الحدود البرية للجزائر تتحوّل إلى "مناطق عسكرية"

روبورتاجات
19 فبراير 2016 () - محمد بن أحمد
0 قراءة
+ -

تخضع حدود الجزائر البرية للمراقبة الدقيقة عبر مركز مراقبة بالغ التطور في الجزائر العاصمة، ويعدّ من المواقع الأكثر سرية في قيادة الجيش الوطني الشعبي. ففي غرفة العمليات المركزية لمكافحة الإرهاب، تصل كل المعلومات التي تجمعها أجهزة الأمن والمخابرات المختلفة إلى القاعة، حيث توضع على خريطة تفاعلية ضخمة. وهنا في هذا المكان توجد أدق المعلومات حول نشاط الجماعات الإرهابية التي تهدد الأمن الوطني داخليا وخارجيا.

 لا يمكن الدخول إلى هذا المكان إلا بتصريح أمني صادر عن رئيس الأركان شخصيا، والمكان هو الأكثر سرية في الجزائر، وإليه تصل مئات البرقيات يوميا والصور الجوية التي تلتقطها طائرات المراقبة والتقارير، كلها تشير إلى موضوع واحد هو وضعية مجال مكافحة الإرهاب في الداخل والخارج. وبعد أن تصل المعلومات يتم تحليلها وترفع إلى قيادة أركان الجيش. وتوالت في الأشهر الأخيرة التقارير التي تشير إلى تعاظم تهديد تنظيم الدولة الإسلامية.

 “داعش” على حدودنا!
المعلومات والتقارير تصل غرفة العمليات المركزية لمكافحة الإرهاب (COCT) كل ساعة، بل وأحيانا كل 15 دقيقة، حول وضعية تحركات الجماعات الإرهابية في كل مكان، داخل الجزائر وفي مالي والنيجر وليبيا. يعمل هنا عسكريون خبراء على تجديد المعطيات على خريطة ضخمة. وهذه الخريطة تضم المناطق التي يتواجد ويتحرك فيها المسلحون التابعون للتنظيمات الإرهابية في الدول المجاورة للجزائر.

في الأشهر الأخيرة أكدت كل التقارير أن الإرهابيين في ليبيا يقتربون أكثر فأكثر من الحدود الجزائرية. وقال مصدر أمني إن التهديد الذي يمثله تواجد جماعات موالية لتنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا (داعش) تضاعف بعد سيطرة التنظيم على مناطق قريبة من الجنوب الغربي لليبيا. وقال المصدر ذاته إن الإرهابيين في ليبيا لم يعد يفصلهم عن الحدود الجنوبية الشرقية للجزائر إلا 800 كلم من الأراضي الصحراوية المفتوحة تماما. ويقول مصدرنا إنه مع كل قرية أو مدينة يسيطر عليها تنظيم الدولة “داعش” في ليبيا يتعاظم تهديد هذا التنظيم الإرهابي على الأمن الوطني الجزائري.

وقد كشفت تقارير استخبارات جزائرية أن أقل من 800 كلم فقط تفصل مسلحين تابعين لـ “داعش” عن الحدود الجنوبية الشرقية. وقال مصدر أمني رفيع إن المشكلة في الجزائر تكمن في أن هذه المسافة عبارة عن صحراء مفتوحة يمكن بسهولة شديدة عبورها، كما أن كل هذه الأراضي تكاد تخلو تقريبا من قوات نظامية قادرة على صد أي تقدم للجماعات المسلحة، وقد دفعت الوضعية الجديدة قيادة الجيش لاستنفار القوات البرية والجوية على الحدود مع ليبيا، وتكثيف عمليات الاستطلاع البري والجوي.

الحدود مناطق عسكرية
الأوامر واضحة وصريحة. الإنذار الأول بالتوقف بالنسبة للسيارات أو للأشخاص، ثم طلقة نار تحذيرية، ثم إطلاق النار مباشرة.. هذا هو النظام في الحدود “الملتهبة” للجزائر التي باتت مصدرا حقيقيا للقلق. وباستثناء العدد القليل من المعابر البرية المفتوحة مع تونس، فإن الحدود البرية الجزائرية مع من الكيانات السياسية المجاورة الست، المملكة المغربية والجمهورية الصحراوية وموريتانيا ومالي النيجر وليبيا، هي مناطق عسكرية يحظر التواجد فيها إلا بإذن من السلطات العسكرية.

وكرس القرار الجمهوري القاضي بغلق المعابر البرية الحدودية بين الجزائر وليبيا عقيدة أمنية جديدة لدى السلطات، تقضي بتحويل شأن الحدود البرية للجزائر إلى شأن عسكري أمني لا يخص المدنيين. جاء هذا بعد أن باتت الحدود البرية الوحيدة المفتوحة أمام الجزائريين هي الحدود مع الشقيقة تونس.

