"بارك مول".. قصة المشروع الذي أسال الكثير من الحبر!

روبورتاجات
12 فبراير 2016 () - سطيف: عبد الرزاق ضيفي
0 قراءة
+ -

بدخول “بارك مول”  أكبر مساحة تجارية وترفيهية في الجزائر حيز الخدمة، بدأت تظهر بوادر ضعف كبير في تأطير المستهلك الجزائري الذي توافد بالآلاف على “المول” التجاري، وفاق عدد زواره خلال يومين فقط من افتتاحه 100 ألف زائر، من ولايات برج بوعريريج، باتنة، سطيف، المسيلة وحتى قسنطينة وبومرداس والجزائر العاصمة، ما خلق اكتظاظا مروريا غير مسبوق في جميع الطرق المؤدية إليه، الأمر الذي وضع السلطات في حرج كبير، خاصة أن موقعه مقابل مقر ولاية سطيف التي تشهد كل يوم احتجاجات من أجل المطالبة بالسكن والشغل وتحسين الأوضاع، ما حتم على مصالح الأمن كذلك أن تجند عددا أكبر من أعوانها لتأطير جموع الزوار وتطويق الاحتجاجات في آن واحد.

 الأكيد أن صور الازدحام الكبير بعد الافتتاح الرسمي لـ “بارك مول” خلقت مادة دسمة عبر صفحات التواصل الاجتماعي، وزرعت الدهشة بشكل واضح على كل من رأى صور بعض الزبائن وهم يصعدون السلم المتحرك نحو الأسفل، والعكس، ما فضح كل السلطات التي تعمدت كل هذه السنوات التضييق على المواطن وحرمانه من كل أساليب الحياة العصرية الحديثة حتى صار لا يواكب ما يحدث حتى مقارنة مع جيراننا في تونس والمغرب، بدليل أن كل مؤسسات الاستثمار العمومية كانت ترفض مثل هذه المشاريع الضخمة في وقت سابق لأسباب واهية، مثل إشكالية غياب قاعة كبيرة الحجم لاحتضان ندوات ومؤتمرات علمية وفكرية وغيرها، ما جعل سطيف تخسر العديد من التظاهرات والمهرجانات، لعل أبرزها مؤتمر الإعجاز العلمي الذي حوّل إلى بسكرة في ثاني طبعة له بعدما كان مبرمجا بسطيف، والسبب غياب قاعة كبيرة الحجم تستطيع أن تحتضن الضيوف المشاركين، وغياب فضاءات يمكن للزوار التجول فيها، زيادة على نقص الفنادق في وقت سابق، ولو أن سطيف عرفت انفراجا في المدة الأخيرة بسبب دخول أكثر من 10 فنادق حيز الخدمة.

كلمة وزير السياحة غول أثناء الافتتاح أكدت أن الجزائريين كانوا في آخر الركب، حين قال إن هذا الصرح التجاري يمهد لحياة عصرية للجزائريين الذين كانوا إلى وقت قريب مثار حسد من طرف العديد من بلدان العالم بسبب الطفرة المالية جراء ارتفاع أسعار البترول. فماذا حدث؟ وأين ذهبت كل الأموال حتى يصاب الجزائريون بالدهشة لدخول مثل هذه الفضاءات التجارية الواسعة رغم أنها تعتبر قديمة في بلدان نامية؟

البداية من هنا
هذا الصرح التجاري الذي خرج من عنق الزجاجة لم يكن أحد يتصور أن يكون تحفة معمارية تزين وسط مدينة سطيف قبل أن يكون هيكلا إسمنتيا تتقزز منه الأنفس، والحق هنا يجب أن يقال، فلم يكن من السهل أبدا على صاحب المشروع أن يقتحم مجالا صعبا مثل هذا في ولاية داخلية كانت إلى وقت قريب توصف بأنها فلاحية، فلو تجسد المشروع في العاصمة مثلا، على غرار “مول باب الزوار” أو “أرديس” أو “كارفور” لكان من العادي جدا وصفه بـ “الصرح الكبير” في عاصمة الدولة، دون أن ننكر أن العديد من الهيئات الرسمية كانت ضد المشروع قبل أن يخرج إلى العلن، وكان لابد علينا أن نتناول قصة هذا “البرج” منذ ميلاده حتى تبين الخيط الأبيض من الأسود فيه.

من مشروع سكني ضخم إلى هيكل إسمنتي تسكنه الأشباح
المشروع المملوك أصلا للصندوق الوطني للتوفير والاحتياط كان من المقرر أن يكون مجمعا سكنيا ضخما يضم العديد من المحلات التجارية وسط المدينة، وبدأ تشييده بداية سنة 2000، لكنه توقف بعد ذلك بقرار من إدارة الصندوق بعد نهاية أشغال الإسمنت الكبرى، لنية القائمين على الصندوق بيعه على حاله حتى يتسنى للمستثمر الذي قد يكون من نصيبه إدخال أي تعديلات يراها مناسبة، وهذا بعد أن عارض مسؤولون سابقون للولاية، وعلى رأسهم وزير الموارد المائية الحالي عبد الوهاب نوري أيام كان واليا على سطيف، فكرة المشروع السكني، بسبب قربه من مقر الولاية وتشويهه المنظر العام.

وكان أول مهتم بشراء الهيكل الإسمنتي شركة “ميزا تيرك” التركية وصاحبة المجموعات السياحية العالمية، غير أن الأمور توقفت عند بدايتها، ليأتي بعدها دور الشركة السعودية “سيدار”، وهي الشركة التي أبدى القائمون عليها اهتماما بالغا بالمشروع، لكن الأمور توقفت بدورها خلال منتصف مارس 2005، ليتم بعد ذلك عرض الهيكل على حالته في إطار مزايدة علنية دولية ووطنية خلال شهر فيفري 2006، فتقدمت 3 شركات قدمت عروضا مالية من أجل شرائه، وهي “سيدار” السعودية، “أكسور” الكندية و“أل جي إلكترونيكس” الجزائر، وكان أحسن عرض قُدم حينها لمسؤولي الصندوق من قبل شركة “أل جي إلكترونيكس” الجزائر التي وصل عرضها إلى حدود 127.5 مليار سنتيم، ومع ذلك تراجع مسؤولو صندوق التوفير والاحتياط عن منح الصفقة للفائز بها

لأسباب لم يبح بها القائمون على الصندوق، ليقرر في الأخير تحمل نفقات إتمام المشروع إلى آخره، لكنه عاد فجأة عن هذا القرار لأسباب مالية تتعلق بالتمويل، لتعود فكرة بيعه بالمزاد، فتم الإعلان عن أول محاولة لبيعه عن طريق التعهدات المختومة، بعد أن كُلفت مديرية أملاك الدولة بالولاية وبتفويض من الصندوق الوطني للتوفير والاحتياط بالقيام بعملية البيع، لكنها فشلت، إذ لم يتقدم أي من الثلاث المهتمين بشرائه الذين سبق لهم سحب دفتر الشروط، معتبرين السعر الافتتاحي المقدر حينها بـ135 مليار سنتيم مبالغا فيه.

بعدها قامت مديرية أملاك الدولة بالتنسيق مع المديرية الجهوية للصندوق الوطني للتوفير والاحتياط بإعادة النظر في السعر الافتتاحي، تم بموجبها تخفيضه 5% من السعر الافتتاحي الأول، أي في حدود 122 مليار سنتيم، ليأتي الإعلان عن عرض ثانٍ نهاية سبتمبر الماضي لبيع “البرج العالي” بالمزاد العلني، فسحبت 6 شركات دفتر الشروط، في حين لم تضع مقترحاتها المالية سوى 3 شركات هي “سيفيتال” التي قدمت عرضا بـ125 مليار سنتيم، “فيوتر سيتيز” أجنبية الجنسية قدمت عرضا بـ132.5 مليار سنتيم، وشركة “بروم باتي” التي كان عرضها الأكبر وقدر بـ160 مليار سنتيم، ليعلن عندها فوزها بالمزاد، وللعلم فإن شركة “بروم باتي” مختصة في البناء والعمران، لصاحبها ابن المنطقة رشيد خنفري الذي يملك عدة شركات كبرى على غرار شركة “آغرو فيلم”.


رحلة البحث عن مساحات إضافية لتجسيد المشروع
المشروع الحالي لـ “بارك مول” لم يكن ليتجسد في ظل صعوبة إيجاد عقارات شاغرة وسط المدينة، فما كان من صاحب المشروع سوى دخول معارك كثيرة من أجل التوسع في مساحات إضافية داخل حديقة التسلية، وهي المساحات التي لم تكن السلطات المحلية تريد منحها لولا تدخل السلطات العليا، خاصة المسبح المحاذي للمشروع، والذي كان يعتبر المتنفس الوحيد لأبناء مدينة سطيف، ما خلق شحناء كبيرة لدى سكان المدينة، رغم أن فكرة ضم جزء من مساحة حديقة التسلية ومسبح المدينة كانت قد طرحت في وقت سابق وتم رفضها جملة وتفصيلا، مع أن صاحب العرض آنذاك كان مجموعة شركات شيراطون وذلك بقصد تحويلها إلى مساحات خضراء وموقف كبير للسيارات تابع للمشروع، ومع هذا فإن المجلس البلدي آنذاك، وبتوصية مباشرة من الوالي نور الدين بدوي وزير الداخلية الحالي، قام بعقد صفقة مع المستثمر في الخفاء تقترح ضم جزء مهم من مساحة داخل حديقة التسلية هي مبنى المدرسة الوطنية للفنون الجميلة التي كانت في وقت سابق روضة للأطفال، وهذا بعد أن تم نقلها إلى مقر جديد بمدرسة زروقي خيرة، فيما بدا التواطؤ كبيرا في عملية منح المدرسة التي لم يتجاوز ثمن التنازل عنها 1.4 مليار سنتيم، والتي هي أصلا ملك لمديرية أملاك الدولة، رغم أن مالك البرج رشيد خنفري الذي حضر الجلسة وقدم شرحا وافيا عن البرج والمشروع ككل كان مستعدا لشراء المبنى من مديرية أملاك الدولة بمبلغ 8 مليار سنتيم، لكن وبعد أن تم منح الصفقة قرر أيضا تقديم طعن في مبلغ 1.4 مليار لعله يكسب البعض منه. ومن الصدف العجيبة أن تاريخ التنازل عن المدرسة 20 أكتوبر 2010 صادف يوم رحيل والي الولاية السابق نور الدين بدوي إلى وزارة التكوين المهني، وهذا بموجب التقييم الذي أعدته مديرية أملاك الدولة بولاية سطيف بموجب مراسلة تحت رقم 8233 بتاريخ 18/10/2010، وزيادة على ذلك فقد تم منح المشروع بأمر من المجلس الأعلى للاستثمار.

حديث عن آثار بيزنطية وإسلامية لمئات السنين
كشفت عملية تهديم العديد من المنشآت بمحاذاة مشروع البرج العالي بسطيف، بغرض التوسعة وإنجاز قاعة للمؤتمرات ومبنى أرضي لمواقف السيارات، عن وجود الكثير من الآثار في باطن الأرض لم يتم التنقيب عنها في وقت سابق، ورغم علم السلطات المحلية وحتى وزارة الثقافة بذلك، فإن صاحب المشروع لم يعر اهتماما لذاكرة المنطقة وواصل الحفر، بعد أن نقل تلك الآثار إلى أماكن رمي النفايات خارج المدينة.  وفور مباشرته لأشغال هدم المسبح بدأت تتضح معالم آثار بالجملة في باطن الأرض: منها ما يعود للحقبة البيزنطية، ومنها ما يعود للعصر الإسلامي، خاصة ما تعلق بالسور الأساسي الذي يحيط بالقلعة البيزنطية المتواجدة في حديقة التسلية بمحاذاة المتحف الوطني للآثار، زيادة على أحجار أثرية هامة كأعمدة من الحجر الكلسي، وعدد لا بأس به من التيجان الكورنثية والدورية والإيونية، ونقوش منها الجنائزية ومنها النذرية التي تعود إلى العصر الروماني، وحتى معادن ونقود وقطع ذهبية قديمة لا يمكن أن تكتشف مع عملية الحفر بالآليات الثقيلة.

وقد وقفت “الخبر” آنذاك على أشغال الحفر وتأكدت بأن باقي السور الذي يتكون من أحجار ذات متر مكعب قد اختفت بشكل مفاجئ، حيث قامت السلطات البلدية والولائية وحتى جمعيات الحفاظ على الآثار بتقديم مراسلات رسمية وصلت إلى غاية وزارة الثقافة، لكنها لم تحرك ساكنة، فيما أبدى سكان مدينة سطيف امتعاضهم الشديد من عملية الهدم الممنهج لذاكرة المنطقة، خاصة أن الكثير من الأبحاث أكدت بأن قلب مدينة سطيف يعتبر مدينة أثرية باطنية تحتاج إلى التنقيب.

 “البرج العالي” يدخل الخدمة.. في انتظار الفندق وقاعة المؤتمرات
ومثلما كان مبرمجا، دخل المركز التجاري الأكبر في الوطن حيز الخدمة، لكن الأكيد أن هذا الصرح الكبير والمتكامل لا يزال في المراحل النهائية من تجسيد الحلم السطايفي، ففندق الماريوت الذي يمثل سلسلة العلامة الأمريكية الشهيرة لم يتمكن من استكمال أشغاله بسبب التركيز على افتتاح المركز التجاري الكبير، زيادة على مواصلة أشغال مركز الأعمال الموازي لبرج الفندق، وكذا قاعة المؤتمرات التي تعتبر تحفة فنية، تضاف إليها المواقف الكبيرة لأكثر من 1200 سيارة في الطابق الأرضي وبنظام متطور وآلي يسمح للزبائن بركن سيارتهم بكل سهولة من أجل منع الاكتظاظ على الطرق المؤدية للبرج العالي.

من جهة أخرى تبقى الإشكالية الوحيدة التي تؤرق الجميع انتشار المطاعم في الواجهة الخلفية للفندق، والتي شوهت منظره العام، ما يحتم على صاحب المشروع إيجاد حل توافقي من أجل تهيئة الواجهات الأمامية لهذه المطاعم، زيادة على تكثيف عمليات الرقابة عليها لأنها تعتبر ملاذا وحيدا لزوار المدينة من أجل تناول الأطعمة المختلفة، في وقت تنتشر الأوساخ بكثرة في هذه المحلات، وهو ما نبهت إليه جمعية حماية المستهلك في أول أيام افتتاح المركز التجاري حين حذرت من مغبة تناول أطعمة تسبب تسممات غذائية بسبب الطلب الكبير عليها.
من جهة أخرى يبقى رهان صاحب المشروع ومسيريه في كيفية التعامل مع الزبون الجزائري، إذ لاحظ الجميع تلك الطريقة التي يتعامل بها أعوان الأمن مع الزبائن في غياب الابتسامة المطلوبة في مثل هذه المراكز التجارية، فيما كان منظر هؤلاء الأعوان وهم يطاردون الأطفال وصغار السن الفضوليين بالعصا والهراوات في ثالث أيام الافتتاح، منظرا مؤلما شوه صورة الصرح الخدماتي والتجاري، ما يستوجب خضوع هؤلاء إلى رسكلة حقيقية لتفادي الاحتكاك مع الزبائن، مع دراسة واقعية لمزاج الرجل السطايفي الحاد.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول