قاعات الحفلات.. اضطرار أم اختيار؟

روبورتاجات
15 يوليو 2016 () - سليمان مهيرة / ب. هشام
0 قراءة
+ -

يرى عدد من الجزائريين أن هروب معظم العائلات لإقامة أعراسها وحفلات الخطوبة وختان أطفالها في قاعات الحفلات ليس لأن المستوى المعيشي للعائلات الجزائرية قد تحسن
في السنوات العشر الأخيرة، وإنما بدافع إبعاد الضغط عنها طيلة أيام الفرح في شقق ذات 3 غرف أو في منازل لا تكفي حتى لتقديم الولائم لـ20 فردا.

يقول محمد من حي بوعقال الشعبي في باتنة إن عائلته فضلت إقامة أعراس 4 من إخوته بقاعة حفلات في المخرج الشمالي للمدينة، بسبب مرض والدته، وعدم قدرة شقيقتيه على التكفل بطلبات كل من ستوجه لهم الدعوة. فبعد تجربة قامت بها العائلة في عرسه الذي أقيم بالمسكن العائلي على مستوى هذا الحي، فضلت الأم والأب عدم تكرار التجربة والتوجه مباشرة لقاعة الحفلات فيما تعلق بإخوته الأربعة، مرجعا ذلك إلى الضغط الذي كان مفروضا عليهم طيلة أسبوع كامل من قِبل الجيران والعائلة الكبيرة من الأعمام والأخوال، فالجميع حوّل مسكنه الذي لا تتجاوز مساحته 80 مترا، ويتواجد في شارعٍ المسافةُ بينه وبين جاره الذي يقابله لا تتعدى 4 أمتار، إلى مركز تجمع بين كل هؤلاء للالتقاء والدردشة ومطالبة الوالد بتقديم أطباق كرما منه، وهو ما أثقل كاهل الوالد والوالدة التي تعبت كثيرا حسب محمد في تلبية رغبات الجيران وأفراد العائلة الكبيرة، وكلفهم ذلك مالا إضافيا، وهو ما جعل عائلته تفكر في استئجار قاعة حفلات لإقامة أعراس إخوته رغم غلاء بعضها، “لكنني اشتريت راحة والدتي، وخفضت على والدي متاعبه المالية لمدة فاقت أسبوعا اعتُبر كل يوم فيها عُرسا”، يقول محمد.

الوضع المادي حوّل العرس من شهر إلى 24 ساعة
وإذا كان معظم سكان المدن الكبرى أصبحوا يعترضون على فكرة تمديد أيام العرس ومحاولة حصرها في يومين أو ثلاث على أكثر تقدير، رغبة منهم في تخفيض مصاريفه، تجد بعض سكان القرى والمداشر في المقابل يتحسرون لذلك، لأن العرس يخلق الفرح بين العائلات والأسر والأطفال، ويوطد العلاقة الاجتماعية بينهم، إذ يروي لنا عمي الصالح قصة زواجه في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي قائلا “الإعلان عن العرس كان قبل شهر من موعده الرسمي، يأتي جميع الأصدقاء والأقارب خلال هذه الفترة كل ليلة للاجتماع بدار الضياف أو “الدار القبلية” كما يسميها، ويجتمع في هذه الليالي الشباب المقبلون على الزواج بشيوخ القبيلة من أجل تشجيعهم على هذه السنة النبوية، وكذا حثهم على التعاون فيما بينهم من أجل تيسير أمور الزواج، كما يتخلل هذه الجلسات الاجتماع على مائدة العشاء، وتكون ممزوجة بسرد القصص والأخبار، فضلا عن الوصلات الفكاهية بين الحين والآخر، في جو عائلي بهيج يتحسر عليه عمي الصالح عند مقارنته بأعراس اليوم التي يرى أنها أصبحت تقام خلال 24 ساعة فقط في قاعات الحفلات، بعد أن كان التحضير للأعراس سابقا يستغرق شهرا كاملا. ويختم حديثه بالإشارة إلى الفرق بين التعاون والتكافل الذي كان يميز الأعراس سابقا عن أعراس اليوم، حيث يذكر في هذا الصدد أن العرس التقليدي يكون فيه العريس معفى من أي التزامات مادية، إذ ينوب عنه أصدقاؤه وأفراد عائلته في المصاريف، فتجد العم يأتي بخروف والخال بكميات معتبرة من الخضر والفواكه، والجميع يساعد العريس وعائلته في جو من التآخي والفرح.

هي للأغنياء اختيار وافتخار.. وللفقراء حتمٌ واضطرار
ولمعرفة إجابة لهذا التساؤل قدمت “الخبر” استمارة إلكترونية لعدد معتبر من فئات المجتمع الجزائري، وقد أكد لنا عدد ممن قدمت لهم تلك الاستمارة أن الإجابة على هذا السؤال تختلف من عريس لآخر حسب مجموعة من المتغيرات، أولها متغير الوضع الاقتصادي للشخص، على غرار ما قالته لنا كل من لوزة وعلي ونسرين، إذ يرى هؤلاء أن أصحاب الدخل المرتفع يتجهون إلى مثل هذه القاعات من أجل التباهي والافتخار، وينتظرون مدح الأصدقاء والثناء عليهم، أما أصحاب الدخل المحدود فيتوجهون إلى هذه القاعات اضطرارا، نتيجة ضيق المسكن الذي يعيشون فيه من جهة، وتخفيف أعباء العرس من جهة أخرى، إذ تمنح قاعات الحفلات بمساحتها الواسعة الضيوف مكانا كافيا للجلوس وتناول العشاء في ظروف أحسن ومريحة، فضلا عن إعفاء أصحاب العريس من شؤون الطبخ وما يتعلق به، بعدما كان هذا الأمر يتعبهم كثيرا، ويجعل أفراد الأسرة، خاصة النساء، يعانون من الإرهاق والتعب لأسابيع.

أما السبب الثاني فيرتبط بطبيعة السكن من الناحية الجغرافية، ففي الوقت الذي يجد ساكنو القرى والمداشر ضالتهم في إقامة العرس عند أحد الجيران أو على الهواء، نتيجة توفر المساحة في الأرياف والقرى، يجد ساكنو المدن الكبرى أنفسهم محاصرين في أغلب الأحيان بالعمارات وضيق المسكن والشوارع والمرأب الذي يستعمله جل الجزائريين كبديل للغرف، ما يدفعهم للتوجه إلى قاعات الحفلات وإنهاء تلك المعاناة التي ترهق العريس والعروس وعائلتيهما، ونضع بين يدي القارئ هذه البيانات.

ولعل الشيء الملاحظ أن ضيق السكن أبرز سبب لتوجه الجزائريين نحو إقامة أفراحهم بقاعة الحفلات بنسبة 62,5% من مجموع المستجوبين، وهي النسبة التي تعطي إشارة واضحة لأزمة السكن التي يعاني منها الشعب الجزائري منذ مدة طويلة.

 أما الموضة وكسب ثناء الناس والتخلص من أعباء تنظيم العرس فقد احتلت المرتبة الثانية، كما كان هناك تباين واضح بين إجابات سكان القرى وإجابات سكان المدن، فسكان القرى يرون أن التوجه إلى قاعة الحفلات قصد إقامة الأفراح والمناسبات سلوك اضطراري بنسبة 100%، في حين سكان المدن يعتقدون ذلك بنسبة 66.67 % فقط من مجموع الأشخاص الذين تم استجوابهم.

الأسعار تختلف حسب نوع الخدمات وشهرة القاعة
بغرض معرفة أسعار كراء قاعات الحفلات للأعراس، توجهت “الخبر” إلى القائمين عليها، ووجدت اختلافا واضحا بين قاعة وأخرى حسب أقدمية القاعة ونوع الخدمات المقدمة، بالإضافة إلى شهرتها ومكان تموقعها. وقد تراوحت أسعار اليوم الواحد بين 4 و7 ملايين سنتيم بالنسبة لإحدى القاعات المنجزة حديثا، على الرغم من تأكيد مسؤول القاعة أن السعر غير ثابت ويتغير بحسب نوعية الخدمات وكذا الطلبات التي يتقدم بها الزبون، مشيرا إلى أن اقتناء السلعة وثمن الطباخ يكون على عاتق صاحب العرس، في وقت يتكفل مسؤول القاعة بتوفير موزعي الأطباق من الجنسين، فضلا عن توفير المطبخ وبعض الخدمات الأخرى المتعلقة بتسيير القاعة.

أما ب. عمر مسؤول قاعة حفلات أخرى أكثر خبرة، فأكد أن سعر الحجز بقاعته يترواح بين 7 و8,5 مليون سنتيم، وعن حجم الطلب وكذا الفترات التي تشهد طلبا متزايدا، قال ذات المسؤول إن فصل الصيف والعطل أكثر الأوقات التي تعرف إقبالا واسعا، مشيرا إلى أن بعض العرسان يقومون بالحجز قبل 10 أشهر من تاريخ العرس نتيجة الطلب الكبير.

أما قاعات الدرجة الأولى فإن الأسعار بها مختلفة تماما، مثلما أفاد به ج. عادل مسير وصاحب قاعة، والذي قال إن سعر القاعة التي يسيرها منذ 8 سنوات يبلغ 20 مليون للقاعة وحدها، في حين يتم احتساب الأطباق بحسب عدد الضيوف، بـ1500دج للشخص، كما تتكون الوجبة الواحدة من 9 أطباق، وبعملية حسابية صغيرة نجد أن 1000 ضيف يكلف قيمة 170 مليون سنتيم، منها 150 مليون سنتيم ثمن عدد الوجبات و20 مليونا ثمن القاعة. فضلا عن بعض المزايا المجانية كسيارات العرس وفرقة البارود والخيالة، والتكفل بكافة ملحقات العرس الأخرى.

تضامن قبل العرس بين العريس وعروسته
حتمت الأثمان وأسعار كراء بعض القاعات على العريس والعروس أن يقيما عُرسيهما في يوم واحد وفي قاعة واحدة، لتخفيف الأعباء المالية على الطرفين، بعدما كانت الأعراس التقليدية تعرف مكانين منفصلين للعرس الواحد، الأول في بيت العريس والثاني في بيت العروس، وقد ذهبت بعض العائلات الجزائرية إلى هذا الحل لاقتسام تكاليف القاعة بينهما، مثلما أكد “م.ب” الذي قال بأنه قام بدفع مبلغ 4 ملايين سنتيم، كما دفعت عائلة العروس ذات المبلغ وأقاما حفلا مشتركا حضره أفراد العائلتين، وهي الطريقة التي يراها الكثير مناسبة في ظل الارتفاع المحسوس في أسعار القاعات من سنة لأخرى.

قاعات على حواف الطرقات وأمام مفترقات الطرق ونقاط المراقبة
من يتحمل فوضى الرخص؟
يتساءل المواطنون في عدد من الولايات الشرقية عن المعايير الحقيقية التي استندت عليها المصالح الولائية لمنح رخصة الاستغلال وفتح قاعة للحفلات، البعض منها يتواجد في طرق سريعة وعلى حوافها، وبعضها أمام مفترقات الطرقات، وبعض آخر في قلب المدن، وقاعات أخرى أمام نقاط مراقبة أمنية، ما يخلق ازدحاما مروريا بسبب تواجد عدد كبير من المركبات، ويشكل خطرا على المارة وعلى المدعوين، ويحول ذاك المكان إلى مكان خطر لا مكان فرح، ولعل ما حير الكثيرين هو تواجد قاعات للحفلات أمام عيادات طبية ومؤسسات استشفائية، إذ يتأذى المرضى والأطفال الصغار من طلقات البارود التي تطلق من حين لآخر وفي أوقات متأخرة من الليل، وبطرق أشبه بكثير بحروب زمان.

وتحوّلت بعدها الأعراس في مناطق كثيرة من الوطن إلى أماكن خوف، بعد أن منحت السلطات العمومية والمختصة تراخيص واعتمادات لعدد معتبر من فرق الفانتازيا والبارود دون مراقبة لعملها ونشاطها وللأفراد المكونين لها، بما في ذلك أطفال صغار، وتسببت بعض تلك الفرق في تحويل أعراس بعدد من القاعات إلى مآتم بسبب سوء استعمالها البندقيات.

التسمم وطلقات البارود العشوائية هاجس أصحاب القاعات
 يدرك عدد لا بأس به من مالكي تلك القاعات ومسيريها أن الخطر الذي يحيط بهم عند كراء قاعاتهم لإقامة الأعراس والحفلات هي التسمم الغذائي الذي يفسد عليهم الأرباح التي يجنونها من تلك الأفراح، يضاف إلى ذلك الاستعمال العشوائي وغير العقلاني للبندقيات والأسلحة التي تستعمل فيها خراطيش قاتلة من قِبل أهالي العريس أو العروس، وغالبا ما يسبب تدخلهم مناوشات كلامية وحتى شجارات بينهم وبين من استأجروا القاعة، وهو ما جعل هؤلاء يطالبون السلطات المعنية بالقيام بدورات مراقبة وتفتيش من أجل التأكد من امتلاك رخص خاصة بمزاولة هذا النشاط وتوفرها على الوثائق اللازمة، فضلا عن توفر أدوات الوقاية والسلامة وتوفر شروط النظافة، وهذا من أجل سلامة وأمن الزبون، وتفادي الوقوع في أزمة التسمم الجماعي، خصوصا في موسم الصيف، وتحديد مسؤولية كل طرف من خلال إعلام الهيئات المختصة كمصالح الأمن والحماية المدنية قصد الاستعداد لأي طارئ في حال حدوثه، لاسيما مع التساهلات التي يظهرها القائمون على هذه القاعات بشأن رخص حمل السلاح وإطلاق الرصاص في الليل.


شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول