تائهون في الصحراء في انتظـــار العــــودة إلى الوطــــن

روبورتاجات
25 مارس 2016 () - مخيمات اللاجئين الصحراويين بتندوف: مبعوث "الخبر" مصطفى دالع
0 قراءة
+ -

يتساءل العديد ممن يزورون مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف لأول مرة، عن المكان الذي سيقضون فيه أيامهم ولياليهم هناك، هل هو فندق صغير أو إقامة مخصصة للضيوف؟ أم خيم معدة للزائرين والأجانب؟ لكن في الواقع.. لا هذا ولا ذاك.

 بمجرد وصولنا إلى مطار تندوف في أقصى الحدود الغربية الجنوبية للجزائر في طائرة نقل عسكرية، توجهنا ليلا عبر الحافلات إلى مخيم السمارة الذي يبعد عشرات الكيلومترات عن المطار، وكان في استقبالنا في مقر دائرة مخيم السمارة مجموعة من ربات العائلات، حيث تم توجيه كل مجموعة من 6 أفراد للإقامة لدى عائلة صحراوية.

عائلات صحراوية تفتح خيمها كفنادق للزائرين
 لم يكن هناك لا فندق بسيط، مثلما هو الحال في دارفور بالسودان مثلا، وليس هناك إقامات خاصة بالضيوف الأجانب، بل بيوت من الطوب، وخيم من القماش السميك، وتخصص قاعة فسيحة لمبيت الضيوف طوال إقامتهم في المخيم، أحد الجزائريين الذي زار المخيمات لأول مرة تفاجأ بأن اللاجئين يقيمون في بيوت من الطوب، وقال “كنت أعتقد أن جميع اللاجئين يعيشون في خيم”.
وخلال فترة إقامتنا، كانت عائلة السيدة سلم بوها تتكفل بكل متطلباتنا، من طعام وأفرشة، وكذلك إعداد الشاي على الجمر، والذي يعد من العادات الغذائية “المقدسة” لدى الصحراويين، ويتفنن الصحراويون في إعداده رجالا ونساء، ويجدون في ذلك سلوى ومتعة للتسامر والحديث والاجتماع حوله، كما أنه أحد أشكال إكرام الضيف لديهم، “هو بمثابة القهوة لدى أهل الشمال”، على حد قول أحد الصحراويين.

ومن أشكال كرم اللاجئين الصحراويين أنهم يحرصون على أن يقدموا لضيوفهم أفضل ما لديهم من طعام وأشهى المأكولات، من عسل طبيعي ولحم جمل وكسكس بالزبيب، حتى تحسبهم أغنياء، إلى درجة أن هناك من يبيت جائعا وضيفه يأكل الدجاج، وكنت أعتقد أن جبهة البوليساريو تقدم لهم مبالغ مالية أو إعانات غذائية مقابل استضافة الضيوف الأجانب، ولكن أكثر من عائلة صحراوية أكدت لنا أنهم لا يتلقون سوى مساعدات رمزية لا تتجاوز أحيانا 2000 دينار جزائري، وأحيانا إعانات غذائية مثل 2 كلغ سكر!
سألت أحد الصحراويين ويدعى الحافظ الذي استضافنا في خيمته بمخيم الداخلة للاجئين عن سر كل هذا الكرم الصحراوي مقابل إعانات بسيطة تقدم لهم لا تكفيهم حتى لإطعام أطفالهم أسبوعا، فما بالك باستضافة 6 ضيوف أسبوعا كاملا، فأوضح أن السر يكمن في الإعانات التي يقدمها لهم الضيوف أنفسهم، سواء أكانوا جزائريين أو إسبان أو غيرهم، فالبعض يشتري لهم تلفازا وآخر يشتري لهم مُولِّدا كهربائيا، وآخر ألواحا شمسية لتوليد الطاقة، كما أنهم عند إرسالهم لأطفالهم إلى إسبانيا لقضاء عطلهم لدى عائلات إسبانية، فإن هذه العائلات تمنحهم عند عودتهم ما بين 100 و200 أورو، وهي مبالغ محترمة بالنسبة للاجئين خاصة عند تحويلها إلى الدينار الجزائري.

تلاميذ صحراويون يقضون عطلهم لدى عائلات إسبانية
في مخيم السمارة التقينا بالطفل الصحراوي سعيد الذي قضى عطلته الصيفية في الموسم الدراسي الماضي بإسبانيا، وأخبرنا أنه مكث شهرين لدى عائلة إسبانية تكفلت بجميع مصاريف النقل والإقامة، فضلا عن جولات سياحية والسباحة..
وأوضحت لنا والدته سلّم بوها أن هناك برنامجا ترعاه الحكومة الصحراوية، بالتنسيق مع منظمات إسبانية، من أجل استقبال العائلات الإسبانية للتلاميذ الصحراويين الذين يتجاوز سنهم 10 سنوات خلال العطلة الصيفية، وتتكفل كل عائلة إسبانية بتكاليف النقل والإقامة لكل طفل صحراوي.

وخلال هذه الفترة يمكن للطفل الصحراوي أن يتعلم اللغة الإسبانية بطلاقة منذ الصغر، حيث وجدنا أن اللغة الإسبانية هي اللغة الأجنبية الأولى المتداولة بين الصحراويين، تليها اللغة الإنجليزية، لكنك لا تكاد تجد بينهم من يعرف اللغة الفرنسية، أما اللغة الرسمية فهي العربية بطبيعة الحال، لكن اللهجة الحسانية هي الأكثر تداولا بين الصحراويين، وهي لهجة محلية منتشرة أيضا في موريتانيا، وتعتبر خليطا بين كلمات ذات أصول عربية وكلمات إسبانية وأخرى أمازيغية على حد قول بعض الصحراويين، ولكن أزيد من 70% من كلمات الحسانية ذات أصول عربية.

وأخبرني أحد الصحراويين أن المخيمات خلال العطلة الصيفية تكاد تكون خالية من الأطفال فوق 10 سنوات، إذ إن معظمهم يذهبون لقضاء العطلة في إسبانيا، وسألت أم سعيد إن كانت تخشى على ابنها من أن يتم تنصيره أو التأثير على تربيته وتكوينه الاجتماعي عندما يقيم لوحده وسط بيئة مختلفة تماما عن بيئتهم الصحراوية المحافظة، فردت بأنهم يبقون على اتصال بأبنائهم عبر الهاتف، ويوصونهم بالمحافظة على الصلاة، كما أن مدة شهرين في إسبانيا لا يمكنها أن تغير في ديانة الطفل وعاداته وتقاليده.

وخلال إقامتنا في بيت أم سعيد، جاءت ممرضة إسبانية من ولاية أوستريا شمال إسبانيا كانت تستضيف سعيد في بيتها، وأخبرتنا أنها جاءت إلى مخيمات الصحراويين كمتطوعة لعلاج الصحراويين، وأشارت إلى أن ولاية أوستريا التي تقيم بها هي المنطقة الوحيدة التي لم يدخلها الفاتحون المسلمون بسبب تضاريسها الجبلية الصعبة.

وقبل مغادرتنا لبيت سلم بوها، جاءتنا هذه الأخيرة فرحة جدا، وقصت لنا بفخر ما حدث أمس، وأرتنا ابنتها المالحة فيديو في هاتفها النقال يظهر الممرضة الإسبانية وهي تقلد حركات الطفل سعيد وهو يؤدي الصلاة، وأخبرتنا سلم بوها أن ابنها دعا الممرضة الإسبانية إلى الصلاة، فقامت ولبست لباسا صحراويا تقليديا يستر حتى الرأس، وكانت تقلد حركات الطفل سعيد وهو يصلي، وقبل مغادرتنا قامت الإسبانية بلبس الملاءة وأدت حركات الصلاة رفقة الطفل سعيد، دون أن تنطق الشهادتين، وكانت والدته في غاية الفخر والفرح بولدها.

مشاكل إعادة إعمار ما دمرته السيول
خلال تجولنا في مخيم السمارة، لاحظنا عدة منازل مهدمة كليا أو جزئيا، وأخبرنا أهلها أن هذه الأكواخ الطوبية أو الخيم لم تحتمل الأمطار التي هطلت في شهر أكتوبر الفائت على مدى 15 يوما دون انقطاع، وأرتنا سلم بوها إلى بعض جوانب بيتها التي غمرتها الأمطار والأوحال، وقالت لنا “يومها وصلت المياه داخل البيت إلى الركب، ما اضطرنا للمبيت في خيمة صغيرة مجتمعين حتى لا تنهار علينا أسوار المنزل”.

غير أن مأساة مخيم السمارة لا تكاد تُقارن مع مخيم الداخلة الذي يبعد عنه بنحو 170 كلم، حيث أكد لنا أحد سكان المخيم ويدعى الحافظ أن معظم البيوت الطوبية انهارت بسبب تواصل سقوط الأمطار على مدى 15 يوما، ونفى أن يكون سبب ذلك غزارة الأمطار، بل أرجعه إلى طول مدة هطول المطر، ما جعل الأسوار الطوبية تتشبع بالمياة وتنهار.

وذكرني هذا الأمر باستعمال الجيش المصري مياه البحر لإغراق أنفاق قطاع غزة عبر أنابيب ضخمة مثقوبة في أسفلها، ما يجعل التربة تتشبع بالمياه فتفقد تماسكها فتنهار الأنفاق. وأخبرنا الحافظ أن المأساة كانت كبيرة، وأنهم لم يسبق أن واجهوا كارثة طبيعية بهذا الحجم، غير أنه أكد لنا عدم وقوع قتلى جراء انهيار الأكواخ الطوبية، وكشف لنا أن ما من كوخ طوبي إلا ولدى أصحابه خيمة، لذلك لجأ الصحراويون إلى الخيم، ما أنقذ حياة الكثير منهم.

ويذكر الحافظ الذي يعمل ممرضا في المخيم أن الجزائريين كانوا أول من قدم لهم يد المساعدة عندما وقعت الكارثة الإنسانية، وأن فرق الحماية المدنية وقيادة الجيش الجزائري في ناحية تندوف تدخلت على أعلى مستوى، وقامت جرافات الجيش الجزائري بإزاحة الردم الذي خلفه انهيار الأكواخ الطوبية، كما وعد قائد الناحية العسكرية الثالثة سعيد شنقريحة بتشييد بناية خلال شهر لتسهيل عقد مؤتمر جبهة البوليساريو والاحتفال بالذكرى 40 لإعلان الجمهورية الصحراوية، وتم إنجاز هذه البناية الرسمية في ظرف 20 يوما فقط.

وزارت “الخبر” قاعة “الأخوة الجزائرية الصحراوية” التي تتمثل في قاعتين: الأولى لاستقبال الوفود الرسمية والثانية فسيحة خصصت لإطعام هذه الوفود، والشيء المميز فيها أن الكهرباء متوفرة 24/24 ساعة بفضل المحولات الكهربائية الحرارية، بينما أغلب الأكواخ والخيم تعتمد على الطاقة الشمسية.

سألت الحافظ عما يُلجئهم إلى بناء الأكواخ الطوبية الهشة بدل البيوت الإسمنتية، فأرجع ذلك إلى غلاء أسعار مواد البناء وفقر اللاجئين، وأعطاني مثالا أن حبة آجر تكلفهم نحو 70 دينارا جزائريا، لكن طوبة واحدة لا تكلفهم سوى 13 دينارا، ويمكنك أن تبني كوخا بنحو 50 مليون سنتيم فقط، لكن بيتا إسمنتيا سيكلفك أضعاف هذا المبلغ.

وأشار الحافظ إلى أن “تلبيس” الأكواخ الطوبية بالإسمنت يجعلها أكثر مقاومة للأمطار الطوفانية، مشيرا إلى الحمامات الصغيرة التابعة لكل خيمة، والتي استخدمت فيها هذه التقنية وقاومت الأمطار، عكس الأكواخ الطوبية التي انهارت بعدما تشبعت بالمياه.

رحلة البحث عن الإنترنت و “الكهرباء الشمسية”
تعتمد مخيمات اللاجئين بشكل شبه كلي على الطاقة الشمسية في إنارة البيوت الطوبية والخيم، وكذا شحن بطاريات الهاتف، وأينما وليت وجهك تجد الألواح الشمسية مقابل كل بيت وخيمة، هنا الطاقة النظيفة تنير آلاف الخيم، لكن مكره آخاك لا بطل، فالضرورة هي التي أجبرت اللاجئين إلى خيار الطاقة الشمسية بدل الطاقة الحرارية المعروفة، فأغلب العائلات تعتمد على مولدات كهربائية صغيرة، وبالتالي فهي لا تكفي سوى لإنارة الخيمة وربما شحن الهواتف النقالة صباحا. أما في الليل بعدما تغرب الشمس أو في الأيام المغيمة، يصبح من الصعب حتى شحن الهواتف النقالة، فالألواح الشمسية لا تشتغل، ويبقى الاعتماد فقط على ما ادخره المولد الكهربائي من طاقة قد لا تكفي سوى لإنارة الخيمة، وفي إحدى المرات وجدت صعوبة في شحن جهاز الحاسوب المحمول، لأن مولد العائلة التي أقمت لديها كان صغيرا، وتطلب الأمر أحيانا للجوء إلى مولد سيارة لشحن الحاسوب، وأمضينا خلال أسبوع رحلة البحث عن مكابس الكهرباء وذبذبات الويفي والإنترنت، سواء في قاعة الملاكمة أو مبنى الإذاعة والتلفزيون الصحراويين، أو حتى قاعة التشريفات الخاصة بمنظمي الماراطون وغالبيتهم من الإسبان، وقاعة الهلال الأحمر الصحراوي، حتى نتمكن من شحن بطاريات الحاسوب المحمول والهاتف النقال، وإرسال مقالاتنا مرفقة بالصورة إلى مقر الجريدة في الجزائر.

لكن لاحظنا أعمدة كهربائية منصوبة في مخيم الداخلة، وأخبرنا أحد سكان المخيم أنه شرع في تنصيب شبكة للكهرباء بالمخيم لإيصالها إلى خيم اللاجئين، لكنه رغم سعادته بهذا المشروع أعرب عن تخوفه من ربط الخيم بالكهرباء (الحرارية) لأنها قد تؤدي إلى إحراقها، معتبرا أن الكهرباء الشمسية أكثر أمانا، إلى غاية تمكنهم من إعادة بناء أكواخ جديدة من الطوب حتى يمكن ربطها بخيوط الكهرباء.

تجار مخدرات وضباط مغربيون يهربون صحراويين مقابل المال
في إحدى الخيم الصحراوية، تعرفنا على طالب صحراوي كان يدرس في جامعة مغربية بالرباط، ولكنه فر إلى مخيمات اللاجئين بتندوف الجزائرية بعد أن وضعه الأمن المغربي في قائمة المبحوث عنهم، وحاول اعتقاله بتهمة التظاهر في الجامعة للمطالبة باستقلال الصحراء الغربية.

وروى لنا هذا الطالب الصحراوي الذي يُدعى بوسحاب ويقيم في مدينة العيون المحتلة كيف نجا من الأمن المغربي، عندما نظم مع طلبة صحراويين في الجامعات المغربية بالرباط مظاهرة داخل الحرم الجامعي للمطالبة بحق شعبهم في تقرير المصير، وأضاف “كنا نعلم بأن الأمن المغربي سيأتي ليلا كعادته لاعتقالنا في الحي الجامعي، فلم نقض ليلتنا هناك”، وتابع “عندما علمنا أننا صرنا مبحوثا عنا، قررنا الفرار رغم أنه لم يبق عن تخرجنا سوى أسابيع معدودة”.

وحول كيفية هروبه مع اثنين من زملائه الصحراويين من الرباط إلى مخيمات الصحراويين في تندوف، كشف لنا أنهم لجئوا لمهربي المخدرات المغربيين الذين لهم نفوذ في المغرب، وقدموا لهم مبلغا بالدرهم المغربي يقدر بـ4.5 مليون سنتيم لكل طالب، وقام تجار المخدرات برشوة ضابط في الجيش المغربي مسؤول عن الجدار العازل الذي يفصل الأراضي المحتلة عن الأراضي المحررة بشكل طولي إلى جزأين (ثلث شرقي محرر وثلثين غربيين مطلين على المحيط الأطلسي تحت الاحتلال)، ولأن المال يشق لك طريقا في البحر، فقد شق المال للطلبة الصحراويين الثلاثة طريقا عبر الجدار العازل المليء بالألغام، وخرجوا من إحدى بوابات الجدار أمام أنظار الجنود المغربيين وبأمر من أحد ضباطهم، بالرغم من أن الشبان الثلاثة مطلوبون لدى الأمن المغربي.

وعن سر هذه المفارقة، أوضح لنا بوسحاب أن “تجار المخدرات والضباط المغربيين لا يهمهم من أنت ولا لماذا تريد الفرار، كل ما يهمهم هو جني المال”، وأشار إلى أنه بمجرد تجاوز الجدار ودخول الأراضي المحررة، لقيه جنود البوليساريو وأخذوه إلى المخيمات، وهو الآن يدرس اللغة الفرنسية في مخيمات اللاجئين، وتتكفل جمعية جزائرية بمنحه 5000 دينار مقابل عمله هذا الذي لا يكاد يكفي قوته، ولكنه يجنبه مهانة السؤال.

وحول الفرق بين العيش تحت الاحتلال وبين الحياة حرا في المخيمات، أوضح بوسحاب أن الطقس في العيون المطلة على المحيط الأطلسي أجمل من الطقس في المخيمات الصحراوية ذات الطبيعة القاسية، لكنه أشار إلى أن الاحتلال المغربي في المناطق المحتلة جعل ظروفهم صعبة بسبب اقتحام البيوت والاعتقالات وشتم النساء، وقال “لا أخاف على حياتي، ولكن أصعب شيء أن تشتم والدتي أمامي”.

زوابع رملية تقتلع الخيم
وعلى ذكر حالة الطقس في المخيمات، ضربت زوبعة رملية عنيفة مخيم الداخلة الذي كان أكثر تضررا من أمطار أكتوبر الفائت (2015)، ودخل علينا أحد الصحراويين وأخبرنا أن الزوبعة اقتلعت خيمته التي كان يقيم فيها مع والدته، كما مزقت الرياح القوية يافطات كبيرة، وحتى بعض الجزائريين الذي غادروا المخيم في سيارة رباعية الدفع أخبرونا في تندوف أنهم بسبب العاصفة الرملية أصبح مدى الرؤية لديهم قصيرا، واضطروا للتحرك بسرعة بطيئة جدا لا تتجاوز 20 كلم في الساعة.

كانت أجواء قاسية، حتى الصحراويون أنفسهم تأثروا بها رغم تعودهم على مثل هذه الأجواء، وعبر لنا صاحب الخيمة الذي انهار بيته قبل أشهر عن قلقه من نزول المطر في تلك الليلة حسب الأرصاد الجوية، وبالنسبة له فقد قضى أياما طويلة وهو يجهز الطوب بمفرده لبناء كوخ جديد، إلى أن جهز 2000 طوبة، وخشي إن هطل المطر بغزارة أو لمدة طويلة أن يفقد كل ما جهزه من طوب ويذهب جهد أسابيع من العمل المضني سُدا.

وسألت صحراويين كانوا معنا في الخيمة إن كانت خيمتهم ستصمد طويلا أمام هذه الزوبعة الرملية والرياح القوية، خاصة أن الرمال وصلت إلى داخل الخيمة، والرياح كانت تعصف بقوة وكأنها تريد اقتلاعها، فأكدوا بأن خيمتهم الكبيرة معدة لمثل هذه الظروف، وهي مشدودة بالحبال بقوة، ومصنوعة من 3 طبقات، بل الخيمة مغروسة داخل الأرض، وما حولها أشبه بالساقية لتجنب دخول مياه الأمطار إلى داخل الخيمة.

والتحرك في الرمال في ظل تلك الزوبعة الرملية ليس بالأمر الهين، فأرجلك تغوص في الرمال وتحتاج إلى جهد مضاعف وأنت تقتلعها من الرمال لتخطو خطوة أخرى، وسط ريح قوية تقذفك بحبات الرمل الصغيرة، ما يصعب عليك الرؤية والحركة، لذلك يضع الصحراويون عمامات فوق رؤوسهم تغطي جزءا من وجهوهم لحماية أعينهم وآذانهم ورؤوسهم من حبات الرمل المنهمرة.
كنت في 2012 قد زرت المناطق المحررة في تيفاريتي، وأخبرني “مقاتلو الصحراء” من البوليساريو أنه حين تضرب زوبعة رملية المنطقة فعليك التوقف بسيارتك، لأنك إن تحركت فقد تضل طريقك، فهنا تحيط بك الصحراء من كل ناحية، وتنعدم الاتجاهات وسط تلك الرتابة الطبيعية.

وسألت “خبراء الصحراء” كيف يعرفون طريقهم وسط الرمال، فأخبروني أنهم يميزون الطريق من خلال طبيعة الأرض التي تختلف بين رملية وحصوية وصخرية وبيضاء وصفراء، أما في الليل فيهتدون بالنجوم، مشيرين إلى أن الكثير من جنود الجيش المغربي أسروهم خلال الحرب (1975 – 1991) عندما ضلوا الطريق وسط الصحراء.  

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول