جزائريون يتشوقون لوصول الجراد!

روبورتاجات
12 أغسطس 2016 () - محمد بن أحمد
0 قراءة
+ -

في كل عام ومع تداول الأخبار الأولى حول قرب زحف الجراد على الجزائر، يفرح بعض هواة صيد وأكل الجراد، ورغم حالة الارتباك التي يحدثها مثل هذا الخبر وسط الفلاحين، فإن بعض الأشخاص ينتظرون قدوم الجراد على أحر من الجمر.

 يخلف الجراد دمارا زراعيا رهيبا لا يمكن تصوره إذا لم يوقف، ويمكن لسرب جراد يقل وزنه عن 100 كلغ أن يلتهم من ضعفين إلى 3 أضعاف وزنه يوميا من الأعشاب والمحاصيل الزراعية، لذا يعد الجراد من أخطر الآفات التي تهد المحاصيل الفلاحية في أية دولة.

وإذا حط سرب جراد فوق شجرة ضخمة فإنها تتحول في أقل من ساعة الشجرة إلى مجرد هيكل من الأخشاب، ثم يتحول لالتهام الخشب إذا لم يجد ما يأكله من أعشاب خضراء. ويفسد الجراد حتى الآبار، حيث يقول أشخاص مسنون بعدة مناطق من الوطن إن العديد من القرى كانت تغطي آبار الماء إذا اقتربت أسراب الجراد.

ويعد الجراد الزاحف أو كما يسمى في بعض المناطق في الصحراء “القحيز” أخطر، لأنه يمشي على الأرض، ملتهما كل شيء في طريقه. ويقول البدو إن الجراد يظهر بعد أقل من شهر من هطول المطر في بعض المناطق التي تقوم فيها إناث الجراد بوضع بيوضها تحت الرمال، ويمكن للبيض أن يصمد 10 سنين، ثم عند نزول المطر يفقس البيض ويغادر الجراد الصغير المكان، وتنطلق دورة الجراد التي تأتي على كل شيء، لكن المجتمعات القديمة قررت مكافحة الجراد دون أية مبيدات، وذلك بصيده وأكله، وإلى اليوم ما زال آلاف الجزائريين مغرمين بطبق الجراد المطبوخ في الماء.

الجراد لا يختلف في الطعم عن الجمبري
يقول أشخاص تذوقوا طبق الجراد إن طعمه لذيذ، وهو مشابه لطعم بعض أنواع السمك، وهو لا يختلف كثيرا عن الجمبري. ويضيف حسان “في البداية كنت متخوفا من تناول الجراد، لكن بصراحة أعجبني طعمه للغاية، والآن فقط أدرك لماذا كان الجزائريون في السابق يأكلونه، وأتمنى تناول وجبة جراد جديدة بعد أكثر من 9 سنوات”.
ويتذكر كبار السن في مناطق الجنوب والسهوب في الجزائر مواسم الجراد في السنوات والعقود الماضية، عندما كانت بعض الأسر لا تضع فوق مائدة طعامها غير أطباق الجراد، أما اليوم فإن عادة أكل الجراد تكاد تختفي. ويقول قادة مربي مواشي من بادية ولاية الأغواط “كنا في السابق قبل أكثر من 50 سنة نصطاد الجراد ونطبخه في الماء والملح ونأكله، وكان طعم الجراد جيدا لا يختلف كثيرا عن طعم السمك، أما اليوم فإن هذه العادة اختفت تقريبا لعدة أسباب، أهمها أن موجات الجراد لم تعد كما في الماضي”.

“الجراد يأكل الغلة ونحن نأكله”
يقول رجل مسن عاش حياته كلها في تربية المواشي في الصحراء يدعى حرز الله من منطقة بريزينة “غريب أمر شباب اليوم يتحرجون من أكل الجراد، لكنهم يستوردون الكيف من الخارج ويدخنونه دون أن يجدوا في ذلك أي حرج”، ويضيف “لقد أكل الجزائريون في الماضي الجراد لأنه كان يأتي على كل الموارد الزراعية فيلتهمها ولا يترك لهم ولا لأنعامهم أي شيء، فيبدأ الناس في صيده وأكله كوسيلة ناجعة لمكافحته دون مبيدات ولا حملات مكافحة، وربما لأجل هذا أباح الشرع أكل الجراد”.

ويتذكر حرز الله جيدا أنه في عام 1959، وكان عمره حينها 22 سنة، شهدت الجزائر إحدى أكثر “غزوات” الجراد شراسة ودمارا، حتى أن آلاف المواشي كانت تموت كل شهر في مناطق الأغواط والبيض بسبب انعدام العشب الذي أتى عليه الجراد، لكن الوجبة الرئيسية لكل الأسر، خاصة في البادية في ذلك الوقت، كانت هذه الحشرة التي تطهى في الماء والملح فقط. ويضيف “كنا نخرج في مجموعة من 10 شباب ونعود بحمولة 12 كيسا كبيرا من الجراد بعد قضاء الليل في صيد هذه الحشرة، ومع الوقت وبعد أسبوعين أو ثلاثة من الحرب، تسترجع الأرض عافيتها، وتعود الأعشاب للنمو، بل إنه من المتعارف عليه أن عام غزو الجراد يكون عاما جيدا للفلاحة، رغم الخسائر التي يحدثها!”.

عندما حجبت سحابةُ جرادٍ الشمسَ
ويقول قادة “أذكر جيدا أنه في الستينات حجبت سحابةٌ من الجراد الشمسَ عن المنطقة التي كنا موجودين بها في البادية، لدرجة أن الرجل كان يمشي يومين في المنطقة التي كنا بها قرب قرية القلتة بلدية آفلو، دون أن يجد أي شيء أخضر حتى ولو كان عودا، ورغم هذا وفي غضون أيام قليلة ساهم الآلاف من سكان القرى القريبة، بالإضافة إلى البدو الرحل، في القضاء على سحابة الجراد، بصيد مئات الأطنان منها”. ويضيف “أخبرني أبي قبل سنوات طويلة بأن قرى كاملة وعروشا برجالها ونسائها وأطفالها كانت تتحرك قبل أكثر من 70 سنة لمطاردة الجراد وصيده ليلاً، وكانت كل قرية أو قبيلة تطلق من يبحث عن سحابات الجراد، فيضعون ما في أيديهم ويركضون حاملين كل ما تقع عليه أيديهم من أكياس فارغة وأوعية وكل ما يستطيعون ملأه بمحصول الجراد الذي يُعتبر مروره موسماً لا يتكرر،ولا يمكن تعويضه. حتى إن بعض البدو يخلعون عباءاتهم لتحويلها إلى أكياس تملأ بالجراد”.

وعن التقنيات يقول المتحدث “يتم صيد الجراد في الليل تحت جنح الظلام أو عندما تنخفض درجة الحرارة، ويقوم الرجال والنساء والأطفال بجمع الجراد تحت ضوء القمر، وكنا نشعل النار لإضاءة المكان أثناء الصيد، وأفضل الأوقات لصيد هذه الحشرة هي بين الساعة الثانية ليلا والخامسة صباحا، حيث تصاب بحالة من الشلل بسبب برودة الجو الشديدة في تلك الأوقات”.

ويطبخ الجراد بسهولة، حيث تتم إزالة أجنحته ويوضع في قدر كبير من الماء مع الملح ويغلى، ثم يقدم كوجبة شهية، ويوصف الجراد كأحد أكثر المقويات فاعلية، حسب مختصين في العلاج بالأعشاب، كما أنه يوصف لعلاج الروماتيزم وآلام الظهر، وتأخر النمو عند الأطفال. كما أن الجراد يحفظ مجففا لكي يؤكل بعد أكثر من سنة من صيده، كما يقول قادة، علاوة على أن العجائز كن قبل أكثر من 50 سنة يطحنَّ الجراد ويحفظنه لاستعماله في علاج الكثير من الأمراض.

الأطباء يحذرون من تناول الجراد
 وحذر الأطباء في عام 2003 من تناول الجراد بسبب احتمال تعرضه للرش بالمبيدات الحشرية أو أدوية أخرى، وحصول مضاعفات خطيرة. ويقول جهيد نور الدين طبيب مختص في الطب الداخلي “لا أنصح الأشخاص أبدا بأكل الجراد، رغم عدم اعتراضي على تناوله إذا ثبت أنه خال من المبيدات، لكن الأمر لا يسلم أبدا من احتمال تعرض عدد من هذه الحشرات لكمية ولو قليلة جدا من أي مبيد، سواء أكان موجودا على أوراق الأشجار التي تعالج أو تم رشها مباشرة به، وهو ما قد يؤدي إلى تعرض الجسم لخطر التسمم”.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول