|
بعد أن تم تجميد كل شيء وإنجاز طريق بسيط يستدعي موافقة مجلس الوزراء جمهورية حاسي مسعود تعيش حصارا غير معلن
|
|
الحديث عن تحويل مدينة حاسي مسعود إلى منطقة وادي المرعى ـ منطقة تتوسط تفرت وورفلة وحاسي مسعود ـ مازال يضغط بثقله على سكان حاسي مسعود ممن يتساءلون ويقولون إن مستقبلهم بات في حكم المجهول، في غمرة الوضع الاستثنائي الناجم عن تجميد البناء والنشاط التجاري والاستثمار الخاص والعام ومشاريع الشباب.. بل قل تجميد طقوس الزواج وتعطيل إمكانات العمل وآمال الأبناء. نمشي في شوارع الحاسي ونحسب أن كل ما يتحرك سيتحول إلى عبوة ناسفة من فرط الضغط.. من فرط الحيرة التي كبرت كـ''الغول'' وعلّقت أهل المنطقة على حبلين.. الرّحيل أم التشبث بالأرض..
حاسي مسعود، هذه المنطقة التي تقع إلى جنوب البلاد وتبعد بنحو تسعمائة كيلومتر عن العاصمة، ماتزال تشكل في نظر الجزائريين صورة الرئة الكبرى التي يتنفس بها بلد لمدة نصف قرن، وصورة الثروة والريع، على اعتبار الآبار البترولية المكتشفة بها والاحتياط التي تتوفر عليه من هذه المادة، وهي أيضا مملكة الإطارات الجزائرية ممن يحوزون على شهادة في الاختصاص ومملكة أيضا للمستثمرين الأجانب، لاسيما منهم الأمريكيين بشكل خاص، ممن أثنى عليهم وزير الطاقة والمناجم السابق شكيب خليل ويحتفظ لهم بموقف مشرف في الصحراء مفاده أن هؤلاء المستثمرين فضلوا البقاء في حاسي مسعود خلال سنوات الفوضى والجنون الإرهابي بدل الالتحاق ببلدهم على نحو ما فعل الفرنسيون والإسبان والألمان والإيطاليون، لذلك فهم يحظون بموقع الأفضلية في معادلة الاستثمارات في السوق الجزائرية.
مدينة تتوسّع وتكبر في صمت..
وبهذه التمثلات الرمزية؛ الثروة والريع والحصول على فرص عمل في القواعد البترولية ومنشآتها الأخرى الممتدة، ظلت المنطقة على مدار العشريات الماضية وإلى غاية اليوم تستقطب إليها الآلاف من المواطنين الباحثين عن فرص للشغل القادمين من كامل ولايات الوطن، ولكن الداخلون إلى حاسي مسعود ليسوا كالخارجين منها. إذ تشير روايات لبعض الإطارات الجزائرية، إلى أن هناك من دخل المنطقة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي من غير أن تكون له شهادة أو شيء من قبيل الاختصاص وحرص على أن يصنع لنفسه مجدا، حين نسج خيوطا عنكبوتية مع دوائر النفوذ التي استأثر بها للحصول على سكن وترقية في سلك الوظيفة العمومية، ففي غمرة ذلك، استفاد هؤلاء الأشخاص من الحماية التي وفرتها لهم دوائر النفوذ واستفادوا من غياب الرقابة التي كان يفترض أن تفتح عينيها على الأحياء والمباني التي توسّعت في صمت وأصبحت قريبة جدا من المنشآت البترولية وبات الخطر قاب قوسين أو أدنى من الوقوع، فمع أن خبراء الكوارث الكبرى صنفوا حاسي مسعود مطلع تسعينيات القرن الماضي على أنها ذات خطر صناعي عال، إلا أن القائمين على تسيير الشأن العام هناك لم يلتفتوا من حولهم لتوقيف توسّع العمران، بل تحول الحاسي إلى ملجأ ونقطة استقطاب بامتياز كبير خلال تلك الحقبة التي صادفت سنوات الجمر، إذ تشير الأرقام التي أسفرت عنها عملية الإحصاء العام للسكان لسنة 1987 إلى أن عدد سكان حاسي مسعود لم يتعد 8300 نسمة، ولكن عدد سكان المنطقة قفز خلال عملية الإحصاء العام للسكان سنة 1998 إلى 38 ألف نسمة، دون احتساب الذين يقيمون بها ولم يشملهم الإحصاء، بحسب مسؤول سابق بالبلدية، فبوسع الزائر لحاسي مسعود اليوم أن يشاهد مئات البطالين من كلا الجنسين ومن كافة ولايات الوطن، أغلبيتهم ما اجتهد القاموس الشعبي الجزائري على تسميتهم بـ(الزوافرة).
حي الهايشة.. مأوى الغرباء والزوافرة
هؤلاء لهم أيضا منطقهم الخاص في الاستفادة من الشغل وفي اتباع خطوات المستفيدين من الثروة والريع في هذه المنطقة، التي ماتزال وجهتهم المفضلة، حيث تجدهم في الحاسي مثل خلايا النحل، ولكنهم حوّلوا الموقع إلى مستنقع بشع، فعلى بعد نحو كيلومتر عن مقر البلدية شيّدوا حي الهايشة الصفيحي وحوّلوه إلى وجهة مفضلة للغرباء والباحثين والباحثات عن شغل. بذلك الحي بزغ نجم أشخاص مشبوهين يقومون بدور الوساطة بين البطالين البسطاء وسماسرة غامضين، فهو حزام واسع من بيوت الصفيح، يتسع لأزيد من 5 آلاف نسمة، ويحتضن تناقضات ومفارقات عديدة. ''إني أجرت بيتا بحي الهايشة بـ5 آلاف دينار لدى إحدى المتسوّلات التي تحوز على غرفتين ومع ذلك، قضيت 3 أشهر وأنا أتردد على مكتب اليد العاملة بحاسي مسعود لعلي أفتك منصب شغل. وكلمرة أتقدم منهم يطلبون مني 15 مليون سنتيم، لأنهم يريدون استغلال عدم نظافة شهادة سوابقي العدلية''.. هكذا قال ''جلال''، شاب في الرابعة والعشرين من عمره، عندما سألناه عن سبب مجيئه إلى الحاسي، هذا الحي الذي يؤمّه البطالون، وأغلبيتهم نساء، جئن من ولايات الغرب، وفي مقدمتها ولاية تيارت ووهران وعنابة.. كان مسرحا لعمليات استعراضية قام بها عدد من شباب الحي ضد بعض النساء سنة 2001، فمن حي الهايشة إلى حي 136 مسكن، اللذين ينظر إليهما اليوم بعين الشك وعدم الرضى، بإمكانك أن تقف على شريط واسع وممتد من القمامة والأكياس البلاستيكية المبعثرة في الطريق العمومي، ما يجعلك بالتالي تطرح تساؤلات أكبر عن حالة التسيّب وحالة الفوضى العامة التي تعيشها حاسي مسعود.
هدوء مشبوه..
وموازاة مع ذلك، كانت شوارع حاسي مسعود غارقة في هدوء مشبوه، هناك تلحظ حالة يأس تعتري وجوه المارة، كما لو أنها تعتقل أجسادهم وذواتهم في دوامات الكبت، وربما تحول الناس هناك إلى كائنات مضغوطة، وأصبحوا ينامون ويستيقظون على الإشاعة. فالوضع الناجم عن القرار الذي خلصت إليه السلطات العليا للبلاد والمجسّد في المرسوم التنفيذي رقم 06/321 الصادر في 18/09/2006 والمتضمن إنشاء المدينة الجديدة لحاسي مسعود، أربك سكان المنطقة وأصبحوا في حيرة من أمرهم، ولو أن التعليمة رقم 05 التي أصدرها أحمد أويحيى في الـ04 من شهر ديسمبر عام 2004، كانت واحدة من المؤشرات المبكرة الموجهة للمقيمين بهذه المدينة حتى يضبطوا حساباتهم المستقبلية، وكان مضمونها أن حاسي مسعود تبقى مقتصرة على أصحاب مهنة البترول، والمواطنون الذين ليست لهم علاقة بهذا المجال ملزمون بمغادرتها. هل الخطر بات وشيكا؟ ولماذا بعد طول هذه المدة الزمنية تخلص السلطات العمومية إلى إنشاء المدينة الجديدة لحاسي مسعود؟ هل منطق العلاج بالصدمات أصبح هو القاعدة في إيجاد حلول لمشاكلنا، حيث لا توقظنا من غفلتنا إلا الكوارث، على نحو ما حدث لسكان وادي ميزاب بغرداية ووادي بشار ووادي عين الدفلى وبومرداس.
كل شيء مجمّد.. والبشر كائنات مضغوطة
''الحقيقة أن الوضع الاستثنائي الناجم عن قرار تحويل مدينة حاسي مسعود، هو الذي وضع السكان في حيرة من أمرهم، فمنذ 2006 جمّدت السلطات كل شيء في حاسي مسعود.. البناء مجمّد والسجل التجاري مجمّد، وحتى بناء المدارس والمصحّات وقاعات الولادة والطرقات... مجمّد''، يقول ''سعيد'' الذي هو أيضا غير واثق مما سيحمله له المستقبل في غمرة الوضع الجديد بهذه المنطقة، وتابع يقول ''إن المدينة الجديدة التي سيتم إنجازها بمنطقة وادي المرعى، لن تكون جاهزة إلا في أفق ,2018 فهل يعقل أن يتم تجميد البناء وتجميد السجل التجاري لمنع النشاط التجاري.. بل يريد هؤلاء أن يقولوا للسكان كفّوا عن الولادات..!''.
هذا الوضع الاستثنائي الذي يضع أزيد من 60 ألف سكن موضع الرهينة، ولّد حالة قلق واستياء كبرى، راحت تضغط بثقلها كل يوم، بحسب ما وقفنا عليه في مقاهي وشوارع ومؤسسات حاسي مسعود، ففيما يفكر الداخلون إلى الحاسي في كيفية الحصول على منصب شغل، أصبح الشغل الشاغل لأبناء الحاسي هو، هل ننتظر اتضاح آفاق الرؤية المستقبلية أم نرحل قبل فوات الأوان؟. فأي منطقة وسطى هي أجدر بالاختيار؟ التمسّك بالأرض وبموطن الطفولة أم الخروج لإنقاذ المستقبل من السجن؟.. على هذا النحو صودرت أفراح وطقوس الزواج وحدّ من النسل وعطّلت إمكانات العمل التجاري وقبرت آمال الإنسان المتطلع إلى غد أفضل، وتحول الحاسي إلى سجن وفخ كبيرين. وما يثيره صاحب سيارة أجرة وهو بصحبتنا، أن أحد المواطنين بحي 136 مسكن، لما شرع في توسيع منزله بإضافة غرفة له على أمل تزويج ابنه، رفعت ضده دعوى قضائية وتدخل الوالي لهدم ما قام ببنائه. أما على الصعيد التجاري، فيشير إلى أن تجميد الحصول على السجلات التجارية، ساهم في تفاقم النشاط الموازي وامتد ليشمل حتى المتاجرة في بعض المواد المحظورة. بينما يؤكّد صاحب محل للمواد الغذائية، أن الوضع الموروث عن تجميد هذه النشاطات، كان له ارتدادات خطيرة على النسيج الاجتماعي، حيث تفاقمت الخلافات داخل الأسر، وبرزت أمراض اجتماعية أخرى مثل تناول المخدرات وبروز الدّعارة، فيما اشتدّ الضغط وضاق الأفق الاجتماعي. فهل من السهل أن نرهن مستقبل أزيد من 60 ألف نسمة بمرسوم تنفيذي أو بقرار من القرارات؟. إذ أن ما عرفناه بحاسي مسعود، أن رئيس الدائرة هو الذي يتولّى تسيير الشأن العام هناك، منذ نحو ثلاث سنوات، بعد أن قام الوالي بحل المجلس الشعبي البلدي. وفي الواقع، أنه رغم أخذ الحكومة مأخذ الجد لمسألة الخطر الصناعي الذي يهدّد سكان حاسي مسعود، على اعتبار أن وزير المالية آنذاك عبد اللطيف بن أشنهو اعترف قائلا ''يوجد خطر كبير على حياة 60 ألف سكن، لأنهم قريبون جدا من القواعد، بل حتى أرضية المطار هي موقع لإحدى الآبار البترولية..''، إلا أن مشروع إنجاز المدينة الجديدة لم يعرف تقدما منذ نحو أربع سنوات من صدور المرسوم التنفيذي، وظل يراوح مكانه.
إنجاز طريق بسيط.. يستدعي موافقة مجلس الوزراء!
فما عرفناه استنادا لرئيس المجلس الشعبي الولائي لورفلة السيد قوريشي، أن السبب يعود إلى عدم مطابقة الصفقة التي حاز عليها المكتب الكندي (آل، سي، يي) لقانون الصفقات العمومية الجديد. ويعترف صراحة قائلا ''إن المجلس الإداري لمؤسسة المدينة الجديدة يقر بوجود مشكل مع اللجنة الوطنية للصفقات''. وكان مشروع المدينة الجديدة والوضع الاستثنائي في الحاسي موضوع مناقشة على مدى دورتين متتاليتين للمجلس الشعبي الولائي، أسفرت عن توصيات مفادها أن سكان حاسي مسعود لا يجب أن يدفعوا ثمن الوضع الاستثنائي هناك، بل يجب أن تقدم لهم تسهيلات إلى جانب إجراءات لحل مشاكلهم الاجتماعية؛ كالحصول على السّجلات التجارية ومساعدة الشباب ومنحهم الاستفادة من القروض لإنشاء مشاريع، ''فالوضع صعب جدا بحاسي مسعود، حيث أن إنجاز طريق بسيط في المدينة يستدعي موافقة مجلس الوزراء''، يضيف رئيس المجلس. وإن كان والي ورفلة وعد أعضاء المجلس بتقديم هذه الانشغالات للحكومة كلما سنحت الفرصة على أمل دراستها والتكفل بها، فإن القضية شكلت موضوع سؤال شفهي وجّهه عضو مجلس الأمة، الياس لعروسي، إلى وزير الطاقة والمناجم السابق شكيب خليل.
وادي المرعى ستحتضن مائة ألف نسمة
وتشير المعلومات التي قدمت لنا بولاية ورفلة أن إنجاز المدينة الجديدة لحاسي مسعود يتم في خلال 6 سنوات، فيما ستستغرق الدراسات الخاصة بها 18 شهرا، على أن يتم خلال في الخريف المقبل الحسم نهائيا في الصفقة الخاصة بالدراسات والمتابعة والمراقبة. هذه المدينة، حسب المخطط التوجيهي لسوناطراك ستنجز بمنطقة وادي المرعى، على بعد 80 كيلومترا وسط كل من مدن تفرت وورفلة وحاسي مسعود. ويرتقب أن يكون لها تأثيرا إيجابيا على باقي المدن القريبة منها، حيث ستحتضن نحو 100 ألف نسمة وقد اختيرت بهذه المنطقة لبعدها عن القواعد البترولية ولقربها من الطرق الوطنية، بل سيعبرها خط السكة الحديدية العابر لجنوب البلاد. وتتربع المساحة المخصصة لإنجازها على نحو 4500 هكتار، يخصص منها 3200 هكتار لاحتضان المنطقة الحضرية، فيما سيحتفظ بـ1161 هكتار لتوسيعها مستقبلا، ومع ذلك، فإن الخبراء يحذرون من استعمال الإسمنت المسلح في بناء المدينة، ويطالبون بإجراء دراسات معمّقة بشأن مواد البناء التي يجب استعمالها تماشيا مع خصوصية المنطقة، كل ذلك لأجل احترام الفارق في درجة الحرارة بين الليل والنهار بهذه المنطقة. |
|
 |
 |
المصدر :مبعوثنا إلى حاسي مسعود: نوار سوكو
2010-06-12 |
|
|
|