حمام بني هارون.. الجنة المنسية

روبورتاجات
22 يوليو 2016 () - ميلة: بوطلاعة رشيد
0 قراءة
+ -

كثيرا ما تستوقف المرءَ مواقعُ سياحية أخاذة تسيطر على وجدانه وعقله، وتأسره بجمالها وسحرها، فيتعلق بها ويتمنى زيارتها مرات ومرات، ولا شك أن مشاعر الإعجاب تلك تسكن النفس بفعل تنوع العناصر التي شكلت الصورة الجميلة  وتولِّد العشق الطبيعي. حمام بني هارون أحد تلك المواقع النادرة في الجزائر التي كلما زرتها ازددت حبا وهياما بها، وأصررت على زيارتها ثانية وثالثة، كما أنك لن تستطيع أن تتجاهلها وأنت تقصد وجهة عبرها، فكل شيء فيها يتحداك ويدفعك لاكتشاف أسرار سحرها، وأخذ قسط من الراحة
في مرتعها الجميل، والاستمتاع بهوائها النقي.

 رائحة شوائها اللذيذ تنفذ دون استئذان إلى أعماقك تستفز حمى النهم فيك، وتستنفر معدتك مسيلة لعابك، وكأنها تدعوك على استحياء لمأدبة غذاء أو عشاء شوائية خالصة، ومن دون أن تشعر تجد نفسك ملبيا للدعوة بكل ارتياح وطيبة نفس.

طبيعة ساحرة وموقع أخاذ يشد الأنظار، يأسر القلوب ويحرك الوجدان ويسحر العقول ويلهم الشعراء، إنه الإبداع الإلهي يتجلى في صور الطبيعة الخارقة الجمال.
حمام بني هارون، هذه البقعة التي استلقت بين جبلين وكأنها تحتمي بهما، وهَبها ذلك الموقع وقارا وهيبة وأهداها خضرة دائمة على مدار السنة، وأسدل عليها وساما من الرونق والهدوء، يمتد أسفلَها وادٌ رقراق يغازلها بمياه تنافس الفضة في صفائها، وتسابق الريح في مجراها، مياه تسخو بعذوبتها على الجميع، فالكل يقصدها لغرضه، فهي مورد شرب للبعض ومصدر سقي للفلاحين، ومقصد للحيوانات التي تروي ظمأها منها ومسبح للشباب صيفا، ومرتع للصيادين الذين يجدون فيها فضاء للغوص بصناراتهم في أعماق الحياة.

تحيط بالحمام جبال راسيات تحاول بشموخها معانقة السحاب ومناطحة السماء، تحاصر المكان وتحفه بصخورها الثابتة حفاظا منها على عذرية الطبيعة وسرمدية سحرها.

الحمام فقد بريقه
الجبال والوادي ورقرقة المياه ولذة الشواء عناصر تصنع لوحات طبيعية ساحرة وتسرق أجمل اللحظات من الزوار، لكن الحمام المعدني بمياهه ذات الصبغة الاستشفائية زادها شهرة وأكسبها المكانة المرموقة في القلوب وجعلَها محجة لكل الناس، يتوافدون عليه من كل حدب وصوب للاستمتاع بمياهه الدافئة يعالجون أمراضهم وعللهم المختلفة، قبل أن تمتد إليه يد الإنسان وتذهب بمنافعه وتحرم الآلاف من الزوار من الانتفاع بسره وسحره.

بجوار الوادي يقع الحمام المعدني بمياه ذات خصوصية استشفائية، هو قديم يعود إلى ما قبل الاستعمار الفرنسي، لكن استغلاله كان بعد الاستقلال أكثر، حيث أقيمت حوله مبانٍ بسيطة استُعملت كمراقد للزوار وأحاطت به محلات للشواء، في ديكور جذاب يسر الناظرين، وكان ينقسم إلى جهتين، شق للرجال وهو الأصغر وآخر للنساء فسيح واسع، لكن وبعد أن أقيم سد بني هارون حلت بالحمام كارثة أتت على كل تلك المباني بعد فتح منافذ السد، كما قامت الولاية بهدم الحمام إثر صراع بين بلدية حمالة المالك الشرعي للحمام وأحد المستفيدين من مشروع مركب سياحي، والضحايا هم المواطنون الذين افتقدوا إلى خدمات الحمام. “ذهب الجمل بما حمل” ولم يبق منه سوى بقايا مبانٍ ومساحات مائية يقصدها بعض الرجال للاستمتاع بالمياه المعدنية الدافئة.

حمام بني هارون عُرف قبل كل شيء كحمام استشفائي، قبل أن يذيع صيته في الأفق بمشروع القرن الذي أخرج المنطقة من عزلتها، ألا وهو سد بني هارون البحيرة الزرقاء التي حولت المنطقة إلى شبه جزيرة، جلبت معها طيورا متعددة الأشكال والألوان وزادت المكان جمالا ورونقا، ليكون إلى جوار تلك اللآلئ وكأنه حبات تبر في عقد، زاده بهاء وسناء جسرُ وادي الديب المعلق الذي كان كالعقد في عنق الحسناء.

شواء بني هارون علامة مسجلة
تشتهر منطقة حمام بني هارون بمناظرها الخلابة، لكن ما سجل اسمها أكثر في مذكرات ومفكرات السيح دون شك هو شواؤها اللذيذ، شواء بني هارون تعدت شهرته حدود الوطن، وصار مضرب المثل في مذاقه، ومقصد عشاق الشواء من كل ربوع الوطن، الأكيد أن كل من تذوق لذة شواء بني هارون فلن يستطيع الصبر حتى يعود إليه ويستمتع بمذاق ليس له مثيل. لكن الغريب هو سر تلك اللذة التي لا تجد لها نظيرا مهما اجتهد “الشوايون” في كل مكان، وما أكثر من حاولوا لكن لم يوفقوا فراحوا يلتمسون تلك اللذة من خلال الاستئناس بالتسمية ورفع لوحات على مداخل مطاعم تحمل عنوان “مطعم بني هارون” في العاصمة وعنابة ووهران وفي كل جهات الجزائر، في مسعى إشهاري لمأكولاتهم وشوائهم، لكن المؤكد أن سر “بنة” شواء بني هارون لا تنتقل مع صاحب المطعم ولا مع اللحم، وإنما سر تلك اللذة أن الشواء يبقى في بني هارون حتى ولو تنقل صاحبه إلى وجهة أخرى.

وبحثا عن سر ذلك تباينت الآراء واختلفت التفسيرات، لكن الأرجح أن لذة شواء بني هارون ناتجة عن اجتماع عوامل وشروط هي اللحوم التي مصدرها عجول المنطقة التي تسرح في الطبيعة، وهواؤها النقي وطريقة الشواء ومدته، واليد التي تسهر عليه. كل ذلك يعطي ذوقا مميزا للشواء.

يقول محمد أحد أصحاب الصنعة بحمام بني هارون “الشواء عندنا هو مصدر عيشنا وتجارتنا، نتقنه ونحرص جيدا على أن يكون مذاقه مرضيا للجميع حتى تستمر تجارتنا”. ويؤكد أن المترددين على محلاتهم يأتون من بعيد “ما أكثر الذين يقصدون الحمام بهدف تناول وجبة غذاء أو عشاء بالشواء، من الشرق ومن العاصمة ومن الغرب حتى، لاسيما في أوقات العطلة الصيفية، ومنهم من يأتي خصيصا لتذوق شوائنا”.

الشواء هو مصدر عيش وحيد بالنسبة لمحمد ورفقائه من أصحاب محلات الشواء، هذه المحلات التي اصطفت متجاورة تؤسس لتقاليد الشواء، ولا طعم يعلو فوق طعم الشواء، بدخانها المتصاعد الذي يكاد يخفي صفاء السماء، فيه لذة للزائرين، ولا تكاد تعثر على شواء “الداند” أو ما يعرف “السكالوب” الذي انتشر في العشرية الأخيرة، فلحم العجل هو الأساس في مطاعم الشواء ببني هارون.

هذه المحلات التي بدأت غاية في البساطة، فقد كانت عبارة عن “براكات” من الصفيح، قبل أن يجتهد أصحابها في تحسينها وتوسيعها واستبدالها ببناءات حديثة ومطاعم فخمة تماشيا مع متطلبات العصر وروح المنافسة، فأصبحت تقدم أطبقا حديثة وعصرية، غير أن الشواء يبقى الطبق الأساس عند الزبائن. ويؤكد فريد “أقصد بني هارون من أجل الشواء وفقط، لأن الأطباق الأخرى أجدها أينما حللت، بينما شواء بني هارون لا يوجد إلا في بني هارون”. هي شهادة تثير في الآخرين الرغبة في اكتشاف المكان والذوق الرفيع لشواء متميز.

القرارم قوقة هي الأصل
تاريخيا بلدية القرارم قوقة هي الأصل والموطن الأول للشواء اللذيذ، حيث كانت مطاعم الشواء بالقرارم قوقة تصطف متلاصقة تقدم ما لذ وطاب من الشواء، مقصودة من كل الشرق الجزائري، وكان الدخان يملأ فضاء “الفيلاج” ويغرقه بالروائح اللذيذة، واشتهر حينها عدة شوايين، منهم سي محمود وبلقايدي والشربي رحمهم الله، والبارا الذي لا زال يواصل رحلته مع الشواء، قبل أن تسرق منها حمام بني هارون الحرفة وسر اللذة والصنعة، لينتقل الشواء بعد ذلك إلى الحمام، وساعد على ذلك شق طريق اجتنابي بالقرارم قوقة، بحيث لم يعد على مستعملي الطريق دخول المدينة، ما جعل الشواء يهجر المدينة على مسافة تبعد 15 كم، ويحط الرحال بالحمام الذي عض أصحابه بالنواجذ على صنعة أكسبتهم الثروة والرخاء.

ويبقى الهاجس الأكبر الذي يهدد كيان هذا النشاط هو تلك الزيادات المتسارعة في الأسعار التي لقيت انتقادات كثيرة من الزبائن الذين اعتبروا الأسعار غير معقولة، حيث يقدر سعر الوحدة بـ35 دينارا، والمطلوب سعر أقل، يقول بعض المترددين على هذا الطبق الذي يأتيه عشاقه من كل جهة.

الفخار..الوافد الجديد
انتشرت مؤخرا من حوالي 10 سنوات تجارة لم تكن معروفة بالمنطقة ألا وهي تجارة الفخار، حيث انتقل هذا النوع من التجارة تدريجيا إلى حمام بني هارون ليزيد المكان جمالا ويضيف له خاصية سياحية، ما حوَّله مع مرور الزمن إلى عاصمة لبيع الفخار، ويسترق في هدوء تام الصنعة من أهل القبائل الموطن الأصلي لهذا النشاط، وقد تعددت نقاط البيع وتنافس التجار في عرض أجمل الأواني الفخارية وأغلاها، فأصبح الحمام محجا لكثير من السياح الذين يجدون الأواني التقليدية التي يبحثون عنها، لينتشل هذا النشاط الكثير من شباب المنطقة من أوزار بطالة قاتلة، ويخلق نشاطا اقتصاديا متميزا لأبناء الحمام.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول