فيضان وديان التهريب يثير"شبهة" التواطؤ المحلي

روبورتاجات
19 فبراير 2016 () - الطارف: أونيس ملوك
0 قراءة
+ -

بعد فشل كل الإجراءات الوطنية والمحلية وتشديدها لمحاربة تهريب الوقود عبر الحدود لاسيما الشرقية، والتي استفحلت في العشرية الأخيرة إلى نزيف اقتصادي تضاهي قيمته المالية ما يفوق ميزانية سنة برامج تنموية في ولاية مثل الطارف، جاءت مع بداية هذه السنة الضربة القاضية لوقف هذا النزيف الإجرامي الحدودي، إثر تدخل البلدين الجزائر وتونس بإقرار رفع سعر الوقود
في الأولى مصدر التهريب، وتخفيض سعره في الثانية المستقبلة لشحنات التهريب.

 6 آلاف سيارة وشاحنة من قروض “أنساج” و“كناك” و“أنجام” في جسر التهريب

 مع الأسبوع الأول من هذه السنة، خلت محطات توزيع الوقود من قوافل السيارات النفعية والشاحنات التي كانت “تستعمر” المكان في نشاطها اليومي المكثف لتهريب الوقود بمختلف أنواعه. ونفس الأمر بالنسبة للسيارات التونسية، وهو ما أكده بعض أصحاب هذه المحطات الخدماتية للقطاعين العام والخاص بالطارف في اتصال مع “الخبر”، وأشاروا إلى أن الزيادة والنقصان المطبقتين في أسعارها بداية السنة الجديدة جاءتا نتيجة اتفاق مبرم بين البلدين للقضاء على تهريبها نهائيا، بعد تعادل سعرها بالبلدين من حيث قيمة صرف العملة، ولأن المازوت أكثر تهريبا حسب توضيح أصحاب محطات التوزيع، فقد طالته زيادة بـ5 دينار جزائري، وتخفيض سعره في تونس بـ50 مليم ما يعادل قرابة 5 دينار جزائري. كما تجلت هذه الإجراءات الأخيرة ميدانيا في غياب كلي لترسانة السيارات النفعية والشاحنات التي كانت مسخرة بأكثر من 7 آلاف مركبة لنشاط هذا التهريب الحدودي للوقود، حسب إحصائية رسمية سابقة للمصالح الأمنية المكلفة بمكافحة التهريب، وأضحت المحطات والطرقات والمسالك باتجاه الحدود خالية نهائيا من حركة جسر التهريب. وحسب الخبراء المتابعين للتعاون الجزائري، فإن الإجراءات المتخذة بداية هذه السنة في البلدين الشقيقين من أجل تقريب أسعار الوقود في كليهما من حيث صرف العملة كانت نتيجة اتفاقيات ثنائية في المجال الطاقوي، ما شكل الضربة القاضية على نشاط التهريب، بعد فشل كل القرارات الحدودية التي اتخذتها الولايات الشرقية الحدودية في مكافحته، وفشل إجراءات تشديدها مركزيا أمام قوة بارونات هذا النشاط ونفوذهم واتساع نطاق التواطؤ والتستر على هذا النزيف الاقتصادي.تبقى الحدود مع الجارة تونس بإقليم ولاية الطارف شبه مغلقة المنافذ، عدا الرسمية منها (معبري العيون وأم الطبول)، فوحدات الجيش الوطني الشعبي التي تحمي الحدود متقاربة جدا في انتشارها، والمساحات التي بينها مكشوفة للعيان، تضاف إليها المراكز الثابتة والدوريات المتحركة لوحدات حرس الحدود، وأخرى متنقلة للجمارك الجزائرية.

وعلى شبكة الطرق والمسالك المتاخمة للحزام الحدودي وقراها ودواويرها ومشاتيها المعزولة بالمنطقة، تتحرك دوريات أخرى للدرك الوطني والشرطة القضائية المتنقلة. وحسب الحصائل الأمنية الأسبوعية المسجلة بهذه المناطق، وبالتحديد في الغابات والوديان والأحراش وبعض المسالك الضيقة بين المنحدرات، تكتشف الوحدات الأمنية الحامية للحزام الحدودي دلاء الوقود ووسائل نقلها من الحمير، في غياب المهربين، ما يؤكد التكالب على تهريب المازوت والبنزين بحكم مداخيله اليومية المغرية، وتتضح ضخامة الكميات المهربة يوميا على شبكة طرقات الضفة التونسية وقراها، حيث تنتشر على طول هذه الطرقات عروض بيعها علانية في الدلاء من مختلف الأحجام والقياسات، بأضعاف سعرها بالدينار الجزائري.

