"علماء الدّين استعملوا الرؤية والحساب في غير محلهما"

اسلاميات
5 أغسطس 2016 () - الجزائر: حاوره عبد الحكيم قماز
0 قراءة
+ -

انتقد الباحث الجزائري في قسم الفيزياء بجامعة جنيف، الأستاذ رفيق وارد، بعض العلماء المعاصرين في تحديدهم للفترة الزمنية بين “الخيط الأبيض” و “الخيط الأسود” خلال صوم رمضان، واصفًا إيّاهم بـ “ضعيفي الفكر والاستنباط”، موضّحًا أنّهم “استعملوا الرؤية والحساب في غير محلهما”. مستغربًا تصريحات بعضهم بإتمام صوم ثلاثين يومًا رغم علمهم “أنّ شهر رمضان هذا العام استمر 28 يومًا و8 ساعات والصيام فيه 29 يومًا”. كاشفًا في حوار مع “الخبر” تحديده بدقّة للفترة الزّمنية بين “الخيطين الأبيض والأسود” للإمساك عن الأكل قبيل الفجر.

 

بداية، ما علاقة عالم متخصص بالذرّة بمسائل تتعلّق بالجانب الدّيني المحض؟
 من الطبيعي، كمسلم يطبّق شعائر ديننا الحنيف، أن أهتم ببعض الجوانب الدّينية الّتي تخصّ ممارستي اليومية أو الدورية، كما هو الشأن بالنسبة لصيام شهر رمضان. وفي هذا المجال بالذات، تصرّفتُ لمدة طويلة كالجاهل الكسول الّذي يرمي بكلّ ثقته في الجماعة، سواء أصابت أم أخفقت، معتبرًا أنّ مسؤولية القرار مسؤوليتها وحدها، وتناسيتُ اللوم الذي يحل بمَن لا يسعى للتعلم. إلى أن رحلت إلى المكان الّذي أقطن فيه الآن، فالتقيتُ بأوجه طيّبة جرّتني تدريجيًا إلى الانخراط في اتحادية كانتون فو للجمعيات الإسلامية
(Union Vaudoise des Associations Musulmanes)
أين تلقيت مهام توحيد رزنامة رمضان للسنين القادمة. فاستدعيت لمجلس الأئمة للتعرّف بدقّة أكبر على فحوى الإشكاليات المطروحة في الساحة المحلية بخصوص هذا الأمر الشّائك. فاطلعتُ على مجهودات وكتابات بعض الأفراد. فتبيّنَت لي الحلول وخطوات الحلول بوضوح تام، وشعرتُ عندئذ بالدقات الأولى للمسؤولية، وشرعتُ في عمل إثباتها مستعملاً تجربتي في المناهج العلمية التجريبية والنظرية، دون مراعاة العوامل الخارجية وغير الموضوعية.

أبلَغتُم المشاركين في مؤتمر “توحيد التقويم الهجري الدولي” بإسطنبول، قبل شهر رمضان الفارط، عن اكتشافكم لتحديد الفترة الزمنية بين “الخيط الأبيض” و “الخيط الأسود” من الفجر. هل يمكنكم إفادة القارئ الجزائري بتفصيل هذا الاكتشاف؟
 في الواقع تم الاكتشاف بعد انتهاء المؤتمر، وأخبرنا عن نتائجه رئيس مجلس الأئمة للاتحادية. وأخبرتُ فيما بعد بعض المشاركين في هذا المؤتمر. والترويج العلمي والبيداغوجي لهذا الموضوع لا يزال في مهده. أمّا الاكتشاف فتمّ بمراحل استنباطية وعملياتية تدريجية.
أوّلاً تيقنت أن الإمساكيات المعمول بها في كانتون فو لا ترتكز على حقيقة واضحة قطعية دقيقة، سواء أكانت حسابية أو مرئية. وتبرير هذه الإمساكيات بفرض عوامل الزاوية لموقع الشّمس بالنسبة للأفق (بين 18 و12 درجة) كلّه تخمينات أراد البعض أن يبرّرها بأقوال لا تجدي نفعًا لمَن أراد أن يستحضر مشاهد الفجر الدّقيقة الّتي عاشها الرّسول صلّى الله عليه وسلّم ومَن حضر معه من الصّحابة رضوان الله عنهم جميعًا، ولا حرج عليهم لأنّهم لا يتكلّمون بالوحي مهما كان إخلاصهم وشجاعتهم، فهم مثل غيرهم من البشر يمكنهم أن ينسوا عوامل مهمّة عند وصفهم لمشاهد هامة.
ثمّ فرحتُ بعمل السيد خالد شوكة الّذي يقيم حاليًا في واشنطن دي سي، والّذي قرّر هو الأوّل أن يستغني عن هذا الحساب التقريبي، وصمّم منهجية علمية مبنية على الرؤية لقياس وتعديل وقت الفجر في عدة مدن في بريطانيا والولايات المتحدة وآسيا، وذلك لمدة 10 سنوات.
فلم أطمئن بالكامل لهذا العمل الجبار، وكنت به نقائص موضوعية أجبرتني على المبادرة كخطوة أولية لبلورة الموقف بموضوعية تامة، فأردتُ من ناحية أن أتأكّد من مدى صحّة أوقات سيد شوكة، ومن ناحية أخرى وهي الأهم البحث عن شيء اسمه الخطّ الحدودي الّذي يفرّق بين سماء سوداء وأخرى تشبه البيضاء.
وباختصار، اشتريتُ جهازًا حديثًا للتّصوير وكلّ مستلزمات التّصوير الآلي، ثمّ تمرّنتُ على التصوير الطبيعي في أضواء جد ضعيفة، ثمّ حدّدت أحسن الاتجاه للتصوير من مكان الرصد في بيتي، وبعد عدّة محاولات تجريبية، استطعتُ أن آخذ 400 صورة (صورة كل 20 ثانية) في ليلة 23 جوان. وفي الصباح اصطدمتُ بما رأيته على الهاتف الذكي بعد نقل الصور من جهاز التصوير، ما لم أستطع أن أراه بالعين المجرّدة لنقص في التّدريب، فكان المشهد القرآني للإمساك جليًا بكلّ وضوح، بل أكثر من هذا، عندما كنت أتصفّح الصور واحدة تلو الأخرى فوجئت بدينامكية التكوين والفسخ للمستطيل الأبيض وللخط الحدودي دون منحنى بين الأبيض والأسود يتجلّى بكلّ وضوح. زيادة على ذلك، أدركني فضل الله عندما رأيتُ أنّ الجبل الّذي كان يتصدّر فوقه المشهد الإلهي، ولو تطاول أعلاه بمئات أمتار أخرى لحجب عليّ المشهد ولما استطعتُ أن أصل إلى هذه الحقيقة. فالمشهد يقف دائمًا في نفس المكان، والشّيء الوحيد الّذي يتغيّر فيه هو وقت ظهوره في كلّ يوم.

يقع الكثيرون في إشكالية تحديد المدة بين ما جاء في قوله تعالى “الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر”، للإمساك عن الأكل خلال الصوم. فهل السبب هو تقصير من المسلمين أم من العِلم في حدّ ذاته؟
 أحبّ أن أعتقد أن السابقين أدركوا المشهد القرآني، لكن لم يتم التواصل مع اللاحقين بكلّ وفاء. يمكن أن نجد عدّة عوامل موضوعية وغير موضوعية. في الحقيقة، وفيما يخص هذا الاكتشاف، لم أتحكم في مجرى الأحداث، فلم أستطيع أن أتحكّم إلاّ في الأمور التقنية. أعتقد أنّ كلّ هذا لم يتم من قبل لأن الظروف الموضوعية لم تكن مهيّأة بعد. فالفشل فشل جماعي للمسلمين. وربّما قد آن الوقت للمجتمعات الإسلاميات والعربية أن تهيئ أجواء الجودة والابتكار رغم المحن الّتي تعيشها اليوم، قبل أن يأكلنا الذئب جميعًا، وأمّا العلماء في الدّين وأمور الدّنيا فعليهم أن لا يخجلوا من توظيف الأدوات والمناهج العلمية والتكنولوجيا الّتي حقّقت بها الدول تفوّقًا باهرًا.

لماذا انتقدتم في اكتشافكم لتحديد الفترة ما بين “الخيط الأبيض” و “الخيط الأسود” “الضعف الفكري والاستنباطي لبعض المشايخ والمتخصصين في علم الفلك”؟
 لأنّني لاحظتُ أنهم استعملوا الرؤية والحساب في غير محلهما. فاستعملوا حسابا أسسُه ضعيفة في ضبط وقت الإمساك/الفجر، بدل الرؤية الدقيقة التي لا تشوبها شائبة، ولأنهم فرضوا رؤية الهلال لإقرار حلول رمضان، بدل الحساب الدقيق لمجرى الكواكب الذي ينكر قطعيًا وجود شيء اسمه شك لحلول الشهر القمري.
فالعامل المشترك لهذا الخلط، إذا اعتبرنا الجانب الموضوعي فقط، هو غياب مشهد الإمساك عن الإدراك بالنسبة للنقطة الأولى، وبالنسبة للنقطة الثانية، إلصاق الحديث الشريف “صوموا لرؤيته وأفطروا لرأيته” بمعنى عام بدل السياق الخاص الذي يليق به وفقًا لوجود جهل بمجرى الكواكب آنذاك.
في هذه النقطة بالذات، أفهم أنّ هناك حاجزا نفسيا يصطدم بشخصية خير الأنام الّذي هو وحي يوحى. لكن العيب فينا لأنّنا أنكرنا وظيفة العقل الّتي من شأنها إظهار سنن الله عزّ وجلّ، كمجرى الكواكب مثلاً، كما حدّدها البشر بدقة مميزة ومقبولة، فبديهي أنّ لها الأفضلية في التطبيق إذا كان الحديث الشّريف مشروطًا ضمنيًا أو جهريًا بسياق خاص.
وفي اعتبارنا فإن من أخذ بحساب الكواكب موفّق دائمًا، وموضوع الرؤية الفلكية ليس له معنى كما بينَته حادثة العيد 2016، فكلّ مجهودات التوفيق بين الرؤية والحساب في مؤتمر إسطنبول الفارط ذهبت هباء منثورًا، بعد أن استحالت رؤية هلال شوال على القارات الخمس. ويستغرب المرء أن يصرح بعض علماء الفلك المسلمين أنّه يجب إتمام صوم ثلاثين يومًا علمًا أنّ شهر رمضان هذا العام استمر 28 يومًا و8 ساعات وصمنا فيه 29 يومًا.

ألا تعتقد أنّ السنّة النّبويّة شرحت القرآن الكريم، ومنه فقد حدّد علماء الإسلام الفترة الزمنية للإمساك بحوالي قراءة خمسين آية من القرآن الكريم؟
 السُنّة النّبويّة فسّرت قليلاً من القرآن، وأمّا العقل السّليم فكان خلفًا لتوقّف مواصلة ظاهرة إرسال الأنبياء. فمن كان يعبُد الله فإنّ الله حيّ لا يموت، ومَن كان يعبُد الرّسول صلّى الله عليه وسلّم فإنّ الرّسول قد مات. العقل هو الأداة الوحيدة الّتي بقيت، وهو يسمح لنا بالقول إنّ الحديث الشّريف الّذي تفضّلت بذكره لا يمكن استنباط مشهد الإمساك الّذي وضّحناه بسهولة منه، كما أننا لا نستطيع أن نؤكّد أي شيء بالنسبة لفارق الوقت في الحديث المذكور، وهل كان ذلك في كلّ يوم وفي كلّ المواسم.. ولديّ أقوال أخرى من هذا النوع، فلا تساعد على ضبط الحق. فالعلمي يعلم عندما تنقصه معلومات لا تسمح له بالاستنباط الواضح الصّادق. وهذا ربما العيب الذي يصيبنا نحن المسلمين، وربما تركنا في تخلّف لا يليق بنا: نكتفي بالظن، علمًا أنّ الظن لا يغني من الحق شيئًا.

كيف كان انطباع علماء الشريعة وعلوم الفضاء والفلك في المؤتمر حول اكتشافكم؟
 كما ذكرتُ آنفًا، لم أحضر في هذا المؤتمر لأنّ الاكتشاف وقع بعد انتهائه، لكنّي اتصلتُ بالسيد شوكة لأعرض عليه المشروع. ويبدو أنّه فرح بالفكرة وأعاد تعديل حسابه وعطّل موعده للإمساك بـ5 دقائق وفقًا لما وافيتُه به من معلومات، كما وضّحه في صفحته على الإنترنت. ولديّ أيضًا عدّة ردود تفيد بارتياحها واطمئنانها لهذا الاكتشاف. ولا أتصور أحدًا ينتقد المشهد الّذي بيّنَتْهُ الصور. لكن الكلام سيدور حول ما أفرزه الاكتشاف من مغالطات منهجية يجب إعادة النّظر فيها للاتجاه نحو المنحى الصّحيح، وخاصة فيما يخص شهر رمضان.

ما تعليقكم على اختلاف العلماء في رؤية هلال رمضان وشوال كلّ عام، رغم الدعوات الكثيرة لتوحيد المطالع، وخاصة مؤتمر إسطنبول الّذي دعا إلى ذلك قبيل شهر رمضان الفائت؟
 في نظري، مؤتمر اسطنبول أخفق في توحيد التقويم الهجري، لأنه مبني على مبدأ الرؤية الفلكية التي ليس لها معنى، كما بيّنته حادثة العيد، ولقد احتفل الأتراك بالعيد في يوم 5 جويلية، وأمّا المملكة السعودية فكان احتفالهم في اليوم التالي، فوقع الانشقاق بعد شهر فقط من توطيد الاتفاق. بطبيعة الحال يمكن أن توفّق الرؤية مع الحساب بنسبة مئوية كبيرة، لكن ذلك غير دائم، والاختلاف وارد بصفة منتظمة.
ولأكون صريحًا معكم ومع قرّائكم، أعتبر أنّ كلّ مَن يبحث عن توافق إلزامي بين رؤية الهلال وحساب الكواكب يضيّع وقته، إلاّ إذا كان ذلك لغرض علمي وفضولي. رؤية الهلال ستسقط حتمًا لأنها تسبّب متاعب لا يمكن تحمّلها لوقت طويل.
الرؤية ليست إلزامية، وعلى العاملين بها أن يراجعوا فهمهم للسياق الخاص للحديث. ولكي يكون التقويم القمري بديهيا كما هو الحال بالنسبة للميلادي، فيجب إسقاط شرط الرؤية والعمل بالحساب الفلكي فقط. وبذلك يمكن للجميع أن يتفرّغ للعبادة ويبرمج عطله دون أيّ حرج له وللمؤسسات. فالوحدة الدائمة والمتواصلة لا يمكن أن تكون باستعمال الرؤية.

وهل تعتقد أنّ القضية في ذلك سياسية محضة وليس قرارًا شرعيًا؟
 تجاوزت اليقين بأنّ المشاكل التي تطرح في رمضان كل عام لها حلول بديهية إذا اعتبرنا العوامل الموضوعية فقط: الحساب الفلكي يكفي لضبط اكتمال القمر، بما فيها الأشهر الحرم، ووقت الفجر مع الإمساك يجب أن يحدّد عبر مشهد الخيط الأبيض من الأسود، ريثما يتم ذلك على ضوء الاكتشاف الجديد وفق المعايير العلمية التي سنضعها، ويمكن استعمال إمساكيات سيد شوكة الموجودة على صفحته على الإنترنت، بعد التحقيق من أنّ الفارق بين القياس في مكان ما والوقت المقترح لا يتجاوز 10 دقائق. أما إذا تدخلت السياسة في توجيه سُنّة الله ورسوله، فأتمنّى أن لا يقع أهل العلم والفصل في تلك العثرة ويضلّوا الناس.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول