فعل الخير.. رسالة المسلم في الحياة

 يقول الأستاذ العبقري مالك بن نبي رحمه الله: [إنّ الإنسانية في حاجة عامة إلى صوت يناديها إلى الخير، وإلى الكفّ عن جميع الشّرور، وإنّها لحاجة أكثر إلحاحًا من سواها؛ لأنّ الإنسان توَّاق إلى الخير بفطرته، وإنّما تحرمه منه معوقات مختلفة تكوّنها الظّروف الاجتماعيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة أحيانًا، غير أنّه حينما تؤثّر هذه المعوقات في سلوكه فتجعله يكذب أو يسرق أو يظلم أو يقتل فإنّه يشعر بالحِرمان.. وأنّ مَن يرفع راية الخير قد يسدّ حاجة تشعر بها الإنسانية في أعماقها، ويحقّق لنفسه مكانًا كريمًا في المجتمع العالميّ. وفي هذا المجال يمكن أن يكون مجالنا إذا حقّقنا في سلوكنا معنى الآية الكريمة {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ}] تأملات، ص:216-215.
فالمسلم هو المرشّح للقيام بهذه المهمّة إذا فهم دينه فهمًا صحيحًا، والتزم به التزامًا قويمًا، واتبعه صراطًا مستقيمًا. ففعل الخير هو المنهاج الّذي رسمه القرآن الكريم للمؤمنين في كلّ الأزمان والأمكنة والأحوال؛ إذ يقول الله جلّ في علاه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فلا طريق للفلاح، سوى الإخلاص في عبادة الخالق، والسّعي في نفع عبيده، فمَن وفّق لذلك، فله السّعادة في الدّنيا، والفلاح في الأخرى.فالآية العظيمة عنوان للمنهاج الإلهيّ الّذي يلخص رسالة المسلم (فردًا وأمّة) في الحياة، والتّكاليف الّتي ناطها الله به، والمكانة الّتي قدّرها له، متى أدّى رسالته وقام بمستلزماتها: بدءًا بالأمر بالرّكوع والسّجود، كناية بهما عن الصّلاة؛ لفضلهما وركنيتهما وظهورهما للعيان. والصّلاة عماد الدّين. وتثنية بالأمر العام بالعبادة، وهي أشمل من الصّلاة. فالعبادة تشمل كلّ ما يحبّه الله من الأقوال والأفعال، والحركات والسّكنات. وانتهاءً بالأمر بفعل الخير عامة، في التّعامل مع النّاس بعد التّعامل مع الله بالصّلاة والعبادة.. يقول الإمام الرازي: [والوجه عِنْدِي فِي هذا التّرتيب: أنّ الصّلاة نوع من أنواع العبادة، والعبادة نوع من أنواع فعل الخير؛ لأنّ فعل الخير ينقسم إلى: خدمة المعبود، الّذي هو عبارة عن التّعظيم لأمر الله، وإلى الإحسان الّذي هو عبارة عن الشّفقة على خَلْق الله، ويدخل فيه البرّ والمعروف والصّدقة على الفقراء وحُسْنُ القول للنّاس؛ فكأنّه سبحانه قال: كَلَّفْتُكُمْ بالصّلاة، بل كَلَّفْتُكُم بما هو أعَمّ منها وهو العبادة، بل كلَفتكم بما هو أعمّ من العبادة وهو فعلُ الخيرات].
*أستاذ بجامعة تكوين الأساتذة - القبة

عدد القراءات : 3225 | عدد قراءات اليوم : 1
أنشر على