السينوغرافيا سيدة العرض.. المهنة المجهولة

ثقافة
12 أغسطس 2016 () - باتنة: نوال مسلاتي
0 قراءة
+ -

 

إن أهم ما يجذب عشاق الفن الرابع إلى متابعة العروض المسرحية، إضافة إلى تمكن الممثل المسرحي من أداء دوره وتقمص الشخصية بشكل جيد، وكذا الإخراج المميز للمسرحية والنص المتكامل، ما يطلق عليه “السينوغرافيا” التي يجهلها البعيدون عن الميدان، ولا يعرف الكثير منهم تسميتها وكيف يطلق عليها، والمشكّلة لمجموعة من العناصر المترابطة والمتناسقة فيما بينها، من الديكور والإضاءة والملابس والماكياج، وأحياناً كثيرة الحركة والإيماء، والتي تمثل الفن الذي يرسم أبعادا وزوايا الخريطة التي تحدد الحركة على الركح. هي أحد أهم عناصر العرض المسرحي، فلا يمكن لنا بأي حال من الأحوال أن نتحدث عن الإخراج أو مؤلف المسرحية دون الحديث
عن المبدع على الخشبة
“السينوغرافي”.

 لم تكن السينوغرافيا خلال عصور طويلة فناً بالمعنى المفهوم كما هي عليه في وقتنا المعاصر، مثلها مثل أي فن أو ابتكار أو غيره، بقدر ما كانت حرفة فنية لها خصوصيتها ومواصفاتها، لذا كان الجمع بين وظيفتي “ميكانيكي المسرح” ومصمم المناظر “السينوغرافيا” في وظيفة واحدة شيئاً طبيعياً للغاية قديما، قبل أن تتطور وتستجيب للمتطلبات الجديدة للمسرح، وأيضاً للإمكانيات المتطورة لفن الرسم، وتصبح فنا قائما بذاته يعرف “السينوغرافيا”، وهو تصميم المناظر المسرحية أو الإطار المادي للعرض المسرحي.

وتعبير “السينوغرافيا” في المسرح يعني حرفياً الخط البياني للمنظر المسرحي، أما تعبيراً، فهو يعني فلسفة علم “المنظرية” الذي يبحث في ماهية كل ما على خشبة المسرح، وما يرافق فن التمثيل المسرحي من متطلبات ومساعدات تعمل في النهاية على إبراز العرض المسرحي كاملاً متناسقاً ومبهراً أمام الجماهير.

وتهدف السينوغرافيا حسب أصحابها إلى تطويع حركة الفنون التشكيلية والجميلة والتطبيقية، بما ضمته من فنون المعمار والمنظر والأزياء المسرحية وطرق استغلالها في الفضاء المسرحي اعتبارا لفن المنظور، ما أعطى وجهاً جديداً لتعامل كل هذه الفنون مع الكلمة والعبارة والمونولوج والحـــوار، ومع الدراما بصفة عامة، كما أنها تتفرع إلى عدة عناصر من المناظر، الأثاث، الإكسسوارات، الإضاءة، تصميم الملابس والماكياج، بحيث تبدو في النهاية منظومة مركبة ومعقدة ومؤثرة في الصورة النهائية للعرض المسرحي.

وتعد “السينوغرافيا” من أكثر عناصر العرض المسرحي استفادة من إنجازات التكنولوجيا الحديثة، وبدأت هذه الاستفادة بإحلال الكهرباء محل الإضاءة بالزيت، واستمرت وتصاعدت لتصل إلى مختلف التقنيات الحديثة التي أوشكت أن تحيل منصة المسرح إلى شاشة سينما، من خلال الملابس والمناظر والأضواء والماكياج التي هي جزء عضوي في تسلسل متراكم، حتى يكمل التأثير العام للتصميم الممثل في السينوغرافيا، مع اكتمال العرض، فالمنظر الذي يبدو ثابتاً في الواقع يتغير بتغير الملابس والأضواء ودخول الممثلين وخروجهم وحركتهم على الركح، وتتشكل وظيفتها في تدعيم وترسيخ إدراك المتفرج واستيعابه للعرض.

وللغوص أكثر في هذه المهنة الإبداعية الجمالية والمتعبة، حسب ما شاهدناه في جولاتنا المتواصلة للعديد المسارح على المستوى الوطني، سألنا العديد من الممثلين والمخرجين وكذا كتاب النصوص المسرحية وغيرهم من المبدعين في الفن الرابع، حول أبرز السينوغرافيين على المستوى الوطني وأكثرهم خبرة في الميدان وحنكة وتمرسا، فأجابونا بالعديد من الأسماء اللامعة، حاولنا الاتصال بعدد منهم، فتمكنا أخيرا من ضرب موعد مع السينوغرافي المخضرم عبد الرحمن زعبوبي الذي كان بصدد الانطلاقة في عمل جديد بالمسرح الجهوي لباتنة، وبصدر رحب استقبلنا بابتسامة لم تفارقه طيلة اللقاء.

السينوغرافي عبد الرحمان زعبوبي

“حاربنا طويلا لنوصل السينوغرافيا لما هي عليه اليوم”

 استهل عبد الرحمن زعبوبي، السينوغرافي المخضرم وصاحب العديد من الجوائز الوطنية والعربية والدولية، حديثه ببداياته الأولى في عالم السينوغرافيا التي لم يكن يدرك يوما أنها ستكون مهنته الأولى والأخيرة وعشقه الأبدي، قائلا إنه عندما كان يدرس في الطورين المتوسط والثانوي مارس المسرح الهاوي مع فرقة هواة، فكان يُحْضر أقمشة بيضاء من المنزل، ويقوم رفقة زملائه بصناعة خلفيات وديكور للمسرحيات، سواء في مؤسسته التربوية أو في المسرح الهاوي في بوقاعة بسطيف، دون علم منه بأن هذه الطريق التي سيسير عليها فيما بعد، مضيفا أنه بعد الثانوي، وقبل إعلان نتيجة البكالوريا عام 1987، قدم له صديق جريدة بها إعلان عن معهد في مجال التمثيل يليق به، وأنه قام وقتها بمراسلتهم، فاجتاز الامتحان بنجاح.


ويوم الامتحان من أجل الالتحاق بالمعهد العالي لمهن العرض والسمعي البصري في برج الكيفان بالعاصمة، كان قد سجل في مجال التمثيل، غير أنه بقي رفقة آخرين يوم الامتحان في ساحة المعهد لفترة من الزمن في انتظار دوره، فتوجه يومها مباشرة إلى الأستاذة غازولي للاستفسار عن الفروع الأخرى التي يمكنه التقدم لها، فأخبرته عن فرع “السينوغرافيا”، وأنه “يجب أن يكون لك معرفة بالديكور والرسم وغيره”، “وأنا كنت أمارس هذه الهوايات، مثل النحت والرسم، فاستهواني الأمر، وبالفعل أتذكر أني اتجهت إلى القسم.. لأتمدرس بعدها لمدة 5 سنوات كاملة بالمعهد، رأيت خلالها الجانب الآخر من السينوغرافيا، كالإنارة، والسينوغرافيا الصوتية.. وتعرفنا على هذا التخصص من خلال الدراسة، وكذا ما كنا نراه في ركح المسرح الوطني والموقار
والأطلس، وكذا المعهد عن طريق الفيديو الذي يعود فيه الفضل إلى الأستاذ مجيد ناصري”.

“كانوا ينعتوننا بـ”الزواقين”، وأحد القامات الفنية لا يفرق بين السيناريست والسينوغرافي

أثناء فترة الدراسة وبعد التخرج، “عانينا الأمرّين من أجل محاولة إيصال مفهوم السينوغرافيا الحقيقي ودورها، سواء لمن هم في المجال أو غيرهم”، وتابع محدثنا أنه يذكر عندما كان عمال المسرح الوطني يسمونهم “الزواقين” أو “الديكوراتوري”، نسبة إلى الديكور، “كنا نتجادل ونتعارك معهم من أجل هذه النعوت، وتعبنا معهم من أجل إعطائها قيمتها، ولكي نوصل لهم المصطلح الصحيح من أجل التعامل اليومي للفنانين”.

ويضيف أن أحد القامات الفنية في الجزائر والتلفزيون الجزائري بصفة خاصة، “عندما قام أحدهم بتقديمي له قال لي: آه جيد ستساعدنا في كتابة السناريو”. وهنا نعرف أنهم لا علاقة لهم بهذا المجال وبالمفاهيم العصرية، ونحن السينوغرافيين من عرفنا بها للجمهور العريض والخاص على حد سواء.

“أول من عملت معه وأنا لا أزال طالبا بالمعهد كان المخرج المبدع عمر فطموش في حوالي 4 أعمال. ثم “مونودام”، “البسمة المجروحة” لمسرح سيدي بلعباس، ونلنا العديد من الجوائز الوطنية والعربية على هذه الأعمال المسرحية، كما أني اشتغلت مباشرة بعدها وأنا لا أزال طالبا دائما مع قامة من قامات وهرم من أهرامات المسرح الجزائري، وهو المرحوم عز الدين مجوبي في مسرحية عالم البعوش بمسرح باتنة، واشتغلت معه الند للند وأنا لا أزال طالبا، وأثبتنا وجودنا وثبتنا السينوغرافيا في الجزائر. وعند تخرجي من المعهد اشتغلت بالمسرح الوطني مع المخرج المرحوم العربي زكال بمسرحية شمس النهار، من تأليف الكاتب المصري المعروف توفيق الحكيم”.

ولم يخف السينوغرافي المخضرم زعبوبي، خلال سرد حكايته، “الحروب” التي خاضها رفقة السينوغرافيين الآخرين، سواء من جيله أو ممن سبقوه، خاصة من أجل فرضها كفن قائم بذاته له أسسه وضوابطه، سعيا منه لإيصال هذا النوع من الفنون إلى ما هو عليه اليوم، قائلا “العشرية السوداء لم تبعدني عن المجال بالرغم من قلة الإنتاج المسرحي أو توقفه تقريبا، وكذا اشتغالي كمستشار ثقافي بمديرية الثقافة لولاية سطيف مسقط رأسي في منتصف التسعينات، إلا أني قمت بالعمل في ما يقارب 7 ملاحم من كتابة وزير الثقافة عز الدين ميهوبي، وهو ما دفع بي لعدم الابتعاد عن السينوغرافيا، وبقيت في ممارسة النشاط الفني ولو بصورة ليست كالسابق، بالرغم من الأوضاع الصعبة التي شهدتها البلاد في تلك الفترة، وأننا كنا نعاني من قلة الإنتاج”.

من التطبيق إلى الأستذة بالمعهد.. حكاية تحدي

“بدايتي مع التعليم بالمعهد كانت عام 2000، عندما كنا أنا والمخرج المبدع أحمد بن عيسى نستعد للعرض الشرفي لمسرحية الثمن بالمسرح الجهوي لباتنة، وجهت دعوة للدكتور المرحوم صالح لمباركية بصفته أول مدير لمعهد الفنون لبرج الكيفان، وكان برفقته كل من الأساتذة نوال إبراهيم والعقون مالك ومنصوري، ولدى مشاهدة العرض كان لديهم في ذلك الوقت مشكلة في التأطير، وكانوا يجلبون أساتذة معهد الرسم، في محاولة منهم لامتصاص غضب الطلبة الذين يحتجون في كل مرة ويرفضون الدراسة، لعدم وجود أساتذة في الميدان، وطلب مني وقتها المدير المرحوم أن أدرِّس بالمعهد فقبلت التحدي. وبالفعل نهاية 2000 باشرت عملي ودرَّست السنة الرابعة حينها، وعند مشاهدة أعمال الطلبة رأيت أنهم دون المستوى، وطلبت منهم أن يتحملوا عبء العمل فقبلوا، فكنت أُدخلهم الورشة يزاولون دراستهم بين النظري والتطبيقي بشكل متواصل وإلى غاية ساعات الصباح الأولى، مع منحهم بعض الوقت للراحة، وقد درسوا لمدة سنتين، وعلى الرغم من صرامتي فقد كان هناك تفاهم بيننا نظرا لقرب السن، وقد برز جيل جديد من السينوغرافيين الذين من شأنهم حمل المشعل، على غرار حمزة جاب الله ومراد بوشير وآخرين”.

على المخرج الخضوع للفضاءات والأجواء..

بنبرة صوت تصاعد توترها قال محدثنا إن على المخرج الخضوع للفضاءات والأجواء، وقال إنها ليست من عمل المخرج، “لك نظرتك ولي نظرتي، وأنا أهيئ لك الأجواء، وأنت اقتبس العرض على حسب الأجواء، وهي عملية جد بسيطة لكنهم لم يتقبلوها بعد، ولا تزال لهم العقلية المغلقة بأنه السيد الأول والأخير للعرض”.

فالمخرج هو الذي يتعامل مع الفضاء المقترح من طرف السينوغرافي وليس العكس، بمعنى أنه يخضع لأفكار السينوغرافي في العملية الإخراجية، وهي عناصر يحدّدها الفضاء، وهو من اختصاص “السينوغرافي” وليس “المخرج”، مضيفا “هذه الفلسفة أدت بي إلى بعض الصراعات مع عدد من المخرجين، وحتى أصدقائي منهم، أحسوا بأني أنافسهم على مكانة ما، الحمد لله لي مكانتي تحت الشمس ولا أتحدث عن نفسي، أنا أتحدث عن السينوغراف والمخرج”، واسترسل “عندما زار المشارقة الجزائر قالوا إن السينوغرافيا في الجزائر متقدمة بحوالي 50 سنة عن نظيرتها في المشرق العربي، وهذا فخر لنا، الدولة عندما استثمرت فينا لم تخسر”.

وفي ختام كلامه قال إنه يتمنى أن يعيدوا فرع السينوغرافيا للمعهد، “ولا يجب أن يوقفونا أو يعيدونا للخلف فقد قمنا بخطوة كبيرة في هذا المجال”.

 

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول