"دواويني أبنائي.. ووراء كل شعر جميل ناقدٌ أجمل"

ثقافة
12 أغسطس 2016 () - حاوره: طهاري عبد الكريم
0 قراءة
+ -

على طاولة مقهى شعبي بحي الأقواس في مدينة سيدي عيسى بولاية المسيلة، التقيت بالشاعر رابح بلطرش الذي واصل رحلته الشعرية الطويلة بثبات مع الكلمة المبدعة، أوصلته لحد الآن إلى إصدار ثلاثة دواوين شعرية تنوعت مواضيعها، إلا أنه يعتبرها اليوم من صلبه وبمثابة الأبناء الشرعيين وسط بيته الشعري، معترفا أنه لا أحد من دواوينه الشعرية أفضل من الآخر..

بدايةً من هو رابح بلطرش؟
 ليس سهلا أن أختصر أجمل مراحلي في سؤال وإجابة، لا يكفي المقام لأسترسل، لكن تقليدا للحوار أقول لك: ولدتُ في سنة شهدت تحرر الجزائر، ولدت سنة الفرحة بقرية رائعة السحر، جمالها قصيدة خالدة ربيعها ليس ككل ربيع، عصافيرها ليست ككل العصافير.. كانت طفولتي بها حلما جميلا مبهورا بهذه اللوحات، محفورا بأزميل الدهشة والاكتشاف، بين ذاك التناغم وهذا النغم خرير مياه وحفيف أوراق الصفصاف ومواويل فلاحين كنت أسترق السمع إليها وأنا عائد من مدرستي أو ذاهب إليها.. حينما يباغتني حنين إلى صدى أودية فأفترش نبضي لاهيا لعلني أظفر بعصفورة الوادي التي طالما ألهتنا وأنا أحاول مسكها لم تزل بعذب ألحانها تشدني لذلك الزمن الجميل.. هناك كم لهوت مع أترابي وكم تمنيت أن لا تغيب الشمس مثل يوشع تماما حينما طلب من الله أن يؤخر غروبها ليواصل القتال، كنت كذلك ولكن لأواصل التهام هذا الجمال. لم أكن أعرف حينها ما يسمى بالشعر، بل كل ما وعيته هو امتصاص أكبر شحنة من هذا الإبداع والإمتاع اللامتناهي، في جمال أخاذ صنعته شيئيات القرية بعفوية ذابت فيها صور من الروعة أنَّى التفت.. هناك شيء يشدك ويسحرك بجلاله وجماله.

أكيد أن حبك وولعك بالشعر لم يكن صدفة.. متى اكتشف رابح أنه شاعر؟
 لم أكتشف، بل كل ما كنت أحسه منذ صغري هو ميلي إلى هذا الجنون الذي لم أكن لأسميه شعرا.. كان طربية تسكنني هي استماعي لروائع الحكي من الذين احتضنوا طفولتي، وكانت البداية مع حبي للمطالعة وانشغالي بقراءة الأناشيد والمحفوظات بمدرستي، ثم كان الأفق رحبا لأن ألتقي بالشعر مع أصحابه الذين أحببتهم من كل العصور.

إذا كان الشعر موهبة فإنه يحتاج إلى ميلاد ثم نمو ثم تجربة.. ما هي العوامل التي ساهمت في تشكيل بلطرش الشاعر؟
 أولا الموهبة قد لا تكفي، لأن العمل وحده هو من يصقل التجارب والمواهب، طبعا ككل بداية نتعثر، لكن باحتكاكنا مع آفاق أخرى والتقائنا بأصوات تشد انتباهنا ومحاولتنا تحسين كتاباتنا. أمر صعب أن نوفق لأن الموهبة هي من تجذِّر هذا الاهتمام، لكن الموهبة دوما كالزهرة التي تحتاج لمعاونة الفصول، ورعايتها تأتي بالقراءات المتعددة ثم الاستماع باحتراس شديد لهمس النقد الذي يعد رافدا مهما في تصويب خطانا.

يبدو أن الساحة الأدبية صارت تعج بالكثير من الشعراء المبدعين. هل هذا عامل صحي للأدب؟
 طبعا عامل صحي إن أخذنا السؤال بما أقرَّه، شعراء مبدعين، بما أنهم مبدعون لا ضير في ذلك، نحن لم نصل إلى درجة التخمة من الآداب والفنون، مازلنا نحتاج إلى أسراب من القصائد ونحتاج إلى حبر دافق من الأقلام، ونحتاج إلى كثير من مساحات النشر سواء ورقيا أو إلكترونيا لاحتضان إبداعات شبابنا تعبيرا عن خلجاتهم وهواجسهم.. الآن نحلم بجيل يقود الحياة الفكرية ليفيدها ويستفيد منها، هذا عامل صحي، لكن يجب علينا أيضا أن نحترس ونفعِّل مدارس النقد لتأخذ بزمام الأمور ولا يتفلَّت الإبداع، وكل شعر جميل وراءه ناقد أجمل، وقد قيل “الناقد شاعر فاشل”.

أنت تملك تاريخا مشرقا في الشعر، ودواوينك الرائعة هي إضافة لمكتبة الشعر ولعشاقه. كيف تقيِّم الشعر باعتباره جنسا أدبيا يختلف عن غيره من الأجناس؟
 سؤال صعب يحتاج إلى كثير من التروي، ليس من السهولة أن نجيب عن فلسفة الشعر، تقييم الشعر لن يكون إلا من الشعر، لا حاجة لنا للتنظير، فالشعر فلسفة خاصة يعرف نفسه بنفسه، هو أسمى الفنون وأرقى الأجناس الأدبية، لأنه تصوير بالكلمات وترويض للأشياء الشاردة ووضعها بمدارات خيالية لتكمل دورة الجمال، والأغرب من كل هذا أن هذه المدارات لا تصل لدرجة التشبع أبدا، بل كلما ضغطتها تزداد تكهربا لتطلب منك المزيد.. تجربتي متواضعة جدا، ومازلت أيضا بحاجة لمراس كثير حتى أرضى عن نفسي.

بعد دواوين “الصواع” و “ترانيم الندى” ثم “أنسام الليلك”، هل من مشروع في الأفق؟
 لي مشاريع مستقبلية أنوي تجسيدها، ويتعلق الأمر بطبع كتاب تحت عنوان آراء وأفكار أجمع فيه كل ما كتبته على مدار 10 سنوات في المجلة الإلكترونية “أصوات الشمال” التي أشرف على إدارتها.

وماذا ستختار لقراء “الخبر” من دواوينك الشعرية؟
 سأختار قصيدة “قالها وصعد” من ديوان “أنسام الليلك” التي هي بكائية للطفل السوري الذي اغتالته أيادي الإجرام.. وقبل وفاته قال لهم ببراءة الطفولة: سأشكوكم لربي، وهو مجروح ينزف.. هنا كانت هذه القصيدة، وبعد أن استفزتني زوجتي ببكائها وقالت لي المقطع الأول، وجاءت القصيدة على الشكل التالي..
اكتب حبيبي في الحبيب قصيدة
عطِّر شفاهك كي تبوس شهيدا
قل ما يناسب في العزاء برهبة
قله عزاؤك قد يكون مفيدا
ما مات طبعا هل علمت فروحه
صعدت لربك كالصلاة صعودا
طفل تدثَّر بالدماء وغيره
يلهو ويلعب بالحياة سعيدا
طفل يعانق أمه في لهفة
لا تتركيني للطغاة وحيدا
طفل تضمخ بالحنان فأينعت
فيه الحياة شجاعة وصمودا
وشكى لأمه ما تراه براءة
تبغي الحياة فتبتغيه سعيدا
أماه عفوا ما لعبت بحينا
مثل الصغار وما قطفت ورودا
أماه عفوا ما ابتسمت لطفلة
مثلي تخاف عساكرا وجنودا
وتهاب حتى من قميص لحية
من يقتلون ويهنئون رقودا
وتهاب حتى من شراشف دمية
حُشيت رصاصا مرهبا وحديدا
أماه عفوا ما ركضت بشارع
دوما بقربك ما ذهبت بعيدا
أماه عفوا عانقيني نشوة
فأنا بقربك كم أكون سعيدا
وسما بروح في البراءة صاعدا
ونما بريحه في الجنان خلودا
واهتز عرش للشهيد فسارعت
منه الملائك ركعا وصعودا
طفل يودع قاتليه فأودعت
كل الحياة بقاتليه صدودا
رسمت بأحمر لونه ما تشتهي
تلك البلاد ورددته نشيدا
ومضى لسدرة منتهاه مضرَّجا
يشكو لربٍّ صمتَنا المقصودا

هلا حدثتنا عن لحظة كتابة هذه الكلمات..
 لا تحتاج إلى لحظة فقط، بل كل لحظاتنا صارت انكسارات ومآسي، وصارت شاشاتنا تنقل لنا أخبارا وصور أطفال مشردين.. صور الأطفال الذين يعانقون القنابل التي يحسبونها لعبا.. كل هذه اللحظات لا تجعلنا نرتاح، فكل لحظة جديرة بالكتابة عن الأطفال الذين لا ذنب لهم إلا أن الكبار أرادوا أن يجعلوا الربيع الذي وعدونا بإزهاره خريفا أو ربيعا أو شتاء مليئا بدمائهم، ولطخت شاشاتنا بالبراءة التي نراها ممزقة ومحرقة في كل شوارع وطننا العربي.. كل هذه اللحظات مؤلمة جدا، والقليل ممن يمتلك أعصابه ويكتب لهم شيئا هو ليس في مستوى براءتهم في هذه الحياة.

تهميش المبدع وعزوف الناس عن القراءة في الجزائر، هل يدفع الشاعر نحو الإحباط؟ وكيف ترى الحل لتشجيع الناس على القراءة؟
 الشاعر دوما يعاني لكن هذا لا يبرر له غيابه الإبداعي، نحن الآن أمام مشكلة العزوف عن القراءة، وهذا أمر أملته أشياء أخرى كانتشار الصورة والفضائيات والإنترنت. ما علينا إلا أن نكون أذكياء لكي نمرر رسائلنا لأبنائنا ونحبب إليهم القراءة من خلال هذه الوسائط، وذلك بإرشادهم وكذا حثهم على الرجوع للكتاب الورقي بمزاياه، لأن معلومات القراءة على الشاشة قراءات متطايرة غير مستقرة، وهذه مشكلة حقيقية لا تخص الشباب فقط بل حتى الذين لهم صلة بالكتابة، ظروف صعبة ربما نمر بها تركتنا نحني رؤوسنا للبحث عن حلول لمشاكل العيش، بدل أن تشرئب أعناقنا بحثا عن حلول لمشاكل الحياة.

كيف ينظر الشاعر رابح بلطرش إلى ما يسمى بالأدب النسوي؟
 الأدب جمالية تتنوع تنوع اتحاد لا اختلاف وتضاد، ولا أعتقد أن هناك أدبا نسويا إلا ما يميزه بالضرورة الموضوعاتية عن هموم ومشاغل الرجل، فالمرأة بطبعها شاعرة وحساسة، هذا ربما يجعل إبداعها أكثر ليونة وقربا من مداعبة العواطف التي جُبلت عليها، الأدب النسوي ليس تقزيما لإبداع المرأة بل بالعكس هو تمييز له عن هموم الرجل.. الطبيعة البشرية اقتضت هذا التقسيم العاطفي، ونحن نميز بين أدب رجل ورجل، وبين بصمة إبداعية وبصمة، فما بالك لو كان التمييز بين جنسين.. فالطبيعة لها أحكامها في فض الإشكال.

من كان له الفضل في تشجيعك على ممارسة الكتابة؟ ومن يلهمك؟
 ربما مشجعي الأول هو حب الاطلاع والاستماع.. في سنواتي الأولى كنت أقرأ كل ما أجده أمامي متوفرا حسب إمكانيات ذلك الوقت، كما أن حبي للمطالعة وقراءتي للسير الشعبية أيضا، ثم اطلاعي على دواوين بعض الشعراء وانفعالي وتفاعلي حفظا لما كتبوا، كلها عوامل ربما ساعدتني.

كلمة تريد أن نختم بها هذا الحوار
 شكرا لك وأتقدم بالشكر لجريدة “الخبر” التي أعشقها على هذه الفرصة التي منحتها لي وأتمنى لها كل النجاح والتوفيق.    

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول