38serv

+ -

سلبت حريتهن وبراءتهن وهن في سن المراهقة من قبل أقرب الأشخاص إليهن، فدفعوا بهن إلى قفص الزوجية في أكثر الفترات حساسية في حياتهن، ليتحولن بين ليلة وضحاها من فتيات قاصرات يلهين بالدمى في بيوت أهلهن إلى ربات بيوت يتحملن مسؤولية الزواج والحمل والإنجاب.. منهن من تأقلمت مع الوضع، فيما رفضته أخريات وانتقمن من أنفسهن شر انتقام بالانتحار أو اتباع طريق الرذيلة.لم يكن من السهل الخوض في هذا الموضوع الحساس بالنسبة للعائلات والأصعب كان دفع “الزوجات المراهقات” للحديث عن تجربتهن المريرة.. “الخبر” اقتربت منهن، وفتحت هذا الملف الشائك، الذي كشف بعد الغوص فيه عن وجود العشرات بل المئات من الحالات في الريف كما في المدينة.  فبعد محاولات عديدة نجحنا في إقناع بعضهن بالحديث بحجة ضرورة إيصال أصواتهن التي حرمن من رفعها قبل تزويجهن قصرا والزج بهن في حياة لم يدركن مرارتها سوى بعد أن عايشنها، حسب أغلبهن.زوجوها.. فانتحرتلم تكن تتجاوز 17 من عمرها، عندما قررت عائلتها تزويجها.. هي فتاة مراهقة من خميس مليانة بولاية عين الدفلى، روت لنا فصول قصتها جارتها التي كانت شاهدة على نهايتها المأساوية شهر فيفري الماضي.قالت محدثتنا إن الفتاة دق قلبها لشاب يشتغل في السلك العسكري، فحلمت بأنه سيكون شريك حياتها عندما يحين الوقت المناسب، لكن كان لعائلتها رأي آخر، وارتأت تزويجها من شخص في الأربعينات من العمر، فقط لأنه من أصحاب المال.. غير أن الفتاة لم تتقبل الأمر ولم تجد بديلا عن التعبير عن رفضها لهذا الزواج إلا بوضع حد لحياتها شنقا.تزوجت في 16 سنة وطلقت في 19بنبرة حزينة وألم لا يزال بين الضلوع، تحدثت إلينا السيدة “س. م” التي تنحدر من ولاية باتنة، عن قصتها بعد يومين من محاولة إقناعها بالبوح بمكنوناتها، وهي التي تزوجت في سن 16 عاما سنة 1993 وانتهت حياتها الزوجية في عمر 19 عاما بعد أن رزقت بثلاثة أبناء لا تزال تحارب ﻷجلهم لحد الساعة.قالت محدثتنا ونحن نقلب عليها مواجعها “زوجتني عائلتي بسبب ظروفنا المعيشية الصعبة بعد وفاة والدي، فأمي تزوجت مرة ثانية، وزوجها قام بتزويجي من ابنه بالقوة، وأنا كنت وقتها في 16 من عمري أدرس بالطور المتوسط، ومقبلة على اجتياز الاختبارات النهائية للولوج إلى الطور الثانوي”.تواصل محدثتنا وهي تتذكر بداية مأساتها “زوجي رفض إكمال دراستي، غير أن أحد إخوتي وقف إلى جانبي وساعدني وقتها إلى أن اجتزت شهادة البكالوريا وتحصلت عليها”.وكونها كانت غير مطلعة تماما على موضوع حبوب الحمل، أنجبت مولودها الأول فالثاني والثالث وهي غير جاهزة نفسيا ولا بدنيا للعناية بالأطفال ومسؤولية البيت والدراسة، “لتنتهي قصتي بالطلاق بعد معاناة ومرارة، فحياتي كانت عذابا خاصة أن زوجي تزوجني رغبة منه في الانتقام، كون والده تزوج بوالدتي”. وولجت “س. م” الجامعة بعد طلاقها، وبدأت حياة أخرى رفقة أبنائها الثلاثة، “فقد كنت أدرس وأقوم بكتابة المحاضرات لزميلاتي بالنقود من أجل شراء الحليب ﻷبنائي وإعالتهم”.ورفضت عائلتها فكرة الطلاق، كما لم يتقبلوها بينهم، فلجأت إلى الأقارب الذين وقفوا بجانبها وقدموا لها يد العون إلى أن تخرجت واستأجرت منزلا بمساعدة المحسنين. تواصل الأم الشابة: “بعد نيلي الشهادة تحصلت على عمل بالعاصمة، غير أنه ولبعد المسافة ولكوني أما عليها مسؤولية الاعتناء بأطفالها، تخليت عنه وبحثت عن آخر وهو ما حدث والحمد لله”، قبل أن تختم كلامها بأنها رفضت الزواج أو تكوين عائلة أخرى واكتفت بتربية أطفالها.انتقمت من نفسها بطريق الحرامأما المدعوة “ك. ت” التي تنحدر أيضا من ولاية باتنة، فقد تزوجت هي اﻷخرى في 17 من عمرها سنة 1994 عنوة من رجل صاحب مال ونفوذ ورزقت بتوأم، غير أنها رفضت العيش مع زوجها بحجة أنه كان يجبرها على أمور غريبة ومحرمة في علاقتهما الزوجية، ويقوم باستعبادها وإجبارها على ممارستها، إلى أن قررت مغادرة المنزل وترك ابنتيها التوأم برفقة والدهما والفرار.لكن خروجها من بيت الزوجية لم يكن طريقها إلى الجنة، بل أدخلها إلى نفق مظلم، إذ تخلت عن فلذتي كبدها وغاصت في المحرمات في حياة الليل بين الملاهي والحانات.السنوات لم تنسها زواجها عنوةرغم مرور خمس سنوات على زواجها، لا تزال “د. و«، وحيدة أهلها، تلوم عائلتها ولم تغفر لها تزويجها عنوة وهي في 16 من عمرها، بحجة أنها لم تكمل دراستها ولا تملك شهادة علمية أو مؤهلا في يدها، ناهيك عن مقارنتها بقريباتها اللواتي تزوجن في سن صغيرة، قبل أن ترضخ لرغبة عائلتها وتتزوج.وعانت “الزوجة الطفلة” الأمرين في زواجها، خاصة في فترة الحمل والمخاض، وقاربت على الموت بسبب حالتها الصحية المتردية ونحافتها الشديدة التي لم تساعدها على الزواج والحمل والوضع.ومازاد من معاناتها أنها كانت تعيش مع عائلة زوجها، وهو الأمر الذي لم تتحمله، خاصة بسبب صغر سنها وعدم قدرتها على تحمل مسؤولية الزواج، ففضلت أن تمكث أوقاتا طويلة في بيت أهلها بدل المكوث في منزل أهل زوجها الذي قالت إن معاملتهم لها لا تسر عدوا أو حبيبا.واليوم مرت خمس سنوات على ولوجها عش الزوجية، إلا أنها لم تتعود على حياتها كزوجة وأم ولاتزال توجه اللوم الشديد لعائلتها التي قالت إنها تخلت عنها دون شفقة وفي سن صغيرة.  المختص في علم النفس سعيد بلحيمر“تزويج القاصر مصدر للكآبة والانتحار” يرى الأخصائي في علم النفس، الأستاذ سعيد بلحيمر، أن الزج بالقاصرات في عش الزوجية في وقت جد مبكر من شانه أن يترك الانطباع لدى الشابة بأن أهلها فكروا مطولا في التخلص منها بشتى الطرق، خاصة إذا تم ذلك دون موافقتها، ما يولد لديها نوعا من الكراهية والحقد تجاه كل من لعبوا على وتر تزويجها إلى الرجل، خاصة إذا كان هذا الأخير يكبرها سنا.وأرجع محدثنا ذلك إلى عدم وصول القاصر درجة النضج النفسي والحسي والبدني حتى تكون مستعدة للزواج، كما أن عدم بلوغها نقطة “الاستفاقة النفسية” يترك الانطباع لديها بأنها قد تعرضت للاغتصاب، وهو ما يولد لديها حالة من الاكتئاب سواء أكان بسيطا أو عميقا. ويشير الأستاذ بلحيمر إلى أن الاكتئاب البسيط عادة ما يتولد عنه كره للرجال وملل للحياة وانزواء يصعب علاجه في بعض الحالات لدى الفتاة القاصر، كما يقول، إلا أن الاكتئاب العميق قادر على الرمي بها إلى الهلاك، من خلال لجوئها للانتحار الناتج عن حالة الانهيار التام بحكم عدم مبارحة تلك الصور التي عايشتها لمخيلتها.ويبقى المخرج الوحيد بالنسبة للفتاة القاصر حتى “ترمم” ما أفسدته الأيام هو “إعدام نفسها” حتى تتخلص من “كابوس” تزويجها وهي قاصر، وذلك في حال ما إذا كانت رافضة لذلك “السيناريو”. كما أن الأمر قد يتطور ليمس حتى مولودها بعد الإنجاب “إلى درجة قد تفكر حتى في التخلص منه بعد أن تكون قد أعدمته رمزيا من خلال حرمانه من حنانها ومن كل خدمات الأمومة”. “وعلى العموم يبقى من الصعب جدا أن تتخلص الفتاة القاصر بعد الزج بها إلى عش الزوجية عنوة من الاضطرابات النفسية التي قد تلازمها طوال حياتها”، حسب الأستاذ سعيد بلحيمر الذي أقر بحقيقة الجحيم الذي عادة ما تعايشه الفتاة ذات “الشخصية الجبانة” بحكم عملها على إخفاء “المكبوتات” ومحاولة إظهارها الجوانب المزيفة لعالمها الخارجي، بعد أن تكون حياتها قد فقدت الطعم أصلا.الأخصائية في علم النفس الأستاذة رفيقة لكحل“القاصر غير مؤهلة لتحمل المسؤوليات وبالتالي الانفصال” أفادت الأخصائية النفسية والأستاذة رفيقة لكحل من جامعة باتنة 1 لـ”الخبر”، بأن زواج القاصرات يتعلق بشقين، الأول قانوني والمرتكز حول الرخصة التي يمنحها القضاة لزواج القصر، والثاني هو الجانب السلوكي والجسمي والنفسي للقاصر، أي ليس فقط صغر السن، وإنما يتجاوز ذلك إلى قِصر في الناحية المعرفية والنفسية والفيزيولوجية التي تؤهل الفتاة للزواج في سن معينة، لاسيما أنه في فترة المراهقة نلاحظ أن عمرها كان يتراوح بين 12 و18 سنة، وأصبحت اليوم تتجاوز العشرينات. وأضافت المتحدثة أن الزواج مسؤولية ليس فقط بين فردين، بل هي مسؤولية اجتماعية وفردية، وبالتالي يؤدي إلى تعرضها لاضطرابات نفسية تصل إلى فتور في العلاقة الزوجية، سرعان ما تنتهي بالانفصال.الدكتورة نسيسة فاطمة الزهراء مختصة في علم الاجتماع“الأولياء لا يعون ما يسببونه لبناتهم”ترى الدكتورة نسيسة فاطمة الزهراء، المختصة في علم الاجتماع، أن المجتمع الجزائري يشجع على الزواج المبكر، كون هناك ظواهر تجعل من الأولياء دائما في قلق على الفتاة، لاسيما من ناحية حالات الاغتصاب والاختطاف وكذلك التحرشات الجنسية، بالإضافة إلى الظروف الاجتماعية، فهم يفضلون أن تعيش ابنتهم في ظروف اجتماعية جيدة، ولهذا يزوجوها في سن مبكرة على حساب سنها الصغيرة أو دراستها من أجل المحافظة على شرف الأسرة، لاسيما أن هذا الأخير عبارة عن طابو يجب عدم المساس به.والأولياء هنا، تواصل محدثتنا، لا يعون ما يسببونه لبناتهم، ففي اعتقادهم أنهم يقومون بالصواب، فالفتاة تحرم من الدراسة والعاطفة في سن المراهقة، وفي بعض الأحيان تكون على علاقة غرامية مع شخص آخر، تعيش بعد تزويجها في تعاسة لأنه باستطاعتها هنا خيانة زوجها، لذلك وجب تكوين الفتاة دائما في أسرتها لتكون قادرة على تحمل مسؤولة الأسرة الجديدة، لأنها تكون في سن غير ناضجة ومكتملة النمو العقلي والفكري لتربي أجيالا. ودعت الدكتورة الأولياء إلى مراقبة سلوكات بناتهم داخل وخارج البيت، وتوعيتهن على تحمل أعباء أسرهن الجديدة، مع تركهن يكملن دراستهن على الأقل الطور الجامعي، وتزويجهن بعد اكتمال نموهن العاطفي والفكري، لأنه في وقتنا الحالي نجد من هي في سن 20 عاما لا تزال طفلة، لذا وجب عليهم التفكير في ما هو في صالح بناتهم لا في أشياء أخرى تضر بهن، ما قد تنجر عنه ظواهر سلبية خطيرة في المجتمع قد تظهر للعلن كما قد تبقي خفية كالزنا، الخيانة الزوجية، الطلاق، الدعارة وغيرها.المحامي نور الدين أوزنانجي“القانون لا يجيز تزويج القاصرات سوى في حالات استثنائية”قال المحامي نور الدين أوزنانجي إن القانون يمنع زواج كل فتاة لم تبلغ سن الرشد (18 سنة)، باستثناء حالات معينة تتم بموافقة رئيس المحكمة، مشيرا إلى أن الأسرة التي تكون فيها الزوجة قاصرا نادرا ما تكلل بالنجاح، كونها غير ناضجة ولا تتحمل مسؤوليتها، مشيرا إلى أن تزويج القاصرات لا يكون مفيدا سوى في حالة الحروب. ومن الحالات التي يأذن فيها رئيس المحكمة ويوافق بتزويج قاصر، ذكر أوزناجي وضعية عائلة تكون الزوجة فيها فتاة قاصرا وحاملا ومتزوجة عرفيا، ودون وجود نزاع، هنا يمكن للقاضي أن يأمر بعقد الزواج كي يتم إثبات الزواج في شكله الإداري لتتمكن العائلة من تسجيل ابنها. وتابع المتحدث أن القضايا التي تتعرض فيها القاصر للاغتصاب تنتهي معظمها بالزواج، لكن شريطة وجود اتفاق بين أهل الضحية والمتهم بغض النظر عن نية الجاني في الإفلات من الملاحقة القضائية، مشيرا إلى أن عقوبة الاغتصاب لا تسقط بعقد القران بينهما وإنما تظل قائمة كونها موصولة بالدعوى الجزائية.وقال المحامي إن “الكثير من العائلات في الأرياف والمناطق المعزولة تدفع ببناتهن القاصرات للزواج وهن في سن المرحلة الثانوية وتبرر ذلك بأنه أمر إيجابي ومصير محتوم، وتكتفي بتوفر الولي والطرفين والصداق والرضا، في غياب إجراءات إدارية تضمن حقوق المرأة والعائلة، ما تحول إلى ظاهرة سلبية في البلاد”. ويرى أوزناجي أن “الأسر التي تكون فيها الزوجة قاصرا غالبا ما تعرف الفشل أو مشاكل اجتماعية عميقة، تعيق تطورها واستمرارها وتبقى مهددة بالطلاق، لأن الفتاة القاصر غالبا ما تكون غير ناضجة وعاجزة عن تحمل مسؤوليات التي تترتب عن الرابطة الزوجية من تربية الأبناء وصيانة البيت، في وقت لا تزال تتوق إلى اكتشاف العالم”.المحامية بلبحري سكينةزواج القاصر يخضع لإذن رئيس المحكمة وطبيبقالت الأساتذة المحامية المعتمدة لدى مجلس القضاء والمحكمة العليا، بلبحري سكينة، في تصريح لـ”الخبر”، إن زواج القاصرات يخضع لأمرين هما، إذن رئيس المحكمة وشهادة طبية تؤكد قدرتها على تحمل العلاقة الزوجية. وأفادت بأن قرار رئيس المحكمة لا يمنحه لمن لم تتجاوز 17 سنة، ويستند إلى شهادة يمنحها طبيب يقول بأنها كفء لذلك، ثم يأتي الولي في الأخير، وفي حال ما إذا كان هناك حالة زواج عرفي يتحمل الولي المسؤولية لأن إرادتها هنا مسلوبة.    

مقال مؤرشف


هذا المقال مؤرشف, يتوجب عليك الإشتراك بخطة الممتاز+ لتتمكن من الإطلاع على المقالات المؤرشفة.

تسجيل الدخول باقة الاشتراكات