وأفاد مصدر أمني بأن تأمين البلاد يأتي في المرتبة الأولى، لهذا تقرّر غلق الحدود البرية مع دول الجوار، وتقرر بناء على قرار غلق الحدود مع ليبيا سحب شرطة الحدود من المعابر البرية الثلاثة، وإعطاء فرصة للعائلات الجزائرية الموجودة في ليبيا لمغادرتها، كما سمح لأسر ليبية تربطها صلة قرابة مع أسر جزائرية بمغادرة التراب الوطني.

غيَّرت قيادة الجيش الوطني الشعبي والقوات التي تعمل تحت قيادتها المباشرة على الحدود، وهي سلاح الدرك وحرس الحدود، قواعدَ الاشتباك على الحدود، حيث تقرر تجهيز هذه القوات بكل اللوازم والمعدات القتالية لمواجهة أي طارئ. وقال مصدر أمني رفيع إن قواعد الاشتباك تتغير باستمرار في الجيوش، ويعني تغيير قواعد الاشتباك أن الجيش على استعداد لإطلاق النار في أي حالة اشتباه على الحدود.

وشملت الإجراءات الأمنية الجديدة التدقيق في كل حالات الدخول الإنسانية عبر الحدود الجزائرية الليبية، خوفا من أية عملية تسلل، وشملت إجراءات الأمن المشددة الجديدة تكثيف عمليات مراقبة عمق الصحراء المتاخمة للحدود الليبية إلى غاية 100 كلم في عمق الأراضي الجزائرية. وقال مصدر أمني إن قيادة الجيش استنفرت أكثر من 50 ألف عسكري ودركي على الحدود مع ليبيا، بعد سيطرة جماعات مسلحة تابعة لـ “داعش” على مدينة سرت. وتقرر في هذا الصدد رفع درجة التأهب إلى أقصى مستوى، وكانت قيادة الجيش الوطني الشعبي قد جهزت في ديسمبر 2014 الحدود الجنوبية الشرقية التي تفصل الجزائر عن الجارة ليبيا بمدافع وأسلحة ثقيلة ودبابات، كما عمدت إلى تحصين مراكز المراقبة المتقدمة لمنع تعرضها لهجمات انتحارية.

تيقنتورين.. الدرس
وعلى امتداد الحدود البرية للجزائر التي يفوق طولها 6 آلاف كلم، تتواجد نقاط مراقبة عسكرية ترتبط كلها بالقيادة، وتصل المعلومات الواردة من هذه النقاط، مع الصور التي تلتقطها طائرات المراقبة والتقارير السرية التي تحصل عليها المخابرات من مصادرها، إلى القيادة التي تقوم بتقييم الموقف الأمني على الحدود، في تقرير يومي يصل إلى السلطات المعنية مباشرة.

وأهم درس تعلمته القيادة العسكرية بعد عملية تيقنتورين قبل 3 سنوات، هو أن الحدود يجب أن تخضع للمراقبة على مدار الساعة. القلق في الجزائر لا يتعلق فقط بتنظيم “داعش” في ليبيا، فالجماعات الإرهابية في شمال مالي باتت اليوم مصدرا للقلق الحقيقي في الجزائر، تحذيرات أجهزة الأمن أشارت إلى احتمال وقوع عملية تسلل كبيرة عبر الحدود البرية التي تربط الجزائر مع مالي والنيجر. وبالرغم من الإجراءات الأمنية المشددة التي تفرضها وزارة الدفاع لتأمين الحدود، فإن المخاطر ما زالت قائمة.

وكشف مصدر أمني أن الجيش وضع خططا للتدخل السريع لمواجهة أي عمليات تسلل والتعامل معها في زمن قياسي، وفي نفس الوقت تعمل وحدات مختلطة من الجيش والدرك وباقي فروع القوات العسكرية على مدار الساعة لتأمين الحدود الطويلة للجزائر.

هذه الفروع هي قيادة القوات البرية، ثم قيادة القوات الجوية، ثم مديرية أمن الجيش، ثم قيادة الدرك وقيادة سلاح حرس الحدود.

وتضمنت خطة تأمين الحدود التي وضعتها قيادة هيئة أركان الجيش وصادق عليها وزير الدفاع الرئيس بوتفليقة في فيفري 2013، بناء على الدروس التي تعلمتها القيادة العسكرية بعد عملية عين أمناس أو تيقنتورين الإرهابية، تضمنت تقسيم الحدود البرية للجزائر حسب قيادات النواحي العسكرية التي تقع الحدود ضمن نطاق اختصاصها الإقليمي، ويعمل خبراء من الجيش على مراقبة التحركات على الحدود بناء على تقارير تأتي على مدار الساعة من قيادات وحدات القوات البرية الموجودة على الحدود والصور والتقارير التي ترسلها طائرات المراقبة التابعة للقوات الجوية، بالإضافة إلى دوريات الدرك والجيش وحرس الحدود التي تراقب الحدود بواسطة الدوريات البرية، وقبل هذا تحصل قيادات النواحي العسكرية على تقارير يومية من قيادات أمن الجيش التي تعمل على جمع المعلومات حول الجماعات الإرهابية وشبكات التهريب من مختلف المصادر.

وبهذا تتضمن مخططات تأمين الحدود البرية للجزائر 3 أنظمة مراقبة برية وجوية واستخباراتية، كما تتعاون 5 فروع مع القوات المسلحة في عملية تأمين وحراسة الحدود. وقد سمح تعاون كل هذه الفروع وتنسيقها في غرف العمليات التابعة لقيادات النواحي العسكرية بتقليل حالات التسلل عبر الحدود البرية للجزائر، وقال مصدر أمني جزائري إن الحدود مع ليبيا التي يمتد طولها على نحو 1000 كلم هي مصدر القلق الرئيسي لقيادة الجيش، لكن باقي الحدود مع النيجر ومالي وتونس وموريتانيا تبقى خطيرة أيضا.

وتخضع الحدود البرية للجزائر للمراقبة الجوية عن طريق طائرات مراقبة وطائرات عمودية بعضها مجهز بمعدات الرؤية الليلية، كما أقام الجيش في السنوات الماضية عشرات النقاط المتقدمة للمراقبة في الحدود مع دول الجوار الست في مواقع تسمح له بمراقبة مساحات واسعة من الحدود، كما أقام تحصينات على الحدود مع ليبيا، كل هذه الإجراءات جاءت للتغلب على المساحات الشاسعة التي فرضت الظروفُ على الجيش التواجدَ فيها، ومنع أو تقليل عمليات التسلل غير القانونية.

تعزيز قدرات الجيش للتدخل السريع في الأزمات الأمنية والإنسانية
 وكان نائب وزير الدفاع الوطني رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي أحمد قايد صالح، حسب مصدر عليم، أمر في ديسمبر 2015 بتعزيز قدرات الجيش الوطني الشعبي على التدخل ونقل قوات كبيرة إلى المناطق التي تتعرض للاعتداء أو تحتاج لتدخل القوات المسلحة.

وقررت قيادة الجيش الوطني الشعبي تنظيم عمليات التدخل السريع في حالات الطوارئ الأمنية، مثل الهجمات الإرهابية والكوارث الإنسانية الطبيعية والصناعية، وشددت تعليمة صادرة عن قيادة الجيش الوطني الشعبي على وضع مخططات للطوارئ تسمح بالتدخل السريع ونقل قوات كبيرة للمواقع التي تتعرض للتهديد الإرهابي أو حوادث تحتاج لتدخل القوات المسلحة أو للمساعدة مثل الكوارث الطبيعية والإنسانية، ووضعت التعليمة أسطولَ النقل الجوي العسكري التابع للقوات الجوية ووسائل النقل البحري التابعة للقوات البحرية، تحت تصرف الحكومة في حالات الكوارث الطبيعية أو الصناعية لنقل وحدات الحماية المدنية والفرق الطبية والتجهيزات والمساعدات الإنسانية إلى المناطق التي تتعرض للكوارث أو التهديد، وقال مصدر أمني رفيع إن التعليمة جاءت لتنظيم عمليات التدخل ومساعدة السلطات المدنية في حالات الطوارئ من قبل الجيش الوطني الشعبي الذي تدخل في أكثر من مناسبة لمساعدة المدنيين، في زلازل الشلف وبومرداس، وفي كارثة فيضانات غرداية، وأثناء تعرض مناطق نائية لحصار الثلوج، ووضعت التعليمات نظاما للتنسيق بين وزارة الداخلية ومصالحها المتخصصة في تسيير الكوارث الكبرى والأمن الوطني والحماية المدنية ووزارة النقل التي تتكفل بتسيير المطارات وقيادة الجيش الوطني الشعبي، ويشمل التنظيم الجديد تسهيل عملية نقل فرق التدخل السريع التابعة للدرك الوطني لضبط الأمن في بعض المناطق التي تعاني من اضطرابات.

وقال مصدر عليم إن عملية تقييم قامت بها هيئة أركان الجيش الوطني الشعبي قبل 3 سنوات لعميلة تيقنتورين الإرهابية، أكدت أن سرعة نقل قوات بالجو وتدفق قوات جاهزة للقتال إلى موقع العملية حسمت معركة تيقنتورين لصالح الجيش الوطني الشعبي، ومنعت تفاقم الوضع في مصنع الغاز قبل 3 سنوات، وأشار مصدرنا إلى أن الفريق أول أحمد قايد صالح شدد في التعليمة التي تنظم عمليات التدخل في الحالات الطارئة قبل أسابيع قليلة، شدد على رفع فاعلية عمليات نقل القوات والتجهيزات إلى المناطق التي تتعرض للتهديد، وركز نائب وزير الدفاع أثناء زيارة التفقد للجبهة الشرقية أو الحدود بين الجزائر وليبيا على ضرورة التدخل السريع لقوات الجيش الوطني في الحالات الطارئة على المستويين المحلي في النواحي العسكرية والقطاعات العملياتية وعلى المستوى المركزي.

وتمتلك الجزائر أسطولا مهما من طائرات النقل الكبيرة والمتوسطة التي ساهمت في مكافحة الإرهاب، وفي مهام إنسانية داخليا وخارجيا.


شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول