ميلــــــة دوار برتبـــــــة ولايــــــة بسبب الإقصاء مركزيا والفشل محليا

روبورتاجات
13 مارس 2015 () - ميلة: بوطلاعة رشيد
0 قراءة
+ -

 ثلاثون سنة بالتمام والكمال لم تنعم ولاية ميلة بنهضة تنموية في مستوى طموحات مواطنيها الذين استبشروا خيرا سنة 1984 بأن استفادتهم من هذه ترقية ميلة إلى مصف الولايات سيزيح عن منطقتهم الغبن والتخلف، حيث بقيت الولاية ترزح تحت رحمة ثالوث التخلف والغبن والإقصاء والمسؤولية حسب المتتبعين للشأن المحلي مشتركة بين الجميع، من سلطات مركزية ومحلية وهيئات انتخابية ومواطنين وغيرها.

الفشل مسؤولية الجميع
المسؤولية تقع طبعا على كل من كان له يد في الإشراف على شؤون هذه الولاية وعلى كل بلدية وفي كل قطاع، حيث لا يمكن تعليق الفشل على جهة دون أخرى، والمسؤولية مشتركة ويتقاسمها كل المسؤولين الذين مروا بهذه الولاية وعلى كل الأصعدة، ومن دون نسيان الدور السلبي للمنتخبين المحليين الذين وجدوا في الانتخابات طريقا لترقية اجتماعية وتحقيق أغراضهم الضيقة والدنيئة فراحوا يتواطؤون مع الإدارة أحيانا ومع رموز الفشل أحيانا أخرى، غير مكترثين بالأمانة التي كلفوا بأدائها وأقسموا على صيانتها.
لقد قُدّر لمواطني الولاية رقم 43 أن يتجرعوا مرارة التخلف بفعل سياسات تنموية فاشلة وغياب الكفاءات القادرة على تغيير واقع المواطنين من وضع متردٍ إلى وضع أفضل، والنهاية أن ولاية ميلة، رغم المجهودات، لا تزال تتبوأ مراكز المؤخرة وبإجماع الكل، والأسباب عديدة والعوامل متعددة، منهم من يوعز ذلك للظلم الذي تعرضت له ميلة عند التقسيم الإداري، ومنهم من يتهم السلطات المركزية في البلاد التي كانت تبعث بالفاشلين والمعاقبين والمحالين على التقاعد إلى ميلة للتخلص منهم.  ويقال إن تركيبة ولاية ميلة تمت بعشوائية كبيرة ومن دون دراسة إستراتيجية، حيث تركبت من بلديات تخلصت منها ولايتا قسنطينة وجيجل، والدليل أن مجموع 25 و18 هو43 وهو رقم ولاية ميلة! هذه التركيبة التي تفتقر لدراسة جغرافية واجتماعية وتقنية جادة هي التي جعلت ولاية ميلة اليوم تدفع الثمن بتعداد بلديات بلغ 32 بلدية، منها 13 مقر دائرة، وجلها بلديات حديثة النشأة تحوّلت من مجرد دواوير إلى بلديات فكانت بذلك عبئا ثقيلا على عاتق الولاية، وجلها تفتقد لمصادر تمويل ما جعلها تعاني الإفلاس وتعتمد فقط على ميزانية الدولة.



مربع كولونيالي لم يتغير ولا أثر لوجه المدينة الحديثة
عجزت كل السلطات التي مرت بميلة، من ولاة ورؤساء بلديات ورؤساء دوائر ومديري تخطيط، عن تجاوز عقدة أصبحت تعرف بـ«عاصمة الولاية”، حيث بقيت مدينة ميلة دون تهيئة وتحسين حضري في مستوى اللقب الذي تحمله، وفشل كل المسؤولين بهذه الولاية على تغيير مظهر المدينة وإعطائه الوجه اللائق بها كعاصمة للولاية، بل أصبحت هاجسا يؤرق الجميع، ولم يمر والي دون أن يعترف بأن عاصمة الولاية بحاجة لوجه مغاير تماما لما هو عليه الآن، والكل وعد في بداية مشواره ثم يغادر دون أن تكون له لمسته. ويبقى التساؤل عن مخلفات هذا الوضع والمتسبب في ذلك. لقد كان في الإمكان إحداث ثورة حقيقية بإعطاء المدينة وجهها الذي تستحقه باعتبارها مقرا لعاصمة الولاية وباعتبارها الواجهة، لكن للأسف بقيت حبيسة ذهنيات بالية وتفكير محدود في ظل غياب التخطيط العلمي وغياب إستراتيجية حقيقية وإرادة قوية لتغيير وجه المدينة.

الجامعة والإذاعة والسد.. كل ما أنجز طيلة 3 عقود
ما عدا تلك المشاريع “العملاقة”، على رأسها سد بني هارون ذو البعد الوطني والذي استحوذ على أزيد من 14 ألف هكتار من تراب الولاية، فإن ميلة لم تستفد سوى من النزر القليل من خيرات السد، فأغلب بلدياتها عطشى، وأغلب مساحاتها الفلاحية لا تستفيد من مشروع الري إلا جزءا منها بمنطقة التلاغمة.. الإنجاز الآخر الذي استفادت منه الولاية هو المركز الجامعي والذي خفف من عبء تنقل طلبة الولاية إلى ولايات أخرى، يضاف إلى ذلك مكسب آخر وهو الإذاعة المحلية، وهي الإنجازات التي على قلّتها شعر بها مواطنو ميلة. ما عدا ذلك، ليس هناك ما يشد الانتباه لتنمية واضحة المعالم.  ومن أهم النقائص التي تجعل ميلة بعيدة عن الركب انعدام هياكل الاستقبال بها، ما حرم سكانها دوما من مختلف التظاهرات الثقافية والفكرية والسياسية والسياحية وغيرها، وجعل هذه الولاية غائبة عن كبريات التظاهرات المختلفة.
ومن بين الصور المشينة التي شوهت مدن الولاية ظاهرة البناء الفوضوية، فالبنايات “نبتت” بشكل عشوائي كالفطريات دون معايير ولا مواصفات معمارية علمية ومدروسة، فأصبحت المدن تفتقر إلى مواصفات المدن الحديثة، ونشأت بطرق فوضوية تحت ضغط الاحتجاجات، خالية من الجوانب الفنية والهندسية ومساحاتها الخضراء وشوارعها الواسعة، وأكثر من ذلك بنايات هشة وأحياء عمرانية تفتقر لأدنى الشروط والظروف الملائمة. فالمرافق الضرورية غائبة في أكثر الأحياء والمشاتي، والحياة لا زالت بدائية في كثير من المناطق، ما أدى إلى هجرانها من قبل أبنائها.


سد بني هارون لم ينتشل ميلة من عطشها ولا من غبنها
«زهرة الري” الجزائري ومشروع القرن.. سد بني هارون الذي احتضنته ولاية ميلة واحتل من أراضيها آلاف الهكتارات لم يخرج ميلة من غبنها، ولم ينه أزمتها مع العطش، ولم يحوّلها إلى ولاية خضراء مثلما وعد الكثير من مسؤوليها، ولم يستفد من مياهه سوى ربع سكان الولاية ولم ترتو أراضي التلاغمة بعد رغم مرور أكثر من سبع سنوات من تشغيله، وتبقى الاحتجاجات للمطالبة بالمياه مستمرة ومشتعلة ولا تكاد تنطفئ جذوتها، والمسؤولون يقدمون الوعود تلو الأخرى، وحقن مهدئة دون استئصال للداء. فما أكثر المواطنين عبر البلديات الذين لا زالوا حتى اليوم يستغلون الدواب والجرارات للتزود بالمياه من المنابع الطبيعية والصهاريج المشكوك في نوعية مياهها، والحلول تبدو لحد الآن غائبة. والغريب في الأمر أن السلطات بالولاية اهتدت إلى حلول تبدو غير موضوعية، من خلال تفكيرها في مشروع لتزويد بعض البلديات من شمال الولاية انطلاقا من سد تابلوط بولاية جيجل، بدلا من سد بني هارون، وهو ما رفضه مؤخرا وزير الموارد المائية وطالب بالتخلي عن المشروع، وشدد على تموين البلديات المعنية من سد بني هارون.

استثمار على الورق واستنزاف للعقار بالدينار الرمزي
لم تفلح السياسة الاستثمارية بولاية ميلة في النهوض بالمشاريع الاستثمارية التي تهدف أساسا للنهوض بالتنمية، ورغم التسهيلات المقدمة لأشباه المستثمرين في إطار دعم وتشجيع الاستثمار الوطني، إلا أن الاستثمار في ولاية ميلة بقي محدودا وبعيدا كل البعد عن التطلعات، والأسباب متعددة في مقدمتها التوزيع العشوائي للأراضي دون ضوابط صارمة، ما سمح بتسلل الكثير من المتطفلين والدخلاء على قطاع الاستثمار ليستفيدوا من مساحات واسعة بالدينار الرمزي ويعبثوا بالعقار، فالكثير من هؤلاء السماسرة قاموا بتغيير النشاط أو ببيع العقار، والسلطات تتفرج من دون متابعة أو إجراءات عقابية في حق المخالفين لدفتر الشروط.
إلى ذلك تحولت مناطق النشاط التجارية أو الحرفية إلى أحياء سكنية، كما راح بعض محترفي البزنسة والمضاربة يبيعون جهارا نهارا عقاراتهم في غياب رقابة وردع، وأدى ذلك إلى وضع استثماري متعفن بالولاية واستنزاف لا محدود للعقار.. ولولا تلك المؤسسات القليلة والمعدودة على أصابع اليد الواحدة لخلت ميلة من المشاريع الاستثمارية. والمطلوب التحقيق في كل المشاريع الاستثمارية ومناطق النشاط المختلفة عبر تراب الولاية، والنتيجة ستكون صادمة بكل تأكيد.

السياحة.. هياكل بلا روح
تزخر ولاية ميلة بمؤهلات وقدرات سياحية هائلة ومتميزة، باستحواذها على أبرز المعالم الأثرية والمنابع الحموية والمواقع الطبيعية الساحرة ومناطق للتوسع السياحي تمتد على مساحات هائلة، غير أن هذا الزخم التراثي والموروث الثقافي وهذه الكنوز التاريخية والطبيعية الثمينة لم تجد من يعتني بها ويستغلها أحسن استغلال لتكون مصدرا للثروة محليا وقبلة للسياحة الداخلية والخارجية، ليضيع كل ذلك هباء ويحرم الولاية من أن تكون في صدارة الولايات السياحية على مدار السنة. فالموروث الثقافي والتاريخي يزخر بتلك المعالم الأثرية الغنية، والتي يمكن أن تكون كتابا مفتوحا على الحضارات المتعاقبة على هذه الولاية، فالمدينة الأثرية ميلة القديمة تعد من أبرز المواقع الأثرية في البلاد، باشتمالها على كنوز أثرية منها الحائط البيزنطي وقطع أثرية نادرة، و«عين البلد” التي لا تزال تمون السكان بمياهها العذبة الصافية طيلة قرون من الزمن، ومسجد أبو المهاجر دينار ثاني أقدم مسجد في شمال إفريقيا بعد جامع القيروان بتونس، والذي بني على أنقاض كنيسة رومانية، ومواقع أخرى أثرية في بلديات أخرى، إضافة إلى قصر الآغا ببلدية فرجيوة، والسجن الأحمر الذي يؤرخ للفترة الاستعمارية، والحمامات المعدنية التي يزيد عددها عن 16 موقعا حمويا من شأنها أن تطور السياحة الحموي، وسد بني هارون والجسر المعلق وادي الديب، ومناظر طبيعية أخرى، لكن كل ذلك يتعرض للتخريب والإهمال والضياع على مرأى ومسمع من السلطات ولا حياة لمن تنادي.


 
منتخبون لملء البطون وليذهب المواطن إلى الجحيم
لا يختلف اثنان في أن أغلب مصائب هذه الولاية يقف وراءها منتخبوها الذين تفننوا، من أدنى الهيئات الانتخابية إلى أعلاها، في خدمة مصالحهم الخاصة وإهمال شؤون المواطن، ولا أحد شذّ عن القاعدة بحسب تقدير المواطنين من الذين وجه له سؤال عن المنتخبين. لقد كان المنتخبون عبر كل العقود الماضية على درجة كبيرة من السلبية والذاتية والأنانية، فتفرغوا كلهم أو جلّهم إلى أغراضهم ومصالحهم الشخصية وأهملوا الصالح العام، وانتهز العشرات منهم الفرصة للكسب والثراء السريع وخدمة الأقارب دون أدنى شعور بروح المسؤولية، فغابت ضمائرهم وتسلطوا وتعسفوا، والدليل أن نسبة كبيرة منهم كانوا محل متابعات قضائية أو آل مصيرهم إلى السجون، إلا من رحم ربي.

147 مليار دينار لخماسيين.. والوجه واحد
لم تجدِ نفعا تلك الأغلفة المالية المخصصة للولاية خلال المخططين الخماسيين الأخيرين للنهوض بالتنمية ومسح الغبن عن مواطني الولاية، ففي الخماسي الأول خصت الولاية بغلاف مالي قدره 102.21 مليار دينار وجهت لمشاريع تنموية في كل القطاعات، لكنها لم تستهلك جميعا لغياب المبادرات وإستراتيجية واضحة لأولويات هذه الولاية، وخلال الخماسي الثاني حصلت ميلة على أكثر من 44 مليار دينار، لكن ذلك لم يظهر له أثر في الميدان سوى ما تعلق ببعض المشاريع التي لم تغير شيئا في الولاية خاصة فيما تعلق بقطاع السكن والشباب والرياضة، لا سيما قطاع الصحة الذي بقي يعاني من نقائص بالجملة تتمثل في نقص الهياكل زيادة عن عدم التوازن الجهوي في توزيع المشاريع. ولا يختلف الأمر بالنسبة لقطاع الأشغال العمومية التي تحصل في كل مخطط على حصة الأسد من الأغلفة المالية لكن الولاية تبقى في عزلة شبه خانقة وليس أدل على ذلك عدم التوصل لربط عاصمة الولاية بالطريق السيار، زيادة على هشاشة المنشآت القاعدية والطرقات بسبب طبيعة التربة وغياب الدراسات، ويمكن القول بأنه ما عدا قطاع التعليم والتغطية بمادة الغاز الطبيعي فإن بقية القطاعات لم ترق إلى مستوى طموحات المواطنين.

في انتظار عهد جديد.. ميلة تتنفس تحت الماء
وبعد أن فشل الجميع في الارتقاء بولاية ميلة إلى مصاف الولايات الأخرى، حتى وإن كان الوالي الحالي عبد الرحمن كاديد وعد بجعل ميلة من أفضل ولايات الشرق بعد ثلاث سنوات، فإن المواطنين يحلمون بمستقبل أفضل خلال السنوات القادمة وإن كانوا متخوفين من تردي الأوضاع بعد انهيار أسعار البترول، لكن رغم كل ذلك يبقى الأمل في غد أفضل يحدو أبناء ولاية ميلة.   

في نفس السياق

"نرفض استغلال وفاة المرحوم لأغراض أخرى"
الحكومة تستعد لفتح مجال الاستثمار في الغاز الصخري
”المؤتمــر القــادم إما يخـــرج الأفــالان من الأزمة وإمـا يدفــع به إلى الهاويــة”
المهاجرون النيجريون: نعيش بلا هوية في الجزائر أفضل من العودة إلى ديارنا
كلمات دلالية:
Headlines

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول