38serv

+ -

غضب كبير يعتمر صدور عمال المنطقة الصناعية بالرويبة، فهم يرفضون بالمطلق التدابير المعلنة في مجلس الوزراء الأخير، حول منظومة التقاعد، ويقولونها بـ”الفم المليان”: “لا نقبل العمل أكثر من 32 سنة، لا نقبل العمل فوق 60 سنة، لن نسمح بمعاشات بنسبة أقل من 80 بالمائة من أجورنا الحالية”. ثلاثة مكاسب اجتماعية تبدو مهددة تماما بالزوال مع مشروع القانون الجديد. لا حديث في المنطقة الصناعية للرويبة إلا عما يجري ترتيبه للعمال بخصوص حق التقاعد، فعلامات الحزن والقلق بادية على الوجوه المنتفخة بحمرة الغضب الشديد. الكل في هذا المكان يفتش عن مصيره ومستقبله بعد إلغاء الحق في التقاعد النسبي والحق في التقاعد دون شرط السن. الآلاف من العمال سيكون عليهم تمضية أعوام أخرى، بعد أن كانوا يحضّرون أنفسهم للخروج والاستفادة مما حصدته سنين عملهم من اشتراكات لفائدة صندوق التقاعد.يقول أحد نقابيي شركة سوناكوم، وهو يذرف دموعا حارة: “لم أكن أتصور وأنا الذي كنت معتقدا أن بيني وبين التقاعد سنتين فقط، أن يتم إجباري على العمل سنوات أخرى. ليس بإمكاني الصمود أكثر في هذا المكان الذي أفنيت فيه شبابي وزهرة عمري”. يصمت قليلا ثم يوجه صرخة “مظلوم” للحكومة: “اتركوني أرتاح فأنا قدمت ما علي للوطن، لا أظن معاشي البسيط ستفكون به أزمتكم.. انتبهوا إلى أصحاب الأموال الذين لا يدفعون حتى الضرائب وأنتم عنهم صامتون”..بجانب هذا النقابي الذي يشكو الاضطهاد ويرفض ذكر اسمه، كان يجلس مسعودي مقداد، ممثل الاتحاد المحلي في المركزية النقابية لمنطقة الرويبة، في مقره، وعلامات التوتر بادية عليه من كم السجائر التي كان يتداول عليها. قال بحسه الساخر الذي لا يخلو من رسائل إلى السلطة: “انظر إلى تلك المغنية التي قدمت إلى الجزائر مؤخرا وغنت لساعة فقط.. لقد أخذت 4 ملايير سنتيم.. وأنا الذي “طاحو كتافي” من العمل لمدة 32 سنة يحرمونني من التقاعد، بحجة عدم وجود الأموال!”. حالة من الفوضى تنطلق في القاعة، بعد هذا المثال الذي تفاعل معه النقابيون وانطلق كل واحد منهم يضرب كفيه مرددا عبارات من قبيل “عندك الحق.. والله مايحشمو..”. يستعيد مسعودي الكلمة بعد جهد ليواصل حديثه مكذبا كل الحجج التي تدعيها الحكومة حول وجود ضرورة مالية لإلغاء التقاعد النسبي والتقاعد دون شرط السن.يحاول ممثل الاتحاد المحلي أن يستعمل نفس لغة الأرقام التي يرددها وزراء الحكومة، فيقول: “حججهم كلها باطلة وليست لها مصداقية، فالاشتراكات التي يدفعها العمال فيما يخص التقاعد المسبق هي في حدود 12 مليار دينار، بينما ما يدفع لمن يستفيدون من هذا النوع من التقاعد لا يتجاوز 240 مليون دينار.. لدينا إذن 9.6 مليار دينار فائض.. فأين هي؟”.مثال آخر يسوقه مسعودي في ظل انتباه شديد من باقي زملائه: “لدينا أيضا صندوق التأمين على البطالة الذي يدفع له العمال شهريا 0.5 بالمائة من أجورهم، وقد دخل هذا الصندوق 181 مليار دينار منذ 2001، بينما لم يدفع سوى 9 ملايير دينار في إطار مهمته، والباقي 172 مليار دينار، وجه لتمويل مشاريع “لاكناك” للشباب التي لا تنفع في شيء، فما ذنبنا نحن حتى يقتطع من أموالنا ويعطى لمشاريع فاشلة ثم يقولون لنا لا توجد أموال”..يستمر ممثل الاتحاد المحلي في دحض حجج الحكومة التي تتحدث عن عجز الصندوق الوطني للتقاعد، ويذكر هذه المرة قضية المنح العائلية..”الدولة تعطي أكثر من 40 مليار دينار سنويا على شكل منح عائلية للعمال.. لكل العمال حتى أولئك الذين يعملون في هاليبرتون والشركات متعددة الجنسيات.. ألسنا نحن أحرى بهذا المبلغ الضخم؟”... يتساءل مخاطبا رفاقه النقابيين الذين ردد أحدهم: “ثم لماذا نحن فقط؟ لماذا لم نسمع عن صندوق التقاعد الخاص بالإطارات العليا يوما أنه في حالة عجز؟”.“المهن الشاقة” فخ فاحذروه!أثناء الأخذ والرد معهم، بدا ممثلو عمال المنطقة الصناعية بالرويبة، رافضين كل ما جاء في مشروع القانون الخاص بالتقاعد، حتى ذلك الاستثناء الخاص بأصحاب “المهن جد شاقة”. هذا الموضوع يقول أحد نقابيي مؤسسة “الإنارة” إنه يراد به تفريق العمال، فالكل يعتبر نفسه يمارس مهنة شاقة.. ما هو الفرق بين من يعمل في مركب الحجار أو في حقل بترولي أو يمارس التعليم ويتعرض للضغط النفسي والعصبي؟ الكل يمارس الأعمال الشاقة في الجزائر، لذلك الاستثناء مرفوض، والحل في إعادة الحق المكتسب بالتقاعد النسبي ودون شرط السن أيضا.يرد نقابي آخر من مؤسسة للإنشاءات “باتيسيم”، على موضوع “الأعمال الشاقة”، قائلا: “ليتهم قالوا الأعمال الشاقة فقط.. ما جاء في بيان مجلس الوزراء يتعلق بالمهن “الجد” شاقة.. ثم ما هو التصنيف الذي يمكن أن يقدموه لهذه المهن..إذا كانوا إلى اليوم عجزوا عن تصنيف الأمراض المهنية، فكيف يدعون إمكانية تصنيف المهن إلى شاقة وغير شاقة!”. أكبر الضحايا هم العمال البسطاءوبلسان الخبير، يؤكد الإطار النقابي السابق، بودربة نور الدين، مدى الضرر الفادح الذي سيلحق بالعامل البسيط نتيجة هذا القرار، من خلال دراسة مبنية على الأرقام والإحصائيات. يوضح قائلا: “العامل البسيط الذي دخل عالم الشغل في 19 سنة دون شهادة.. الأكيد أن مهنته ستكون بسيطة.. هذا العامل في سن 60 سنة سيكون قد دفع اشتراكات 41 سنة، فكيف لا يسمح له بالتقاعد دون شرط السن؟”.وعند التدقيق في الإحصائيات، يضيف بودربة، الذي أظهر تحكما كبيرا في الموضوع: “نجد أن معدل حياة العامل البسيط أقل بـ7 سنوات من الإطار في المؤسسة، وهو بذلك يدفع اشتراكات أكثر بـ10 سنوات من الإطار ويستفيد أقل منه بـ7 سنوات من المعاش.. بذلك سيصبح التقاعد دون معنى لهؤلاء العمال البسطاء، ويصح أن نطلق عليه “تقاعد الموتى”، كما كان العمال يسمونه في فرنسا في بدايات القرن الماضي”.ببساطة يلخص هذا الخبير المشهد في قصة مؤلمة وطريفة في الآن نفسه.. حال هؤلاء العمال المساكين يشبه ذلك الذي ذهب إلى الطبيب فقال له بعد الكشف عليه.. لدي لك خبران: الأول سار والآخر ليس كذلك.. الأول هو أنك مصاب بالسرطان، والثاني أنك لن تعاني طويلا لأنك ستموت قريبا!

مقال مؤرشف


هذا المقال مؤرشف, يتوجب عليك الإشتراك بخطة الممتاز+ لتتمكن من الإطلاع على المقالات المؤرشفة.

تسجيل الدخول باقة الاشتراكات
كلمات دلالية: