+ -

سجّل التاريخ مواقف وقصصا نادرة عن العدل وعن حكم الرجال، وربما من أكثرها قوة في المعنى والمغزى والبعد الإنساني، قصّة رسول كسرى مع الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، عندما وصل المدينة ووجد أمير المسلمين نائما تحت الشجرة، مفترشا حصيرا باليا، وكان يظن أن يجد أمير أكبر إمبراطورية بدأت تمتد من الشرق إلى الغرب، وتهدد عرش كسرى، محاطا بالخدم والحشم والحراسة المشددة، فقال قولته الشهيرة “حكمت، فعدلت، فأمنت، فنمت يا عمر”.. قد يكون العصر ليس العصر، والعالم قد تغير، لكن القيم الإنسانية التي تنظم العلاقات بين الناس لن تتغير، فالظلم هو الظلم بكل مظاهره وطرقه منذ أن بدأت الخليقة، والعدل هو العدل بكل صفاته وإشراقاته ونورانيته، منذ أن بدأت الخليقة. لن نكون مبدعين أو عباقرة في اختراع أي مفهوم جديد، لكن تغيرت الآليات فقط، آليات الوصول إلى تحقيق العدل، وطرق الوقوف في وجه الظلم وإحقاق الحق، فأخذت من عصر إلى آخر مظاهر وأشكالا مختلفة، قد تكون أعرافا أو عادات وتقاليد أو شرائع دينية أو قوانين وضعية، هدفها الأساسي هو الحفاظ على توازن المجتمع عن طريق حماية الضعيف فيه، والحد من تجبر القوي، وصاحب السلطان، ولكن بالأخص الوصول إلى مفهوم أبعد وما وصفه الله عز وجل في كتابه الكريم بقوله تعالى “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب”، أي أن نحيا في سلام وأمن ونصل إلى درجة من الرقي واكتشاف الذات وملكوت الخالق والتفكر فيما هو أبعد عن منافع الدنيا، لأن العدل يؤدي إلى الرقي بالذات البشرية، وكلما انتشر في أي عصر وحضارة، ازدهرت فيها العلوم والفنون، وارتقى مجتمعه في المعاملات، بل وتجاوز زمنه في الأفكار والنظريات والبحوث وهكذا.. بالعدل والقصاص فقط نصل إلى تنظيم المجتمع وفرض الاحترام بين أفراده وتحديد واجبات وحقوق المحكومين. لكن أين نحن من هذا المفهوم للعدل؟ هل يكفي أن نضع ترسانة من القوانين ونرفع الأيدي في البرلمان، ونلقّنها في جامعات الحقوق، لنقول إننا دولة القانون والعدالة ودولة العدل الذي يؤدي إلى التوازن داخل المجتمع، وبالتالي الحفاظ على الأمن والأمان والنفس والعرض، خدمة للإنسان بالدرجة الأولى وليس للسلطان وحاشيته، ونحن نرى أن أول من يخرق هذه القوانين هم من وضعوها ودافعوا عنها؟ هل يكفي أن نسن القوانين ونضعها في ملفات وأدراج ونقول إننا نستمع لشكواكم ونقف على مظالمكم، وفي واقع الحال، أكثر من يتعرض للقهر والظلم، هم الذين يروّج أهل الربط والحل بأنهم وضعوا القوانين لأجلهم؟

لا أبدا.. إن وضع القوانين دون وضع آليات تطبيقها وتحديد الأطراف التي تطبقها، وإعطاء الفوقية لها والقوة لأجل فرضها وتطبيقها، يعد ذرا للرماد في العيون، وما هو إلا لعبة سياسوية لإلهاء المجتمع عن القضايا الأساسية ومطالبه الجوهرية في تطبيق العدالة الاجتماعية.. إن وضع القوانين دون دراسة ودون الرجوع إلى المجتمع وتقلب حاجياته واستشارة أهل الاختصاص والتعمق في قضاياه ومشكلاته وأمراضه، يعد أيضا مجرد ضحك على الذقون، ولا نفع منه إلا ما انتفع به من وضعه لحاجة في نفس يعقوب.. إن وضع القانون دون الحكم به بالعدل بين الغني والفقير وابن الوزير وابن حارس بلدية، وبين موظف ومسؤوله، وبين المرأة والرجل، وبين ابن العشيرة وابن المدينة، أيضا يعد مفسدة أكثر منه إصلاحا، لأنه يصبح أداة في يد أهل النفوذ والقوة، فيخلق الاختلال والاختلاف والطبقية والإحساس بالقهر والظلم، وبالتالي يؤدي لا محالة إلى عدم الثقة بالدولة، وبكل ما تسنه، ونتيجته الحتمية أننا نصبح نعيش في دولة بلا دولة، فيحدث الشرخ بين الحاكم والمحكومين، وتصبح لنا دولة الشعب ودولة السلطان.. إن وضع القوانين دون نظام عدالة قوي، يرتكز على استقلالية القضاء واعتماده على الكفاءة والخبرة والعلم والتخصص في كل المجالات، وهذا ينقص كثيرا القضاء الجزائري، هذا كله تحت مظلة أساسية وهي الأخلاق والسيرة الحسنة في اختيار القضاة، دون هذا لا يمكن أن نصل إلى تحقيق دولة القانون، ولا مجتمع المواطنة الذي نصبو إليه، فليس مهمّا وضع القوانين، بل كيفية تطبيقها والسهر على ذلك، وعلى جميع أفراد المجتمع القوي قبل الضعيف فيه، وإلا نكون كمن يملك عينين جميلتين لكنهما لا تريان.. 

مقال مؤرشف


هذا المقال مؤرشف, يتوجب عليك الإشتراك بخطة الممتاز+ لتتمكن من الإطلاع على المقالات المؤرشفة.

تسجيل الدخول باقة الاشتراكات
كلمات دلالية: