع''. 

لم أكن أرى نفسي إلا كاتبا

الحديث مع الإعلامي سهيل الخالدي ذو شجون، وبينما نحن ننتقل إلى خارج البيت، في مكان بسيط حضّرته الزوجة، أردت أن أنتقل به إلى حديث البدايات الذي يستهويني، وأيامه الأولى مع مهنة المتاعب، وكم كان صعبا. لكن بعد إلحاح شديد، رد وهو ''يلتهم'' السيجارة وعيناه تنظران بعيدا، كأنه يشاهد شريط الذكريات يمر أمامه، ''في الواقع لم أتصور نفسي منذ الصغر في مهنة أخرى غير كاتب، وكانوا ينادونني بالصحفي. بدأت الدراسة في الأردن بمدرسة الإعدادية الثانوية، وكانت تُعِد الصفوة المؤهلة للحكم والتسيير، ومن بين خريجيها أصدقاء وزملاء منهم ''صالح قلاب'' الذي عاد من بيروت وأصبح وزير الإعلام في الأردن''، كما يتذكر ''حسن التوقة'' مستشار الملك الأردني بعدها، وأحمد عبيدات أيضا رئيس الوزراء. وأضاف أن أول تجربة إعلامية له، كانت في ''مجلة الاثنين'' التي أسسها عدنان الصباح الذي أصبح أيضا مستشارا للملك. 

حديث البدايات يقف عنده سهيل الخالدي أمام المواقف الطريفة التي رفض نشر الكثير منها وأخفى العديد أيضا، لكنه قال إن أول مرّة يسمع فيها عن صدام حسين، كانت بعد قيامه بروبورتاج في العراق، عن سد الدجيل من روافد دجلة، ونشره لحقائق وشكاوى العمال في مجلة ''وعي العمال'' وأمر حينها صدام حسين، وكان نائب الرئيس العراقي، بالتحقيق في الموضوع بحضوره، ويضيف ضاحكا: ''ذهبت وكنت خائفا جدا من العمال أن يتراجعوا عن أقوالهم بحضور الأمن ، وكان رئيس المشروع يحرض الجميع ضدي، واتهمني بقلب الحقائق، وخفت خوفا شديدا، فوقف ممثل عن العمال بشجاعة وقال: نحن غاضبون من الصحفي، لأننا أبلغناه بسرقة عشرة آلاف دينار عراقي، ولم يذكر ذلك في الروبورتاج، فعاد الدم إلى وجهي وصرت كالعريس واحتفل بي الجميع وكافأني رئيس تحرير المجلة عزيز سيد حاتم''. 

تزامن لقائي مع الأستاذ الخالدي مع مرور أسبوع على وفاة الرئيس الشاذلي بن جديد،  وهو الذي عاصر فترته، فسألته عن رأيه في الرجل، فقال ''هناك ما أسميه احتشاء في ذهن الأنتلجانسيا الجزائرية، التي لم تفهم الشاذلي بن جديد، كما لم تفهم قبله بومدين وكلاهما كان له معارضون كثر ومع ذلك بكاهما الشعب الجزائري بكاء كبيرا. فهل سألت هذه الأنتلجانسيا: لماذا يعرف الشعب الجزائري رجاله وهي لا تعرف شعبها؟ لذلك ففي اللحظات التي تتسامى فيها النفوس وتصبح أمام الحقيقة التي لا يمكن لأي قوى أو إعلام أن يغتصبها، نجد للشعب الجزائري مواقف لم تخطر في بال الأنتلجانسيا''.

مواقف مع الموت

لا أحد يتوقع الموت أو ينتظره، لكن الأستاذ سهيل الخالدي، له علاقة غريبة مع الموت، بفطرته ودهائه وقراءاته الجيدة للحاضر واستشرافه للمستقبل، فقد توقّع في عدد من المواقف موت العديد من القادة. يقول سهيل الخالدي وهو يضحك من هذه المواقف رغم صعوبتها، في نهاية السبعينيات وبعد تعيين بشير جميّل رئيسا للبنان، كتبت مقالا بعنوان ''هدية مسمومة''، قلت فيه إن الرئيس سيقتل، وبعد أسبوعين اغتيل الرئيس، وتم استدعائي من طرف الأمن ثم أطلق سراحي بعد الاستماع إلى أقوالي''.

كما توقع سهيل الخالدي في أحد مقالاته التي كتبها في مجلة النهضة الكويتية، مقتل الرئيس المصري السابق أنور السادات، وقال فيها ''هذا الرجل انتهى استعماله''، وبالفعل اغتيل بعد شهر من صدورها. ويعلق سهيل على الموضوع بقوله ''إنه علم السياسة، يبنى على معلومات دقيقة واستشراف للحقائق، فمثلا أنور السادات وقّع كامب ديفيد ومن الطبيعي أن يتم الاستغناء عنه''.

وفي الجزائر أيضا، كان للإعلامي مواقف مع الموت، حيث كتب في جريدة ''الصباح الجديد'' الجزائرية في التسعينيات، وكان يملكها صلاح الدين حرز الله، بأن الأمين العام للاتحاد العام للعمال الجزائريين عبد الحق بن حمودة ''سينتظرونه في الزاوية''، فاغتيل الرجل بعد أسبوعين، مباشرة بعد خروجه من المقر. 

تركنا الأستاذ سهيل الخالدي يضحك من هذه الأحداث رغم مأساويتها، وهو يضرب لنا موعدا مع صدور أحد كتبه. ودّعتنا الزوجة بعد أن أنهك الحديث شيخ الإعلاميين وغادرنا المخيّم ولسان حالنا يقول: ''كم أنت جاحدة يا مهنة المتاعب''.

عدد القراءات : 18162 | عدد قراءات اليوم : 3
أنشر على
 
 
1 - moh el hocine
2012-11-02م على 13:16
je ne connais pas ce kateb les vrais c'est Malek haddad Mouloud Mameri Mouloud Ferraoun Kateb Yacine Mohamed Dib..................vive les vrais malgre lóccupant ilsont marque l'histoire algerienne pas le fln
2 - brahim
alg
2012-11-02م على 15:14
تواضعك ياأستاذ سهيل جعلني احترمك قبل أن أعرفك، ولكن لماكان لي الشرف وتعرفتك بك ملكني الحياء وزاد احترامي لك .. أدعو الله أن يطيل في عمرك وتبقى نبراسا للإعلام والكفاح الإعلامي.. هكذا الإعلاميون، يعيشون مع الكبار ويحتملون الصعاب مع الصغار، كان الله في عونك يا أستاذ
طالع أيضا