تيسمسيلت.. الولاية المظلومة!

روبورتاجات
19 فبراير 2016 () - تيسمسيلت : مبعوث “الخبر” نوار سوكو
0 قراءة
+ -

كل الخطابات التي رددها المسؤولون المتعاقبون على تسيير ولاية تيسمسيلت تركزت منذ 1984 على محورين، هما الفلاحة والسياحة، لكن ما وقفنا عليه أن شباب المنطقة مازال هاربا من الانخراط في مسعى تنمية الفلاحة رغم المستجدات المحذرة من أزمة اقتصادية في البلاد، بل وحتى مدير المصالح الفلاحية يؤكد أن القطاع بهذه الولاية مازال أسير الأفكار القديمة والتقليدية، لدرجة استعمال المحراث التقليدي، فيما تؤكد مديرية التشغيل أنها لم تحص أي طلب عمل في الفلاحة، ما يطرح بالتالي تساؤلا عن أسباب عدم التفات المسؤولين من حولهم لتوجيه الشباب، رغم أن طابع المنطقة فلاحي رعوي. إلا أن التساؤل الأكبر يمكن طرحه بشأن قطاع السياحة، لأنه إلى غاية اليوم لا شيء تحقق في الميدان، ولأزيد من 30 عاما لم يتم إنجاز ولا فندق واحد أو تهيئة المقاصد المعنية بالترويج السياحي. والتساؤل ذاته يمكن سحبه على مناطق النشاطات في تيسمسيلت وثنية الحد وخميستي التي كان من المفترض أن تحتضن مشاريع استثمارية، إذ ومنذ تسعينيات القرن الماضي، مازالت هذه المناطق غير مستغلة ماعدا بعض الوحدات التي تعد على الأصابع. وموازاة مع ذلك، مازال المخيال الجماعي لسكان تيسمسيلت مسكونا بقناعة مفادها أن ولايتهم من أفقر الولايات في الجزائر ولكنهم يحملون المنتخبين وباقي المسؤولين مسؤولية تاريخية إزاء الوضع الذي تعيشه المنطقة.

 المشهد العام الذي يشد كل زائر لمدينة تيسمسيلت هو المقاهي المكتظة عن آخرها منذ الصباح حتى الظهيرة، فهذا (الفضاء) مازال يحافظ على سلطته كمكان للالتقاء، ففيه يتبادل سكان القرى والمداشر ما استجد من معلومات محلية وفيه تنتج ظاهرة القيل والقال وتستهلك الإشاعة، وعلى هذا النحو يكون القادم من بلديات برج بونعامة ولرجام وثنية الحد وخميستي ولعيون وغيرها قد تنفس.  على أرض مدينة تيسمسيلت يتقاطع الدين مع الخرافة والشعوذة والطقوس المشوبة أيضا بالجهل والغفلة، لأن المتجول في ساحة الوئام بقلب المدينة يجد نفسه محاطا بعالم من التقاليد ولا يصدق أنه لا يبعد عن العاصمة إلا بنحو أقل من 300 كيلومتر. ففي ساحة الوئام تقبل الحشود البشرية من كافة بلديات وقرى ومداشر الولاية لحضور بعض حلقات المداحين والبراحين والاستماع إلى النكت الشعبية وأيضا بعض الخرافات والسلوكات البهلوانية، بينها سلوكات أحد الشيوخ ممن تشكلت حوله حلقة من الناس الفضوليين، يطلب منهم رفع أيديهم ليقولوا ”آمين” ثم يطلب منهم إحضار 50 دينارا ثم 200 دينار وذلك على نحو يبدو فيه على أنه سمسار يبتز الناس، ومع ذلك ينخرط الناس في مسعاه ويتماهون معه، لكن هذه الحشود البشرية من الشباب تطرح تساؤلا عما تفعله في يومياتها الضائعة.

مدير التشغيل: البطالة في تيسمسيلت تطوعية!
ومع ذلك، فإن مدير التشغيل لولاية تيسمسيلت، السيد دين بن زهرة، يصر في توضيحاته على أن البطالة في الولاية لا تتعدى 9 بالمائة بشكل عام، فيما تتراوح بين 12 و13 بالمائة وسط الجامعيين. وفي معرض إجابته عن سؤالنا المتعلق بأسباب تفاقم البطالة وسط الشباب عبر بلديات الولاية، قال ”إن نسبة البطالة كانت تقدر سنة 2014 بـ10,85 بالمائة وأتحدى أيا كان يقول لي إن هناك بطالة في وسط الشباب الحامل لمؤهلات أو شهادات في تخصصات البناء، الأشغال العمومية، الري والفلاحة، فالبطالة موجودة وسط الشريحة التي تحوز على شهادات في تخصصات البيولوجيا، الأدب وباقي شعب العلوم الإنسانية، أما الشباب الذين يحوزون على مستويات دنيا، فطلبنا منهم الحصول على مؤهل مهني لدى مراكز التكوين، لأن سياسة التقشف تلزمنا بتنفيذ تعليمات وزير العمل حرفيا، المتضمنة منع تقديم أي قرض في إطار الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب أو الصندوق الوطني للتأمين على البطالة للشباب غير الحائز على مؤهلات مهنية”.

مفارقات الشباب
المدير الذي استقبلنا في مكتبه استقدم معه اثنين من مساعديه لتقديم معلومات وتفاصيل أكثر عن حكاية التشغيل في المنطقة، وهما اللذان يقولان ”إن البطال هو من يبحث عن شغل أو عمل ولا يجده، لكن في تيسمسيلت هذا التعريف لا ينسحب على كثير من الشباب، فالشاب في هذه الولاية يبحث عن منصب عون أمن أو عامل نظافة من طراز الذين يتولون عملية تنظيف المدينة ويتقاضون 12 ألف دينار”.

ويعود المدير لمقاطعتهما قائلا: ”حتى مهنة عامل نظافة لم تعد مقبولة لديهم، إذ أنه من أصل 60 ملفا خاصا بمهنة تنظيف المدينة، رفض 5 شبان المهنة وقبلوا العمل كأعوان أمن بالمستشفى، وقالوا إن مهنة عامل نظافة من المفروض أن نتقاضى عليها 40 ألف دينار وليس 12 ألف دينار”. في سياق ذلك، يعود أحد المساعدين إلى تقديم واحدة من الأمثلة عن هذا النوع من الشباب الذي لا يقبل بأي مهنة ”في بلدية أولاد بسام رفض 15 شابا العمل المعروض عليهم كأعوان نظافة، وإلى غاية اليوم لم يقبلوا به ويفضلون فقط الحصول على أجر في إطار المساعدة على الإدماج المهني، المقدر بـ8000 دينار و12 ألف دينار دون بذل أي جهد”. وأبعد من كل ذلك، يقول المدير نقلا عن رئيس المجلس الشعبي البلدى لعماري، إن هناك مقاولا وجد نفسه مرغما على استقدام العمال على متن حافلتين من ولاية تيارت للعمل في ورشة بعد أن رفض أبناء البلدية هذا النوع من العمل.

”لم نسجل أي طلب عمل في الفلاحة..”
وعلى هذا الأساس، يجمع المدير ومساعديه على أن البطالة في تيسمسيلت تطوعية وتنطوي على مفارقات، إذ ”من أصل 17 ألف طالب عمل بتيسمسيلت يوجد 2236 طلب أصحابها دون مؤهل”، تقول مساعدة مدير التشغيل، فيما يؤكد المدير في سياق ذلك: ”قمت بمبادرة تتمثل في إرسال قائمتهم إلى مديرية التكوين المهني، إلا أن غالبيتهم رفضوا التكوين، في وقت لم نحص أي طلب عمل في قطاع الفلاحة، رغم أن طبيعة المنطقة هي فلاحية رعوية”.

المفارقة هذه تطرح أكثر من تساؤل عن أسباب عدم التفات المسؤولين على اختلاف انتماءاتهم الإدارية والسياسية من حولهم بغية توجيه الشباب وتشجيعه على العمل في الفلاحة، أم أن هؤلاء ينتظرون استقدام أو استيراد اليد العاملة من الصين أو الفلبين أو مصر للاشتغال في الفلاحة على نحو ما تم في قطاع البناء؟ وقد وفر القطاع العام بتيسمسيلت سنة 2015 ما يقارب 395 عرض عمل، فيما قدم القطاع الخاص 2068 عرض في مجالات الأشغال العمومية، الري والبناء، بينما قدم القطاع الخاص الأجنبي 122 عرض، ليبقى قطاع الخدمات يحتل الصدارة من حيث توفير مناصب الشغل، ولو أن هذه الأرقام تعد ضئيلة جدا قياسا بجيوش الشباب البطال المتواجد عبر 22 بلدية في ظل انعدام نسيج صناعي اقتصادي في المنطقة.

”متقاعدو الجيش وشباب أونساج ينافسوننا..”
والواقع أن الزائر لبلديات ثنية الحد، لعيون، خميستي، لرجام، المعاصم، برج بونعامة وعماري.. يقف على ظواهر تتحدى الأرقام التي قدمها مدير التشغيل بشأن البطالة.
ففي قلب مدينة خميستي الواقعة على بعد7  كيلومتر إلى شرق مدينة تيسمسيلت اصطفت عشرات السيارات والعربات فوق شبه ساحة على حافة الطريق الوطني منذ الصباح الباكر، كنا نعتقد أنها سوق للسيارات، لكن بعد اقترابنا من أصحابها قالوا لنا ”إننا أصحاب سيارات (كلوندستان)”. في شبه تلك الساحة ينتظر فاتح ومحمود وعلي وآخرون بعرباتهم وسياراتهم منذ الصباح لعل أحدا يأتي ويعرض على واحد منهم خدمة نقله إلى وجهة ما مقابل 500 أو 1000 دينار، لكن من غير جدوى، لأن البطالين باتت تنافسهم شرائح أخرى على نحو ما يشير إليه فاتح ”في هذه الساحة بات كثير من متقاعدي الجيش ينافسوننا بعد أن تحولوا إلى كلوندستان”، بل والتحق بمهنة (الكلوندستان) حتى الشباب الذي استفاد من قروض في إطار الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب (أونساج) على نحو ما يشير إليه علي وهو الذي أشار علينا في تلك الساحة بالالتفات يمينا لرؤية عرباتهم المخصصة لنقل السلع والبضائع.

عندما تتحدث إلى الناس في خميستي يقولون لك إن المعيشة صعبة والآفاق غامضة في وجه الشباب الذي يتعايش مع الفراغ واليأس. في خميستي ليس لديك خيارات، إما أن تنخرط في الجيش وسلك الأمن أو تهاجر وإلا فإنك تضيع، طالما أن كل من تحدثنا إليهم يشهدون على أن كثيرا من الناس يحصلون على قوتهم اليومي بصعوبة في ظل افتقاد المنطقة لوحدات إنتاجية ومصانع، باستثناء مركب لإنتاج الحليب يشغل به 10 عمال. ولا يقل الوضع مأساة في بلدية لعيون الواقعة على بعد أقل من 10 كيلومتر إلى شرق خميستي، الناس هناك يستعطفون السماء لعلها تنزل مطرا لتعود الابتسامة إلى وجوه الناس رغم الفقر الذي يسكن مواقع كثير من الأسر.

في عز يوم ممطر وبرد قارس، كان موسى يجر طاولة لبيع مختلف النباتات والبهارات بأحد شوارع لعيون ويقول: ”عندما نرى المقاهي مكتظة أعرف أن الوضع صعب للغاية”، فعندما تمشط بعينيك ملامح الناس يبدون لك كما لو أنهم ينتظرون شيئا ما قد يأتي به الغيب، لأن شح السماء حول كامل الناس إلى بطالين ولو أن بعض الروايات الشفوية تشير إلى أن كثيرا من الشباب ممن حاز على دعم فلاحي لم ينخرط في مسعى تنمية الفلاحة وحول الدعم لأغراض أخرى. وموازاة مع ذلك، تفيد آراء بعض المواطنين بأنه تم الإفراج عن القائمة الأولية للمستفيدين من أزيد من 400 مسكن اجتماعي ببلدية لعيون شهر جانفي من سنة 2015، ولكن إلى غاية اليوم لم يتسلموا مفاتيحهم. ولا يقل الوضع بؤسا في بلدية لرجام الواقعة على بعد 35 كيلومترا إلى شمال غرب مدينة تيسمسيلت، إذ أن أول مشهد يشد الزائر لهذه البلدية الكتل البشرية من الشباب المحتشد في المقاهي، الفضاء الوحيد الذي يتنفسون فيه في ظل غياب فرص العمل، لأنه واستنادا إلى آراء بعض العارفين بالمنطقة، فإن بلديات لرجام، برج بونعامة، لعيون، خميستي وغيرها لم تعرف استثمارا واحدا منذ نحو نصف قرن ”الشباب هنا بلرجام يشتغل فقط في ورشات البناء من حين لآخر”، يقول صاحب مقهى. هذه البلديات، استنادا إلى آراء مواطنيها، شكلت على مدى العقود الماضية احتياطيا انتخابيا لسماسرة الانتخابات، عندما تأتي الانتخابات يمطرون المواطنين بالوعود وما أن ينتهي الاستحقاق تعود هذه البلديات والقرى والمداشر إلى واقع بؤسها ويأسها. لكن لماذا لم تشق ولاية تيسمسيلت طريقها في التنمية عبر مجالي الفلاحة والسياحة، بالنظر إلى أن المنطقة تتوفر على أجود الأراضي الزراعية ومناطق طبيعية (غابات وحمامات) بدليل أنها تسمى عروس الونشريس، بل إن كافة الولاة الذين تعاقبوا على الولاية (12 واليا) رسموا خطة التنمية في الولاية
عبر رد الاعتبار للفلاحة والسياحة ولكن منذ قرابة نصف القرن لاشيء تحرك ولم يشفع هذان المجالان للمنطقة في الخروج من خط الفقر؟

مدير الفلاحة: مساحات هامة تحت تصرف فلاحين تجاوز سنهم الـ60 عاما
يقول مدير المصالح الفلاحية لولاية تيسمسيلت، السيد مصطفى جقبوب، ”هناك انخراط محتشم وضعيف لأبناء المنطقة في دينامكية التنمية الريفية الفلاحية، على اعتبار أن أغلب الأراضي الفلاحية تابعة للخواص والمستثمرات الجماعية والفردية، فهذه الأخيرة تمثل أكثر من 40 ألف هكتار، وهذه المساحات هي تحت تصرف فلاحين تجاوز سنهم الـ60 عاما، أي لا توجد استمرارية في تسيير هذه المستثمرات، في وقت بقيت أفكارهم تقليدية وسطحية أي لا يستطيعون نقل الأفكار الحديثة إلى الجيل الصاعد”.

ويضيف المسؤول ذاته: ”هناك مشكل عويص يتمثل في العنصر البشري الذي هو الركيزة الأساسية لكل مبادرة وهو الفلاح في حد ذاته، أي أن الفلاح والمربي مازالا أسيري الأفكار القديمة من غير أن يحوزا على تكوين في المجال الفلاحي، وهو ما تحرص عليه الدولة حاليا قصد إخراج الفلاح من هذه الأفكار القديمة عبر إشراكه في برامج التكوين الفلاحي على مستوى المعاهد وكذا الأيام التحسيسية مثل برنامج تعزيز القدرات التقنية الفلاحية لفائدة الفلاحين والمربين وباقي الشعب”. لكن ما هو مسعى مديرية المصالح الفلاحية لتشجيع الشباب على الانخراط في التنمية الفلاحية في المنطقة؟ يجيب مدير المصالح الفلاحية: ”هناك برنامج تكوين باشرته مديرية المصالح الفلاحية مع مديرية التكوين والتمهين لفائدة الفلاحين والمربين وأبنائهم، وقد تم تكوين منذ 2011 إلى غاية اليوم 1200 شخص من جميع الشعب ولاسيما تربية الأبقار، كل ذلك لأجل تسجيل قطيعة مع الأفكار القديمة والتقليدية والعملية متواصلة وهناك مؤشرات لتقبل هذه الأفكار حتى من قبل العنصر النسوي”.

تقدر مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في الولاية بـ145456 هكتار، فيما بلغت نسبة الأراضي غير المستغلة 32 بالمائة، وتنتج هذه الأراضي القمح والشعير والأعلاف والفرينة والبقول الجافة. وقد تم إنتاج نحو 700 ألف قنطار من الحبوب العام الماضي وحاز 10 فلاحين قبل عامين ميداليات في إطار نادي الخمسين الممتاز، بعد أن تمكنوا من حيازة أزيد من 50 قنطارا في الهكتار. ومع أن الفلاحين استفادوا من أزيد من 200 جرار، بالإضافة إلى 50 حصادة و750 من اللواحق، إلا أن العارفين بقطاع الفلاحة من أبناء المنطقة يقولون إن قطار الفلاحة في الولاية لم ينطلق بعد، وينظرون بعين الريب والشك إلى المجموعات الفلاحية المتحكمة في أغلب المساحات، ويقولون إن هؤلاء الفلاحين ليس لديهم استعداد للانخراط في مسعى الدولة الهادف إلى تنمية القطاع والدليل على ذلك هو استعمال الآلات التقليدية كالمحراث سنة 2016. بل يعترف هؤلاء بأن فلاحي المنطقة لا ينتجون ولا كيلوغراما من البطاطا، على اعتبار أن كافة الخضراوات التي تباع في ربوع مناطق الولاية يتم اقتناؤها من الولايات المجاورة كعين الدفلى والشلف وتيبازة ومستغانم والبليدة ومنطقة الرشيقة، رغم وجود سدود لسقي المحاصيل.

ملابسات سد بوغارة
وفي هذا السياق، يتساءل البعض عن سر عدم التفات السلطات المحلية إلى مسألة سد بوغارة الذي تصب فيه المياه القذرة، وهو ما عطل استغلاله في الفلاحة إلى غاية اليوم، رغم بناء محطة لتصفية المياه القذرة، ما يطرح بالتالي تساؤلا أكبر عن جدوى هذه الأراضي إن لم تسهم في تنمية المنطقة بخلق الثروة وتوفير مناصب الشغل. بل إن بعض العارفين بالقطاع لم يستسغ قضية الأراضي الفلاحية بتيسمسيلت المسماة ”سارسو” التي شكلت خلال الحقبة الاستعمارية قاعدة لتموين أوروبا بالحبوب والكروم وتحولت اليوم إلى أراضٍ جرداء بفعل الإهمال واللامبالاة، بينها الأراضي الممتدة من بلدية تاملاحت إلى برج بونعامة على مساحة تزيد على 400 هكتار من الكروم، فيما كانت أراضي بلديات أخرى كبلدية عماري تنتج البقوليات الجافة (العدس والحمص..) ولكنها توقفت في عقد تسعينيات القرن الماضي. تغطي الغابات ما مساحته 71 ألف هكتار من إقليم الولاية، أي تلاقيها غابات ومرتفعات وقمم جبلية، ما يؤهلها لأن تصبح مقصدا سياحيا، ولو أن كافة الخطابات التي أنتجها المسؤولون المتعاقبون على الولاية منذ 1984 تاريخ ارتقائها إلى مصف ولاية، بشأن تطوير السياحة، لم تتجاوز حدود الورق، بديل أنه وإلى غاية اليوم لم يتم تشييد ولو فندق واحد لا في بلدية ثنية الحد التي تنتمي إليها الحظيرة الوطنية للمداد أو في مدينة تيسمسيلت، فلماذا لم تعرف السياحة بهذه الولاية انطلاقة رغم كثرة الخطابات المسوقة
من قبل المسؤولين؟

السياحة مجرد خطاب
يقول مدير السياحة والصناعات التقليدية، السيد سعد خيراني: ”المستثمرون كانوا متخوفين من المناخ الأمني السائد في المنطقة. لدينا مواقع سياحية طبيعية غير مستغلة كما ينبغي، وعلى هذا الأساس قمنا بضبط مخطط التهيئة السياحية وهذا المخطط قسم الولاية إلى 3 أقطاب سياحية، الأول هو ثنية الحد، حيث تتواجد الحظيرة الوطنية للأرز الأطلسي النادرة، يدعمه في ذلك قطب برج الأمير عبد القادر”.

أما القطب السياحي الثاني، يضيف: ”يتمثل في المنابع الحموية لسيدي سليمان الواقعة على بعد 70 كيلومترا إلى شمال مدينة تيسمسيلت ولها خواص علاجية كالروماتيزم، الأمراض الهضمية والجلدية، ولكن بقيت عملية استغلالها تقليدية، لذلك قمنا بدراسة جيوفيزيائية لهذه المنابع وأعطتنا هذه الدراسة توجيهات، وقد فكرنا في كيفية تسويق الدورة السياحية البيئية مع وكالات سياحية”.
أما قطب سيدي سليمان فيقع على سفح جبل الونشريس ويدعمه قطب بلدية بوقايد، ثم قطب تيسمسيلت الحضري الذي سيصبح همزة وصل بين الوسط وغرب البلاد والوسط الشرقي ويحتضن موانئ جافة بعد إنشاء ميناء شرشال، ويدعم ذلك قطب لرجام وكذا باب البكوش، حيث يمكن خلق سياحة ريفية كالمبيت لدى الساكنة.

وعلى هذا الأساس، يقول المتحدث، ”انطلقنا في إنجاز 6 مناطق توسع سياحي، حسب الأقطاب المذكورة، بل وأعطى الوالي أوامر للاستثمار في المجال السياحي بإنجاز فنادق، وتوجد إلى غاية اليوم طلبات للاستثمار في ثنية الحد”. لكن مدير السياحة يريد توجيه دعوة للوكالات السياحية قصد زيارة المنطقة للتعرف على المواقع الموجودة، ويرى أن القطاع قادر على خلق الثروة.
هذه المواقع التي يتحدث عنها مدير السياحة ظلت إلى غاية نهاية ثمانينات القرن الماضي تستقطب إليها كثيرا من العائلات من العاصمة وباقي الولايات الأخرى وحتى أندية رياضية لكرة القدم بغية التنزه والبحث عن الراحة، لكن هذا المقصد لم يعد وجهة مفضلة منذ العشرية السوداء لاعتبارات أمنية وبقي اليوم قبلة لبعض العائلات القادمة من الشلف وعين الدفلى فقط، في وقت مازالت المواقع تفتقر لأدنى وسائل الخدمات، فيما لايزال الطريق الرابط بين ثنية الحد والحظيرة الوطنية للمداد في وضعية كارثية.

وبوسع الزائر لتيسمسيلت أن يكتشف بعدا آخر للسياحة يتمثل في السياحة الدينية، بالنظر لتوفر المنطقة على عدد لا بأس به من الزوايا مثل زاوية سيدي بن ثمرة وأضرحة الأولياء الصالحين، فضلا عن الطقوس الأخرى المتعلقة بالحكايات الشعبية والوعدة ومهرجان الأغنية الشعبية وحلقات المديح والألغاز، ويتساوق ذلك مع خصوصية الإنسان التي تميل إلى التسامح وإكرام الضيف، في وقت تشير مصالح الأمن إلى أن نسبة الإجرام بشكل عام والطلاق ضعيفة جدا.

ولكن الزائر لكافة أنحاء تيسمسيلت لن يعثر إلى غاية اليوم على فندق تتوفر فيه معايير، ومازالت المنطقة تستنجد دائما بولاية تيارت، وهذا يقود إلى طرح تساؤل عن نوعية العمل الذي يقوم به كافة المسؤولين ممن تعاقبوا على الولاية منذ 1984 إلى غاية اليوم، فلا الفلاحة نمت ولا السياحة تطورت بل ولا حتى الصناعة نهضت.

الصناعة مؤجلة إلى إشعار آخر
ففي مجال الصناعة، يشير السيد بلقاسم محمدي، رئيس لجنة التنمية المحلية (التشغيل، التجهيز والاستثمار) بولاية تيسمسيلت، إلى أن منطقة النشاطات في المناطق الثلاث (تيسمسيلت، ثنية الحد، خميستي) مازالت إلى غاية اليوم عبارة عن أراضٍ مقسمة غير مستغلة، على اعتبار أن الاستثمار كان منعدما تماما على مدى المرحلة الممتدة بين 1990 إلى غاية 2011، ولا يوجد اليوم إلا بصيص أمل ضئيل مجسد في مصنع للحليب بخميستي ومصنع آخر للآجر ووحدة لإنتاج البيض، فضلا عن مصنعين في طور الإنجاز واحد لـ«فاميلي شوب” وآخر لعمر بن عمر ووحدة أخرى للأعلاف، وكلهم مستثمرون خواص.

ويقول المسؤول ذاته إن ”منطقة النشاطات في المناطق الثلاث تم تقسيمها على أساس أن المستثمرين سينجزون مشاريع، إلا أنها لم تنجز وخاصة على مدى الفترة الممتدة من التسعينات إلى أواخر 2010 وبد أ بصيص الأمل يظهر مع إثارة المجلس الشعبي الولائي لقضية الاستثمار سنة 2013”. وعلى ضوء ذلك، يضيف، قدمت إعذارات وإنذارات لعدد من الأشخاص تتضمن سبب عدم الإقدام على الاستثمار، وقد نزعت عقارات من أشخاص بعد أن حازوا على جيوب عقارية تم تحويلها إلى ملكيات خاصة، فيما تم رفع دعاوى قضائية ضد آخرين، ومثل هذه الإجراءات طبقت على منطقتي النشاطات لخميستي وثنية الحد.

المواطن لا يثق في مسؤوليه
المخيال الجماعي لمواطني تيسمسيلت ممن التقينا بهم في مقاهٍ وساحات عمومية وفي الشارع، ترسخت فيه قناعة واحدة (تيسمسيلت أفقر ولاية عبر التراب الوطني). هذه القناعة يحملها الكبير والصغير أينما حل، وبقدر ما يكافحون الحياة ببساطتهم وصبرهم يقولون لك إن المسؤولين على اختلاف مستوياتهم منتخبين كانوا أم إداريين، يتحملون جزءا من المسؤولية أمام التاريخ إزاء الوضع السائد، حتى أن بعضهم مازال يحفظ بذاكرته بعض الأحداث التي تشهد على سلبية وضعف مستوى عدد من المنتخبين المحليين. ففي شهر فيفري من سنة 2014 في جلسة عمل للوالي السابق، حسين بسايح، مع المنتخبين والمجتمع المدني لبلديتي تيسمسيلت وثنية الحد، سأل الوالي رئيس المجلس الشعبي البلدي لتيسمسيلت قائلا له: ما هي انشغالاتكم في البلدية؟ رد عليه رئيس المجلس: السيد الوالي ليس لدينا انشغالات. فرد عليه الوالي: أنا سأحل محل المواطن. فسرد عليه آنذاك انشغالات ومشاكل المواطنين. وتكرر السيناريو مع رئيس المجلس الشعبي البلدي لثنية الحد، لدرجة أنه طرد من القاعة، وطلب منه إحضار الانشغالات في ورقة.  هذا الوضع في الحقيقة يطرح أكثر من تساؤل بخصوص ما إذا كان للمسؤولين وعي سياسي وتنموي ورهانات للتطور الاقتصادي والاجتماعي، وهل هؤلاء هم حقا في مستوى الشعار الذي تحرص على تسويقه والترويج له وزارة الداخلية ومفاده أن البلدية هي أساس التنمية؟
وفي سياق ذلك، تقول بعض الأصداء المنعكسة من محيط الولاية إن الوالي الجديد مازال في رحلة البحث عن مسؤولين أكفاء بوسعهم حمل أفكاره لمد الروح في المشاريع التي كانت معطلة ومن ثمة بعث التنمية، وهو الذي لم يتردد منذ مجيئه في تنظيف الجهاز التنفيذي بالولاية عن طريق كسر الجمود وفتح آفاق جديدة للتنمية.

حي الدرب.. سنوات الجمر
ومع ذلك، فإن بعضا من أبناء المدينة مازالوا إلى غاية اليوم يرددون مقولة (إن تيسمسيلت راحت ضحية التقسيم الإداري لسنة 1984)، لأنه لا يعقل أن تكون حدود ولاية تيسمسيلت مع ولاية تيارت على بعد 3 كيلومتر، بل كان ينبغي ألا تكون ولاية لأنها أنشئت فوق أراض خصبة، وحتى إن تقرر تحويلها إلى ولاية كان ينبغي تهيئتها، لأنها اليوم محاطة بأراضٍ زراعية خصبة ولا يمكن لها أن تتوسع في المستقبل على حساب هذا النوع من الأراضي، فيما يشير آخرون إلى أن ولاية تيسمسيلت تشكلت من جيوب الفقر، ومازالت مظاهر هذه الجيوب ماثلة إلى اليوم في حي الدرب المنكوب. في هذا الحي كدنا نتعرض لاعتداء عندما كنا بصدد التقاط صور، ففيه شيد الفارون من جحيم المداهمات والمجازر والحواجز المزيفة في الرمكة بغليزان والبطحية بعين الدفلى وباقي المداشر الأخرى في الشلف والمدية والبلديات 22 للولاية وغيرها، أكواخا وبيوتا من الصفيح واستقروا بها إلى غاية اليوم. الذين عادوا إلى قراهم، استنادا لشهود عيان، يعدون على الأصابع، رغم عملية التشجيع المتمثلة في منح دعم خاص ببناء السكنات الريفية، لأن الأم والأبناء اكتشفوا الحياة الجديدة في المدينة، ولو أن هذا النزوح ألحق اختلالات عميقة ببنية الاقتصاد المحلي، فبعدما كان هؤلاء ينتجون مختلف الخضر والفواكه في الأرياف ويموّنون بها سكان المدينة، تخلى هؤلاء عن المهمة وتحولوا إلى مستهلكين على نحو خلق حتى ندرة في منظومة هذه المواد.   

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول