بين الدولة والشعب.. أسوار وأسلاك شائكة

روبورتاجات
29 يوليو 2016 () - روبورتاج: نوار سوكو
0 قراءة
+ -

تحولت منطقة نادي الصنوبر وموريتي (إقامة الدولة) إلى محمية بامتياز كبير، يسري عليها قانون الأقربون أولى بالمعروف، هذه المنطقة دخلت مرحلة أخرى من الاستغلال بعد أن انتهت سنوات الجمر الموروثة عن الإرهاب، بدليل أنه يسري عليها إجراءات أمنية تضمنها “المحيط الأمني الجديد” لإقامة الدولة، تحظر على سكانها والذين يجرؤون على الدخول إليها ممارسة أي نشاط، ما جعل الحياة السائدة فيها تدخل مجال السرية التامة، من ذلك الأشغال الجارية بداخلها من قبل بعض الشركات لإنجاز مرفأ سياحي “مارينا”، أي أن الذين يخططون لهذه المنطقة يريدون إضفاء البعد الثالث للرفاهية لأول مرة على نادي الصنوبر وموريتي، على نحو يضمن خصوبة أكبر لعلاقات القوة والسلطة، ما يطرح تساؤلا عما إذا كان هناك مستقبلا محيط أمني جديد للمنطقة قد يفرض على باقي الجزائريين تأشيرة الدخول إليها، أم أن إقامة الدولة بشواطئها ومرافقها ستفتح في وجه الجزائريين الذين ألِفوا همجية عصابات الشواطئ.

 

قادت المجازر والمداهمات الليلية والكمائن المزيفة التي بدأت مطلع تسعينيات القرن الماضي السلطات الجزائرية إلى تحويل نادي الصنوبر وموريتي إلى إقامة دولة، أي إلى محمية، سنة 1993، تؤوي كبار رجال وإطارات الدولة الجزائرية من رؤساء حكومات وجنرالات ووزراء ونواب وشخصيات سياسية وأفراد من أسرة المجاهدين وحتى صحافيين، يقيمون في فيلات وفنادق محمية رفقة عائلاتهم.
وآمنهم من جرائم الإرهاب
لكن الحماية التي أضفيت على منطقة نادي الصنوبر، في ظل وصول أعداد أخرى من إطارات ورموز الدولة إلى هذه “المحمية” تحت ضغط الخوف من الإرهاب، جعل المنطقة تشهد من سنة لأخرى أشغال توسعة وتأمين لإقامة الدولة، على نحو جعلها تتحول إلى بقعة معزولة عن الجزائر تماما، خاصة بعد أن أُضفي عليها شيئا فشيئا طابع السرية، بالنظر إلى الإجراءات التي كانت تميز محيطها الأمني، لتصبح المنطقة محرمةً على باقي الجزائريين. ومع ذلك،كان كثير من شباب سيدي فرج وسطاوالي والعاصمة وحتى عدد من “البقارة” أصحاب الشكارة الباحثين عن اللهو يجدون، إلى غاية نهاية التسعينيات، سهولة في الدخول إلى نادي الصنوبر وموريتي للاستمتاع بلياليها المجنونة، بالنظر للحانات والملاهي التي كانت تزخر بها، وقضاء أيام على شواطئها، فقد عرف هؤلاء كيف ينسجون علاقات مع أبناء ذوي النفوذ من أبناء وزراء ونواب ومديرين مركزيين، ونجحوا إثرها في الحصول على “بطاقات” الدخول إلى نادي الصنوبر وموريتي، فيما اهتدى آخرون إلى شراء هذه البطاقة آنذاك بمبلغ 5000 دينار.
شواطئها كانت محجا للعائلات
شكَّل نادي الصنوبر وموريتي نقطة استقطاب هامة لهؤلاء الشباب وحتى أصحاب “الشكارة” إلى مطلع الألفية، لأن الحياة بهذه الضفة من الجهة الغربية للعاصمة كانت “مغرية” بنوعية الحياة السائدة فيها، حيث الملاهي الممتدة على طول شريط شواطئ موريتي المكتملة مع شواطئ نادي الصنوبر التي لا تغلق أبوابها حتى الصباح، ناهيك عن الحانات المعروفة بسطوحها التي يعانق بعضها أمواج البحر، ويكتمل المشهد مع السهرات المخملية التي تقام هناك.
فالليل في نادي الصنوبر وموريتي كان يوفر اللهو والترف والملذات، عكس الأجواء العامة التي كانت تميز ليل العاصمة الذي يسدل ظلامه عند السابعة مساء، بعد أن راحت الملاهي والحانات تغلق أبوابها من يوم لآخر، حتى أصبح ليل العاصمة يتيما يهرب من فراغه شبابُ المدينة باتجاه مدن أخرى بحثا عن اللهو والزهو، نزولا عند مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه “إن في داخل كل إنسان طفلا يريد اللعب”.
على هذا النحو تمكن نادي الصنوبر وموريتي من احتلال مكانة امتيازية في مخيلة كثير من شباب الجهة الغربية للعاصمة وبعض الولايات، الحالمين بزيارتها للاستمتاع بلياليها والاصطياف في شواطئها، بعد أن زحزحت معالم كثيرة كمقام الشهيد وباتت وجهة مفضلة للحالمين بزيارتها، خاصة أن المكان قل أن تجد فيه شوشرة الأطفال والضجيج، لذلك فصورة نادي الصنوبر في مخيلتهم مرادفة للفخر ورمز للسلطة والقوة.
كان المكان خلال الثمانينيات وجهة مفضلة للعديد من العائلات الجزائرية التي يستهويها البحر، واستنادا لبعض سكان سطاوالي، كان بوسعها أن تؤجر بدخلها المتواضع “شالي” أو “بنغالو” لعدة أسابيع بهذه القرية السياحية العامرة بالشاليهات، الفيلات، البنغالوهات، إلى جانبها حانات وملاهٍ ومطاعم وساحات للعبة التنس وسطوح، وقبالتها تتراءى لك موريتي، حتى أن هؤلاء السكان يشهدون أن شهرة نادي الصنوبر يعود إلى ملاهيها وحاناتها.
محيط أمني جديد لـ “المحمية”
نخبة السلطة في الجزائر وحتى بعد نهاية الإرهاب والعنف في البلاد كان يستهويها السكن بنادي الصنوبر على نحو لافت، ولم يغادر عدد كبير من رموزها إقامة الدولة، بدليل أن أشغال تأمين المنطقة تواصلت بشكل جدي، والدليل على ذلك أن أحمد أويحيى أقر سنة 2010 بصفته رئيسا للحكومة، ضبط “محيط أمني” جديد لحماية “إقامة الدولة”، تضمنه المرسوم التنفيذي رقم 10-316 الصادر في 21 ديسمبر 2010، يؤسس ويحدد نطاق محيط حماية إقامة الدولة، وكذا ضبط قواعد الأمن والسلامة المطبقة داخل هذا الفضاء، ويشمل منطقة برية وأخرى بحرية، على أن يضمن حماية “محيط الحماية” والي الجزائر. وبين الإجراءات التي أقرها المرسوم “يمكن أن يكون كل بناء أو منشأة أو نشاط موجود داخل محيط الحماية من شأنه أن يشكل خطرا أو عائقا على أمن وسلامة إقامة الدولة، يمكن أن يصبح موضوع تحويل أو ترحيل أو تعديل أو هدم”، وهي إشارة واضحة موجهة لعدد من أصحاب الفيلات الكولونيالية الذين يقطنون هناك منذ الحقبة الاستعمارية، أو تحصلوا عليها مباشرة بعد الاستقلال. كما “لا يجب أن تشكل النشاطات الفلاحية وزراعة الأشجار المثمرة المتواجدة داخل المحيط تهديدا أو ضررا للإقامة”. وتشير المادة 10 من المرسوم إلى أنه يمنع في المناطق الموصوفة بالحساسة الواقعة داخل محيط الحماية “تنصيب أجهزة اتصال سلكية أو لاسلكية، وكذا ممارسة نشاطات الصيد البحري والسباحة تحت المائية (الغوص)، الرياضات البحرية، التحليق فوق محيط الحماية بواسطة المظلات والبالونات، وكذا رسو المراكب البحرية”.
ويقول بعض من شغلوا وظائف متنوعة بإقامة الدولة إن المنطقة صارت مطبوعة بالسرية التامة أكثر من أي وقت مضى منذ أن تم الإعلان عن الإجراءات الجديدة لـ “المحيط الأمني” الجديد لإقامة الدولة. ويعني ذلك أن هذه الإجراءات قد وضعت حدا لبعض التقاليد التي دأبت عليها حتى بعض رموز السلطة المقيمة بنادي الصنوبر، وهي تربية المعز أو الدجاج، بعد أن فضل آخرون زراعة بعض الخضروات والفواكه، لتتحول إقامة الدولة إلى مكان أكثر أمنا وتخصيبا لعلاقات القوة والسلطة في الجزائر، نظرا لصناع القرار المقيمين بها، فهي ليست مكانا بسيطا بقدر ما هي مكان لبلورة و “تخليق” علاقات القوة بين دوائر صنع القرار.
ففي نادي الصنوبر تتمظهر وتختفي الحروب الخفية بين هذه الدوائر، وتُنسج الانقلابات وتبنى السيناريوهات المحتملة لترقية من هم أولى بالمعروف، والإطاحة بمن تراهم غير قادرين على خدمتها.
المنطق المتبع في حماية وتأمين إقامة الدولة التي تشمل نادي الصنوبر وموريتي، لاسيما بعد تسخير أرمادة من رجال الأمن لحراستها (درك،شرطة، عناصر استعلامات..) يقود إلى طرح تساؤل آخر عما إذا دخلت هذه “المحمية” في عداد المناطق المبرمجة لأن تصبح (ملكيات) خاصة؟ وما هي خلفية ضبط هذا “المحيط الأمني” الجديد؟ ولماذا تم اتخاذ تلك التدابير والإجراءات الأمنية؟
في سرية تامة
يقول شهود عيان ممن زاروا نادي الصنوبر وموريتي منذ نحو أسبوع، إن أشغال حفر وتهيئة لا تزال جارية داخل الجدران العالية في سرية تامة من قبل شركة صينية وأخرى إيطالية، بعد أن تم ترحيل عشرات السكان والتجار من موريتي ومحيط نادي الصنوبر خلال السنوات الأربع الماضية، من بينهم أصحاب مطاعم ومحلات للمواد الغدائية وحانات وملاهٍ. ويشير هؤلاء الشهود إلى أن الأصداء القادمة من داخل الجدران العالية تقول إن الأشغال قطعت مرحلة متقدمة على طريق إنشاء مرفأ بحري للاستجمام والتنزه. فيما يفيد مهندسون معماريون وطوبوغرافيون بأن المشروع مغلق ومحاط بسرية تامة، لأنه لا أحد علم أو سمع بالكيفية التي تم بها الإعلان عن صفقة المشروع، والذين خططوا ونظروا له يعتزمون بناء قاعة كبيرة للمؤتمرات، فيلات، مركزا تجاريا، فنادق صغيرة، وميناءً للاستجمام والتنزه.
على ما يبدو، فإن الدراسات الخاصة بإنجاز هذه المرافق لم تراع الطبيعة الجيولوجية والجغرافية، باعتبار أن هذه البناءات يجري إنجازها على بعد أمتار فقط من البحر، في حين تحددها المعايير الدولية بـ40 مترا من الماء، على أن يتم دراسة التربة بشكل دقيق.
مرفأ لليخوت
إنجاز مرفأ بحري بهذه “المحمية” يأخذ شكل المرافئ السياحية في أوروبا وفي بقاع أخرى من العالم، تمكن طبقة “نموكلاتيرا” وأبنائهم من التنزه والتجوال على متن اليخوت، ما يعني أن نادي الصنوبر وموريتي سيدخلان البعد الثالث للرفاهية، بعد أن يتحولا إلى وجهة مغرية تصنع اللهو والمرح والمتعة، أي تعفيهم وتعفي أبناءهم من التنقل إلى بلدان أخرى.
وفي انتظار اكتمال صورة وملامح هذه “الجمهورية” الآخذة في التشكل، هل سيلتفت رئيس حكومة آخر من حوله ويقرر رسم محيط أمني جديد لحماية هذه “الجمهورية”، عبر إجراءات أمنية أكثر صرامة تفرض على باقي الجزائريين تأشيرة الدخول إلى شواطئها والولوج إلى مرفئها؟ أم أن الجدران العالية لهذه “المحمية” ستهدم وتفتح “المارينا” لباقي الجزائريين الذين تعودوا على همجية العصابات التي انفردت بالشواطئ وفرضت منطقها على الصغير والكبير.
مواطنون أم “أهالي”؟
اليوم، ما عاد نادي الصنوبر وموريتي يستهويان الشابين مصطفى ونبيل، أحدهما من سطاوالي والآخر من القرية في الشراقة، كانا يعشقان ليل نادي الصنوبر وموريتي ويترددان على شواطئهما صيفا، لكن “بعد طرد أصحاب المطاعم والحانات والملاهي فقد المكان جاذبيته”، يقول مصطفى، وقاطعه نبيل “ومع ذلك، يقبل بعض الدخلاء اليوم بشراء بطاقة الدخول (الباج) إلى إقامة الدولة بسعر يقدر بـ20 ألف دينار”.
لكن الشابين اللذين عرفا مقاعد الجامعة لم يستسيغا المنطق الذي أغلقت به شواطئ نادي الصنوبر وموريتي في وجه سكان المناطق المحاذية لهما، حتى أن مصطفى الحاصل على شهادة عليا في التاريخ يعترف بأن الحماية المحاطة بإقامة الدولة اليوم تذكِّره بما قرأه في بعض المخطوطات التاريخية، أنه خلال الحقبة الاستعمارية منع المعمرون الأهالي من عرب ومسلمين من دخول الأحياء والشوارع الراقية بالعاصمة كشارع “ميشلي” (ديدوش مراد) وشارع “إيسلي” (العربي بن مهيدي) وأحياء أخرى عبر بعض المدن الجزائرية، باعتبار أن المعمرين كانوا ينظرون إلى هؤلاء “الأنديجان” على أنهم متخلفون لا يعرفون التمدن والحضارة وتوابلها المتمثلة في مظاهر الرفاه الاجتماعي.
وفي غمرة ذلك، يتساءل نبيل عن نوعية القانون الذي يسري على هذا النوع من المحميات (إقامة الدولة)، خاصة أن نادي الصنوبر وموريتي مازال يقيم فيهما أشخاص لا يشغلون أي مسؤولية في دواليب الدولة، ومع ذلك يقيمون في فيلات وشاليهات منذ سنوات، ما يطرح تساؤلات عما إذا كان القانون يسري على كافة المسؤولين والأشخاص أم أن المنطق المعمول به هو “البقاء للأقوى” مادام هناك مبجلون ومدللون؟ لأن منطق مبايعتهم للسلطة يختلف عن باقي الولاءات المعلنة، خاصة أن بعض العارفين بحيثيات ما يجري في إقامة الدولة يقولون إن القانون يسمح لهؤلاء المسؤولين بالبقاء لمدة سنتين فقط عند نهاية مهامهم. لكن لأي قانون يخضع هذا النوع من الإقامات؟
يجيب المحامي نور الدين أوزناجي “من حيث الوعاء العقاري الذي بنيت فيه إقامة الدولة منذ زمن الرئيس الراحل هواري بومدين، نقول هي أرض فلاحية، وتمت توسعة هذا الوعاء سنة 2010 فوق قطعة أرضية تابعة للخواص وذات طبيعة فلاحية تتشكل من عدة تعاونيات فردية وجماعية”. وتابع المحامي “إلا أن إدارة أملاك الدولة باشرت ضد الفلاحين الملاك إجراءات نزع الملكية للمنفعة العامة، وأنجزت مكانها فيلات رئاسية فخمة لفائدة رؤساء الجزائر السابقين، الشاذلي بن جديد، علي كافي، بن بلة، فيما رفض الرئيس زروال استلامها، بالإضافة إلى سكنات لإطارات سامية في الدولة”.
ويرى المتحدث أن هذه المنطقة “تخضع لقانون أملاك الدولة وتسيرها رئاسة الحكومة، وهذه السكنات التي تسلم لمختلف الإطارات والمسؤولين هي سكنات امتيازية تسدد مصاريفَها المختلفة المؤسسات العمومية”. ويوضح المحامي نور الدين أوزناجي أن “منح هذه السكنات يخضع لاعتبارات سياسية وأمزجة، من هؤلاء من يجبرونه على مغادرة الإقامة بعد نهاية مهامه، ومنهم من لا يزال هناك رغم نهاية مهمته، بل يتواجدون حاليا في بلدان أوروبية وفيلاتهم مغلقة، وهذا النوع من الأشخاص ربما لا تزال السلطة في حاجة إليهم”. في إقامة الدولة “يوجد مواطنون يقيمون في فيلات منذ الحقبة الاستعمارية، إلا أن المرسوم الذي رسَّم محيط الحماية الجديد للمنطقة قيَّد حرية تصرف هؤلاء في ملكيتهم وفق دفتر الشروط المحدد في المرسوم، فوجدوا أنفسهم محاصرين بترسانة قانونية، الممنوعُ فيها أكثر مما هو مسموح”.
بينما يرى المحامي عمار خبابة أن إعطاء المنطقة صفة إقامة الدولة هو بهدف إخراجها من المخططات التابعة لوزارة السياحة، البلدية والولاية، والمواطنون لم يسبق لهم أن حركوا دعوى قضائية بشأن منعهم من دخول شاطئ موريتي ونادي الصنوبر، وحتى جمعية حماية المستهلك لم يسبق لها أن تأسست كطرف مدني للمطالبة بتوضيحات بشأن منع المواطنين من دخول هذه الشواطئ.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول