الفساد السياسي في القرآن الكريم

كلّ الأنبياء والمرسلين عليهم السّلام انطلقوا في دعوتهم من التوحيد: ''وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ''، وانطلقوا منه إلى إصلاح الفساد في باقي مناحي حياة النّاس، فلوط عليه السّلام انطلق من الدعوة إلى التّوحيد إلى إصلاح الفساد الأخلاقي والاجتماعي، وشعيب عليه السّلام انطلق من التّوحيد إلى إصلاح الفساد الاقتصادي، وسنتكلّم عن كلّ هذا في فرص أخرى. ونقف هنا وقفة مع الفساد السّياسيّ لأهمّيته وخطورته، فهو أمّ الخبائث وأبو الفسادات وأسّ الشّرور.

ما من نبيٍّ أرسل ولا رسول بُعث إلاّ وواجه صورًا من صور هذا الفساد، وأبرزها تكذيب الرؤساء والطبقة السّياسيّة المتسلّطة، الّتي يسمّيها القرآن الكريم ''الملأ''. فبعد صَدْعِ كلِّ نبيّ بالحقِّ تأتي المعارضة من هؤلاء ''قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِه ...''، ''قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِه ...''، والملأ -كما قال المفسّرون- ''هم الّذين يملأون صدور المجالس، وتمتلئ القلوب من هيبتهم، وتمتلئ الأبصار من رؤيتهم، وتتوجّه العيون في المحافل إليهم، وهذه الصّفات لا تحصل إلاّ في الرؤساء، وذلك يدلّ على أنّ المراد من الملأ الرؤساء والأكابر''.
إلاّ أنّ أوضح كلام للقرآن الكريم على الفساد السّياسيّ، هو تكراره لقصة موسى عليه السّلام وفرعون، الّذي صار رمزًا للاستبداد والدكتاتورية والطغيان السّياسيّ، والمقام يضيق عن التفصيل، فنكتفي بالتّنبيه الّذي يكفي النّبيه، فحالة فرعون تكامَلت فيها كلّ عناصر الفساد السّياسيّ والاستبداد
الطغيان والتّعالي على الحقّ ''اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى'' أي تمرّد وزاد على الحدّ في الكفر والفساد والعلو في الأرض، والقهر للضعفاء، ''إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ''.
والقصد من علوه وفساده أنّه استكبر وتجبَّر وتعظّم وبغى، والمراد به قوّة الملك والعلو في الأرض.
احتكار الحقّ والصّلاح: ''قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَاد''، وهل يرى المستبدّون إلاّ الرّشد والخير؟!، وهل يقولون إلاّ الصّواب والصّدق؟!، وهل يسمحون بأنّ يظنّ أحدٌ أنّهم قد يخطئون؟!، وهل يجوز لأحد أن يرى إلى جوار رأيهم رأيًا؟!، وإلاّ فلم كانوا طغاةً؟!، ''وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَاد'' وهذا أطرف ما يتصوّر!، أن يقول فرعون الضّال المستبد هذه الكلمة عن موسى رسول الله عليه السّلام! أليست هي بعينها كلمة كلّ طاغية مفسد عن كلّ داعية مصلح؟!، أليست هي بعينها كلمة الخداع الخبيث والتّشويه المفضوح؟! إنّه منطق واحد يتكرّر كلّما التقى الحقّ والباطل، والصّلاح والطغيان على توالي الزّمان واختلاف المكان، فالقصّة قديمة مكرّرة تعرض بين الحين والحين.
الحكم العسكري، ويمثّله هامان قائد جيش فرعون: ''إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِين''، ''وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ''، وهكذا كلّ حكم دكتاتوري فاسد إلاّ وعاث فيه العسكر فسادًا، واعتمد عليهم لإخضاع النّاس وإرهابهم.
أرباب الأموال، ويمثّلهم قارون: ''إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّة'' قال المفسّرون، كان يهوديّا من أقارب موسى عليه السّلام، فتحالف مع فرعون، وملَّكه فرعون على بني إسرائيل فظلمهم، وتكبّر عليهم بكثرة ماله وولده.
الإعلام والدعاية: ''فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ × إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ × وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ}، وهذا استعمال للمأجورين وأصحاب المطامع والانتهازيين لضرب مصداقية المعارضين!.
خنوع الشعب: ''فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ'' وهذا حال المستبد مع شعبه، يستفزّهم بالقول فيطيعوه، ويحرّكهم بالرّغبة فيخفوا إلى الإجابة، ويستجهلهم فيتبعوا جهله، ويدعوهم إلى باطله فلا يتأخّروا في نصرته!.
* أستاذ الشريعة بجامعة الجزائر
الإسلام في العالم

عدد القراءات : 4103 | عدد قراءات اليوم : 1
أنشر على
 
 
1 - فرحات
الجزائر
2013-03-13م على 23:33
احسنت على هدا المقال القيم والهادف المبني على قصص السلف القرانية واسقاطها على الواقع الحال بوركت اخي الكريم
2 - احمد الصحراوي
جنوب البلاد
2013-03-13م على 23:12
السلام عليكم:
ماشاء الله درر...كفيت و وفيت استاذي
فعلا القران الكريم بيّن لنا حال الاستبداد و الفساد بأنواعه و طرائقه.
و صورة الشعوب الخانعة الفاسقة التي تكون رافد اساس من روافد الكبراء و السادة في فسادهما و استعلائهما و تجبرهما
بارك الله فيك استاذي الفاضل..لا تحرمنا من علمك
3 - نور الدين
مرسليا
2013-03-14م على 0:35
تقييم في محله
4 - نسيم
الجزائر
2013-03-14م على 3:21
و اللذي نفسي بيده لهذا قول حق ان شاء الله سيحدث التغيير في الجزائر
5 - yacine
oran
2013-03-14م على 6:57
قياس باطل لمدا لم يفعلها السلف الصالح هل انتم اعلم منهم
6 - فيصل غزالي
الجزائر
2013-03-14م على 7:44
أحسن الله اليك شيخنا الفاضل
7 -
جزائر
2013-03-14م على 8:55
هكذا يكون تفعيل القران
بارك الله فيك
8 - حورية
الجزائر
2013-03-14م على 9:00
شكرا لك ياأستاذ وجزاك الله عنا كل خير ما أحوجنا إلى مثل هذه المقالات لتنوّر عقولنا وتكشف الغيمة عن أعيننا حتى نتمكّن من مقاومة الفساد في المجتمع بمختلف أشكاله السياسي والإجتماعي والتربوي والأخلاقي
9 - ghendir aoun yacine
alger
2013-03-14م على 9:12
أسواء الفساد هو الفساد الأخلاقي وينتج عنه كل الفساد فهو محطم للبنية التحتية للبشرية
10 - عبد السلام
باب الزوار
2013-03-14م على 9:44
الفساد السياسي هو مصدر الفساد في كل المجالات الأخرى ( الإقتصادي، الاجتماعي، الثقافي) لذا العمل على الاصلاح السياسي و مجابهة الفساد فيه من أولى أولويات الدعاة و الحركات الاسلامية.
11 - مراد
أرض الله الواسعة
2013-03-14م على 9:40
بارك الله فيك دكتور، هذا والله تشخيص دقيق لحال بلدنا العزيز وأغلب بلاد العرب.
و حتى تتم الفائدة نرجوا منك لاحقا أن تفيدنا بالوسائل المذكورة في ذات القرآن لتغيير هذا الواقع مع التحية و الشكر.
12 - بلغت
nicaragua
2013-03-14م على 10:40
السلام عليكم و رحمة الله
بارك الله فيك
يا حبذا لو اتممت الموعضة و فسرت اخر ما ذكرت من كلام ملك الملوك اولا ما رايك في هذا التفسير

قوله تعالى فاستخف قومه قال ابن الأعرابي : المعنى فاستجهل قومه فأطاعوه لخفة أحلامهم وقلة عقولهم ، يقال : استخفه الفرح أي : أزعجه ، واستخفه أي : حمله على [ ص: 93 ] الجهل ، ومنه : ولا يستخفنك الذين لا يوقنون . وقيل : استفزهم بالقول فأطاعوه على ، التكذيب . وقيل : استخف قومه أي : وجدهم خفاف العقول . وهذا لا يدل على أنه يجب أن يطيعوه ، فلا بد من إضمار بعيد تقديره وجدهم خفاف العقول فدعاهم إلى الغواية فأطاعوه . وقيل : استخف قومه وقهرهم حتى اتبعوه ، يقال : استخفه خلاف استثقله ، واستخف به أهانه . إنهم كانوا قوما فاسقين أي : خارجين عن طاعة الله .
13 - نصيرة
الجزائر
2013-03-14م على 10:54
الفساد السّياسيّ لأهمّيته وخطورته، هو أمّ الخبائث وأبو الفسادات وأسّ الشّرور: شكرا لكم دكتور على هذا المقال، أصبتم فعلا في الموضوع، لكن في يومنا هذا من هو المصلح؟ و شكرا
14 - عبد الهلا ل احمر
الجزائر
2013-03-14م على 10:57
نعم صحيح ماقاله الاستاذ الفاضل شكر على هذه المعلومات القيمة
15 - ayache belferhi
algerie
2013-03-14م على 10:15
الى ترى استاذي الكريم ان المجتمع الجزائري قد بدى يتلاشى فيه الوازع الديني.وانه حان الوقت لتكون هناك منابر للدعوة.واعطاء قيمة حقيقية لمثقفي هذه الامة.وانه يستوجب تهيئة جدية للعقلية الجزائرية...
16 - mouna
algerie
2013-03-14م على 11:44
السبب الاول فيما ومرت به الجزائر من عشرية سوداء وماترتب عنها هو الاسلام الذي استغل من طرف اشباه دعاة. قضيتم على الشباب و طموحاته اتركو مالله لله وما للقيصر للقيصر الدين في الاول و الاخير هو حرية شخصية الرب هو من سيحاسبنا وانتم لستم وسطاء بين العبد وربه اتركو هذا الشباب يطلب علوم الطب والفزياء بدل نقاشاتكم البيزنطية التي لا تنتهي
17 - عبد الكريم السائحي
الجزائر
2013-03-14م على 12:18
أرى أن يكون العنوان (محاربة الفساد السياسي في القرآن)فيكون أوضح و أبعد عن الشبهة
18 - جمال
الجزائر
2013-03-14م على 12:23
وش حاب يقول هاذ الاخ ؟