ومن جهتها فإن الحصيلة الأسبوعية لقيادة المجموعة الإقليمية وخلية الاتصال بأمن ولاية الطارف ومصالح الجمارك الجزائرية، تكشف في إجمالها معالجة ما لا يقل عن 100 قضية في الأسبوع لحجز ما يفوق 50 ألف لتر أسبوعيا، ثلثها من البنزين وباقيها من المازوت الأكثر في عمليات التهريب، وتسجل القضايا “ضد مجهول”، عدا ما تعلق منها بمداهمة بعض المناطق المشبوهة بالتجميع والتخزين.

وبعملية بسيطة فإن إجمالي معدل المحجوزات خلال السداسي الثاني من السنة الفارطة، وفي أكثر من 500 قضية معالجة، تم حجز قرابة 300 ألف لتر من الوقود (مازوت وبنزين) وأكثر من 200 رأس من الحمير، إضافة إلى 3 آلاف دلو من مختلف الأحجام، وبالتالي فإن القيمة السنوية لهذا النزيف الاقتصادي بالنسبة للمحجوزات فاقت حسب تقديرات المصالح الأمينة ما تحصلت عليه الولاية من برامج عادية واستعجالية من البحبوحة المالية لسنتي 2013 و2014، بغض النظر عن الكميات التي هربت إلى الجارة تونس.

وتظهر فظاعة التهريب جليا وفي وضح النهار وأمام مرأى الجميع بمواقع انطلاقها من محطات توزيع الوقود التي تستعمرها يوميا طوابير طويلة وعريضة من السيارات النفعية، وما تشكله من ضغط في محطات التوزيع، وما تخلفه من أزمة للوقود انعكست سلبا على جميع المجالات التنموية والاجتماعية بكل مناطق ولاية الطارف. وحسب إحصائية رسمية سابقة للدرك، فإن زهاء 6 آلاف سيارة نفعية وشاحنة صغيرة، أغلبها من قروض وكالات التشغيل “أنساج” و “كناك” و “أنجام”، تنشط في تهريب الوقود، يديرها قرابة 18 ألف شخص، وقد أضحت وظيفة يومية. وعلى مشارف الحدود تتراءى للعيان قوافل هذه السيارات والشاحنات الصغيرة تتحرك في مجموعات على شبكة الطرق الحدودية، مشكلة وراء بعضها البعض ما يشبه القطار باتجاه الحزام الحدودي حيث تتواجد مواقع لتجميعها وتخزينها وتهيئة نقلها بواسطة الدلاء على ظهر الحمير، ومنها باتجاه التراب التونسي.

وكانت السلطات الولائية، وفي إطار تشديد عمليات مكافحة التهريب الحدودي، قد أصدرت قرارا قبل 3 سنوات يقضي بوضع ترتيبات عملية ردعية مشددة على التزود بالوقود ونقله، وتسقيف كمية التموين لوسائل النقل، ووضعت سجلات توثيق على مستوى محطات التوزيع، غير أن القرار نجح في عمليات ردعية محدودة، ومنها منع 250 سيارة تونسية من الدخول للتراب الجزائري بحكم أن السجلات بينت تكرار تزودها بالوقود، وحُول أكثر من 100 شخص من سكان الولاية على العدالة لذات الأسباب، واستفادوا من براءة جرم التكرار اليومي في التزود بالوقود، كما فشل القرار في تطبيق المداهمة على بعض المناطق المتاخمة للحدود المشبوهة بالتجميع والتخزين، بعد المناوشات التي اندلعت مع سكان التجمعات الريفية الحدودية المستهدفة، وأضحت عمليات الردع ضعيفة التنفيذ لعوائق اجتماعية مع سكان المنطقة، ما جعل قوافل السيارات النفعية والشاحنات الصغيرة المستعملة في التهريب تتحرك بسهولة دون مانع، انطلاقا من تموينها بمحطات التوزيع، وتعدادها 24 محطة بالولاية منها 4 وحدات لمؤسسة نفطال والبقية للقطاع الخاص.

وعن هذه الظاهرة وما تشكله من نزيف اقتصادي، يعتبرها منتخبو البلديات الحدودية بديلا عن البطالة المتفشية بنسبة فاقت 40%، أمام غياب البرامج التنموية الريفية وغياب سوق اقتصادية بالولاية تمتص اليد العاملة العاطلة، وفئة الشباب عازفة عن الإقبال على برامج التجديد الريفي في النشاطات الفلاحية الجبلية وتربية الماشية والنحل وغرس الأشجار المثمرة وتلقيم الزيتون البري، ويرى شباب المنطقة أن مداخيل هذه البرامج شحيحة لا تسمن ولا تغني عن جوع مقابل الربح السريع في تهريب الوقود.

وفي هذا السياق يكشف بعض من نشط في التهريب الحدودي بأن المدخول الشهري لا يقل عن أجرة برلماني بـ30 مليون سنتيم، بعد أن تخصم من إجماله الشهري نسبة 10 إلى 20% لفائدة أطراف متواطئة وأخرى لوجستية تحمي وتتستر على عمليات التهريب عبر مساره وطوفان وديانه، من نقطة الانطلاق بمحطات توزيع الوقود إلى أقصى نقطة حدودية، حيث يتم نقلها على الحمير باتجاه التراب التونسي.

وتوازيا مع مسار تهريب الوقود إلى تونس، يعاكسه مسار ثانٍ أكثر خطورة، وإن كان أقل حدة في محجوزاته، يتعلق بنشاط تهريب ذخيرة سلاح الصيد والمسدسات الآلية التي كانت هي الأخرى ضمن محجوزات مختلف المصالح الأمنية المعنية بحماية ومراقبة الحزام الحدودي، الأمر الذي يثير تخوفات ذات المصالح الأمنية وقادة وحدات الجيش المرابطة بالحدود من أن تحترف جماعات التهريب نشاط تبادل الوقود بالسلاح، وخاصة منه المتسرب من الحدود الليبية عبر الجماعات الإرهابية التي تنشط وتستوطن غابات الشريط الحدودي في الضفة التونسية.

وفي مسح أمني للرواق الحدودي، فإن من المواقع الحدودية السوداء المصنفة بمنافذ التهريب والمدعمة بشبهة التواطؤ المحلي واللوجستي من سكان الأرياف الحدودية والمقابلة مباشرة والقريبة من سكان مشاتي الضفة التونسية، وهي محيط 15 دوارا لصيقا بالحزام الرسمي للحدود. ويتعلق الأمر بريحانة، مجودة، عين الكبير، بني سعيدان ببلدية بوقوس، حمام سيدي طراد ببلدية الزيتونة، سليانة والعناب ببلدية بوحجار، الهناشير، السطاطير، السخيرة والبير ببلدية عين الكرمة، وادي الحوت ببلدية رمل السوق، خنقة عون ببلدية عين العسل، وكل الحزام الغابي الحدودي ببلديتي العيون وأم الطبول.

وفي ظل تنامي عمليات التهريب والتكالب على هذا النشاط اليومي الذي لم يعد بحوزة عصابات التهريب الحدودي، بل توسع وتحول إلى وظيفة يومية لدى سكان بلديات الشريط الحدودي وبلديات رواقها الجواري، فإن أطراف التواطؤ التي يتداولها الجميع دون البوح بهويتها بما فيها أطراف من الأجهزة الرسمية تبقى بعيدة عن عيون مراقبة وحماية الحدود، فالسلطات تتهم سكان الحدود بوظيفة اللوجستية خدمة لفائدة عصابات التهريب، والسكان بدورهم يتهمون أطرافا في الأسلاك الرسمية بالتواطؤ مع شباب المنطقة من أصحاب السيارات النفعية والشاحنات وكل وسائل نقل تهريب الوقود، واللعبة متواصلة طالما أن الجميع يستفيد، وطالما الكل يغمض عينا ويفتح أخرى بحذر.!

وفي الضفة التونسية، تقول مصادر على علاقة بهذا النشاط الحدودي المهدور إن الوقود الجزائري المهرب تستقبله ترسانة من وسائل النقل، تتمثل في آلاف الرؤوس من الحمير، وهي التي تتعدى جسور قطع وعبور المنافذ الحدودية ذهابا وإيابا، وفي المحطة الثانية ترسانة من السيارات النفعية والشاحنات تعدادها هي الأخرى بالآلاف، تنقل الكميات المهربة إلى المناطق العمرانية المتاخمة للحدود. وعلى طول الخط التونسي تتحرك قوافل نقل بحرية مطلقة أمام حراس الحدود التونسية وبقية أجهزتها الأمنية، طالما أن هذا النشاط يستفيد منه الاقتصاد التونسي كبديل عن غياب البرامج التنموية والاجتماعية في مناطق الضفة الحدودية التونسية.


شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول