الحِلْمُ والأَنَاة والرِّفق.. في المجتمع الجزائري

تطالعنا الأخبار هذه الأيّام عن ظاهرة خطيرة تجتاح المجتمعات العربية عامة والمجتمع الجزائري بالخصوص، ألا وهي سرعة الانفعال وشدّة الغضب، وما يترتّب عن ذلك من عدم تحكّم الفرد في أعصابه فيثور ويشتط لأتفه الأسباب والّذي يجرّه إلى الاعتداء اللّفظي والجسدي، وقد يصل إلى حدّ إزهاق النّفس بين الزوج وزوجه والأخ وأخيه والابن وأبيه والجار وجاره والصّديق مع صديقه ممّا يدعو للحيرة وعدم تصديق ما يحدث.
❊ تتطلّب هذه الظاهرة التّفكير العميق في كيفية التّصدّي إليها من المسؤولين والباحثين من علماء الدّين والنّفس والاجتماع والسياسة والقانون، وليتذكّر الجميع بأنّنا إذا أهملناها فقد تستشري أكثر ممّا يهدّد الأمن والسّلم الاجتماعيين ويُعرّض حياة النّاس وأموالهم وأعراضهم للخطر.
إنّ من مقاصد الشّريعة الإسلامية الّتي بعث لأجلها محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والّتي لا يستقيم قوام المجتمعات والحضارات إلاّ بها انتشار الرّحمة والمحبّة بين النّاس، ومحاربة أشكال الاعتداء والعنف للفظي والجسدي التي ليست من الإسلام في شيء، بل هي تشويه لصورة الإسلام الناصعة المشرقة، وتحريف لمقاصده، وربط لصورة العنف والتخريب بمبادئه الرحيمة، بينما الإسلام بريء من كل ذلك.
ونحن نؤكد على أن العدوانية التي تحدث على صعيد الأسرة أو المجتمع هو أمر دخيل على مجتمعنا وقيمنا العربية الإسلامية النابعة بالأصالة والرفق والرحمة، ولن يكون لها ثمرة إلا الإضرار بالمجتمعات وإفسادها، والإضرار بالمواطنين ومصالحهم، وهذا فساد في الأرض كبير، والله تعالى لا يحب الفساد، قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}، القصص:77.
والقاعدة الفقهية تقول: “لا ضرر ولا ضرار”، فأي فائدة يجنيها من ينفعل فيقتل أو يضرب أو يسيء؟! وأي فائدة يجنيها من لا يتحكم في أعصابه فيقتل لأتفه الأسباب، فكلما زاد العنف زادت الخسائر البشرية والمادية، وفي هذا إهلاك للحرث والنسل، واعتداء آثم على حق المجتمع، سيسأل عنه فاعله وكل من ساهم فيه أمام الله تعالى يوم القيامة.  
إن من الخصال الذميمة والأخلاق الممقوتة التي ينشأ عنها كثير من المفاسد: سرعة الغضب والانفعال لغير مسوِّغٍ شرعي. هذه الخصلة الذميمة بسببها تقطعت أوصال القربى بين بعض الناس، وبسببها تفككت أسر، وضاقت صدور. ولا غرابة في ذلك؛ فإن الغضب جماع الشر، والتحرز منه جماع الخير؛ ولهذا جاءت وصية نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ لذلك الرجل الذي قال له: أوصِني، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ موصياً له: “لا تغضب”، ورددها مرارا، قال: “لا تغضب” رواه البخاري. قال الرجل: ففكرت حين قال النّبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ ما قال، فإذا الغضب يجمع الشر كله.
وهذا يؤكد أن الغضب مفتاحٌ للشرّ، وسببٌ للفساد؛ لأن من غضب قد يصدر عنه من السباب والشتم وغير ذلك من قول المنكر ما يندم عليه في حال الرضا وهدوء الأعصاب.
إنّ من طبع الإنسان أن يغضب إذا استُغضب، ويثور إذا تعرض لفعل أو قول أو تصرف لا يرضاه ويأنف منه، وقد ينفعل أشد الانفعال، ويرغي، وتنتفخ أوداجه، وتحمرّ عيناه، ويقذف بكلمات الشر. ولكن الإسلام جاء ليهذب هذا الطبع، فبين أن المسلم مطالب بأن يضبط أعصابه قدر الإمكان، ويملك نفسه، ويكظم غيظه، ويخفي حنقه؛ بل عد الإسلام هذا الموقف من المسلم دليل الرجولة الفارعة، وعلامة القوة الفتية، وعنوان الشخصية الأبية؛ خلاف ما يفهمه بعض الناس من أن ذلك ضعف وخور. يقول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ في الحديث المتفق عليه: “ليس الشديد بالصُّرَعةِ؛ إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”. وفي صحيح مسلم أن رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ قال: “ما تعدُّون الصُّرَعَةَ فيكم؟” قلنا: الذي لا تصرعه الرجال. قال: “ليس الشديد بالصُّرَعَةِ؛ ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب”.
إنّ الغضب يولّد الحقد ويورث الحسد، وهما مرضان خطيران يدمّران الفرد والأسر والمجتمعات، الغضب الذي لا تعصمه التقوى ولا تحده مبادئ يلتزم بها المسلم ويأخذ بها نفسه خوفا من الله ورغبة في رضاه، هذا الغضب داء وبيل، وشر مستطير؛ وقد تكون آثار الغضب في بعض الأحيان هلاكا ودمارا وفسادا وخرابا.
فلنتأمل كم من شجار بين شخصين حصل بسبب كلمة أو تصرف يسير أدى إلى القتل؛ كان سببه الغضب! وكم فرق الغضب بين زوجين وتفرق أولادهما وتقطعت الأواصر بينهما وهدمت أسر كانت ترفرف عليها السعادة والوئام! كم تقطعت أرحام وساءت علاقات اجتماعية بسبب الغضب وسرعة الانفعال على أمور كان بالإمكان التعامل معها بغير الغضب! إلى غير ذلك من المفاسد التي يسببها الغضب وسرعة الانفعال.
إنّ الاندفاع وراء الغضب يفقد الإنسان الروية في الحكم والأناة في بحث الأمور بتعقل وهدوء.
علينا أن تتذكر دائما ما أعده الله ـ عز وجل ـ للكاظمين الغيظ من عباده الذين يضبطون أعصابهم حتى لا تثور أو تنفعل: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} آل عمران:134.
وفي حديث رواه الإمام أحمد وأهل السنن: “مَن كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، حتى يخيره في أي الحور شاء”، إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على فضل كظم الغيظ.
كما أنه ينبغي لمن انتابه الغضب ألا يصدر حكما، ولا يتخذ موقفا في هذه الحال التي هو عليها من سرعة الغضب وشدة الانفعال؛ لأنه لو أصدر حكما أو اتخذ موقفا والغضب يملك عليه أعصابه وشعوره فلربما تجاوز الحدّ، وضل طريق الحق والعدل.
نسأل الله عزّ وجلّ أن يجعلنا من الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وأن يرزقنا الحلم والأناة، إن ربي لطيف لما يشاء؛ إنه هو العليم الحكيم.

كلية الدراسات الإسلامية/ قطر

عدد القراءات : 2675 | عدد قراءات اليوم : 1
أنشر على