الشهيد أوباجي.. استعصى على العدو وقتل خطأ

ثقافة
19 أغسطس 2016 () - بقلم: عبد الحميد زاهير
0 قراءة
+ -

تحيي بلدية ڤنزات في سطيف بمناسبة يوم 20 أوت، يوم المجاهد، بمساهمة قسمة المجاهدين، ذكرى الشهيد الطيب عبد الحميد المدعو “الطيب أوباجي”، وسطرت برنامجا ثريا لهذه المناسبة. فبعد الترحم على الشهداء تقام زيارة لبيت الشهيد وموقع إحدى المعارك الكبرى التي قادها، في الوقت الذي ينطلق رياضيون في ماراطون ينتهي بأحد شوارع ڤنزات يحمل اسم الشهيد. وفي مكتبة البلدية، تقام ندوة حول بطولات الطيب عبد الحميد تنتهي بتوزيع الجوائز على الناجحين الأوائل في مختلف مراحل التعليم.

ولقد سبق للبلدية والمجاهدين في ڤنزات أن نظموا ندوات لشهداء المنطقة، مثل آرزقي كحال ومليكة قايد وميدوني محند الشريف وبوزناد احمد سالم.

 ولد الشهيد الطيب عبد الحميد ويدعى “أوباجي” عام 1911 ببلدية اخليجن، ڤنزات حاليا، عرش بني يعلى. وكجميع أترابه في تلك الفترة، دخل الطيب جامع القرية وتعلم ما تيسر من القرآن والكتابة والقراءة ومارس الفلاحة، سار على هذا المنوال الذي لم يتغير منذ سنين كباقي سكان بني يعلى إلى أن بلغ الـ20 عاما، حيث وردت إليه برقية تأمره بالالتحاق فورا بالخدمة العسكرية.
بعد التدريبات الأولية الضرورية، اقتادته القوات الاستعمارية وألحقته بكتيبة بالمغرب الأقصى، واستعمل كباقي المجندين الجزائريين والمغاربة في إخماد نار انتفاضة قام بها الأهالي ضد الوجود الفرنسي. وهنا بدأ الطيب الشاب يتساءل ويسأل عن كل شيء. الخدمة العسكرية التي أداها عنوة عنه جعلت منه إنسانا يفكر أبعد من حدود قريته وعرشه، ويلتقي بأبناء وطنه في مثل سنه من جميع المناطق. بفضل فطنته أخذ منهم الكثير، واستعمل بعد ذلك فكره وذكاءه لتنمية وعيه السياسي وحسه الوطني.

بعد الخدمة العسكرية الإجبارية، سافر إلى فرنسا واندمج الطيب الشاب سريعا في الوسط العمالي وكوّن لنفسه مكانة في صفوف الجالية. عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية، جند فيها أوباجي في إطار التعبئة العامة وألقي عليه القبض من طرف القوات الألمانية في جوان 1940، وسجن مع مجموعة 32 قائمة 16 أكتوبر 1940 وحوّل بعد ذلك إلى سجون ومعتقلات بألمانبا.

استطاع الإفلات من أيدي النازيين والفرار من السجن، مارس التجارة غير الشرعية وعرف المطاردة البوليسية، خاصة عندما رفض الالتحاق مرة أخرى بقوات الحلفاء على جبهات القتال. في هذه الأثناء، انضم إلى العمل النضالي في حزب الشعب الجزائري، وعندما توقفت نيران الحرب في 1945 وجد نفسه مطلوبا من طرف العدالة الفرنسية، فاضطر إلى الاستقرار في المملكة البلجيكية، وفي 1948 عاد سي الطيب إلى بلدته.

فتح الطيب دكانا للمواد الغذائية والخضروات بڤنزات، وبعد مدة قصيرة أصبح دكانه يستقطب وجوها سياسية نافذة في المنطقة ودخل الانتخابات البلدية ضمن قائمة حركة الانتصار للحريات الديمقراطية التي يتصدرها المناضل المحنك عبد الباقي مصطفاي، وأحرزت القائمة فوزا ساحقا وعيّن سي عبد الباقي بالإجماع رئيسا للبلدية.

اندلاع الثورة في أول نوفمبر 1954 فاجأ الكثير من مواطني ومناضلي بني يعلى، وفي أواخر عام 55 اجتمع أعيان ڤنزات ومناضلو الحركة الوطنية بآورير من أجل معرفة من الذي أشعل نار الثورة ومن يقودها ومن هو على حق؟ لقد اكتسحت منطقتهم قوات كبيرة من المصاليين بقيادة بلونيس، وانضم إليها عدد من الوطنيين ووجدت دعما من مناضلين في حزب مصالي، وفي الوقت نفسه ظهرت مجموعات مسلحة تقول إنها هي التي تتزعم الثورة وكان بين صفوفها أيضا مناضلون من بني يعلى. ولمعرفة حقيقة الثورة التي بدأت في منطقتهم بصراع بين أبنائها الذين ذهب كثير منهم ضحية هذا الانقسام، قرروا في اجتماعهم الذي حضره الرائد سي احمبمي أوفاضل إرسال شخصين إلى الجزائر العاصمة للاتصال بقادة جبهة التحرير وهما سي الصالح بن خرف الله وعلي الشريف وشخصين آخرين إلى الأوراس لنفس الغرض، وهما سي الطيب عبد الحميد ومخلوف باجي.

قصد سي الطيب وسي مخلوف مدينة سدراتة، حيث تقيم عائلة من قريته ثيـﭭرث منذ سنين والتي سهلت لهما الاتصال بجيش التحرير، والتحق سي الطيب فورا بأفراده في الجبال بعد ما تيقن من نبل رسالتهم.

ككل متطوع ومتقدم جديد للجهاد، كان عليه تنفيذ عملية قبل الانضمام إلى صفوف الجبهة، شرط أساسي اعتمدته الثورة لامتحان وتجريب المقبلين على الجهاد في صفوفها.. أبدى سي الطيب استعداده الكامل وقبوله التام لهذا الشرط، وانضم إلى مجموعة من الثوار الذين قرروا ضرب المستعمر في قواعده وزرع الخوف والذعر في صفوفه وكسب ثقة وود المواطنين تجاه ثورتهم.
العملية الأولى التي قام بها أوباجي رفقة مجاهدين آخرين كانت بعين البيضاء، حيث وضعوا قنبلة لعساكر المستعمر وفجروها. وبعد العملية أخضعوه لتجارب أخرى في جبال وكهوف وعرة، قدم فيها خبرته لجنود جيش التحرير الذين لا يملكون إلا شجاعتهم وحبهم وإخلاصهم لوطنهم.

تقرب من سي الطيب مسؤولون بجيش التحرير في الأوراس، الذين أعجبوا بخبرته العسكرية وطلبوا منه مرافقة مجموعة من الجنود بقيادة عمر بن بولعيد وإبراهيم كابويا وعلي مسيس إلى ﭭنزات المحررة للاجتماع بكريم بلقاسم ومحمدي السعيد وعميروش. انطلق الجميع من الأوراس إلى بوندا فڤنزات، حيث اجتمعوا بالقادة التاريخيين. واستفسر سي عميروش عن سر التحاق سي الطيب بالثورة في الأوراس، ولما عرف الحقيقة ضمه إلى صفوفه بكل اعتزاز وأشركه في الاستعراض الكبير عبر الشارع الرئيسي لڤنزات مع 1000 جندي من القبائل و300 من الأوراس، وعيّنه رئيس فرقة في كتيبة الناحية الرابعة للمنطقة الأولى (بني يعلى)، حيث قاد عدة معارك ضد العدو، ثم انتقل إلى البيبان، وبالضبط إلى المنطقة الأولى ببنى عباس، حيث خاض معارك طاحنة في جبال البيبان وأكفادو والصومام. يشهد له الجميع بالشجاعة والخبرة وكفاءته العالية في التخطيط والتنظيم وقيادة العمليات، وتقدمه الصفوف الأولى في ساحة المعركة، لذا كان محل ثقة ويكنّ له الجميع محبة كبيرة وإخلاصا منقطع النظير لتجربته الحربية والنضالية ولفارق السن ويعتبرونه نموذجا في التضحية والجهاد. وفي صيف 1959 رقي إلى رتبة مساعد عسكري، وعين للمرة الثانية في الناحية الرابعة ببني يعلى التي قابل فيها العدو عدة مرات، ملحقا إياه خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.

في نهاية عام 1957 استدعي سي الطيب أوباجي من طرف العقيد عميروش الذي كلفه وجنود كتيبته بمهمة في غاية الأهمية والخطورة إلى تونس لجلب الأسلحة. المهمة جد صعبة لأنها تقتضي قطع مسافات طويلة دون سلاح على أراض جبلية وشبه صحراوية لم يسبق لأحد أن مر عليها أو تعرف على سكانها ومناضليها. هذه الأسلحة الجبهة في أمس الحاجة إليها. ومثلما لبى نداء الوطن في بداية الثورة دون أي تردد، قبل المهمة الجديدة لنبلها وضرورتها القصوى بالنسبة لمصير الثورة.

كتيبة سي الطيب من الكتائب الأولى التي اخترقت خط موريس
انطلق سي الطيب يوم 11 ديسمبر 1957 مع مجموعة من المجاهدين الشجعان تتكون من 300 جندي من أكفادو قاصدين “غار ديماو” بتونس، 90 بالمائة منهم مجردون من السلاح. مروا على مسالك وجبال وعرة عبر المعاضيد إلى غاية سوق أهراس، ودامت الرحلة 57 يوما حسب المجاهد سي الرشيد بلعزوڤ.

وصلت الكتيبة إلى جبل بوخضرة وهي مكسوة بالثلوج وعساكر العدو على بعد أمتار، فبالإضافة إلى التعب والثياب الرثة والبرد القارس، لم يذق المجاهدون الطعام منذ 4 أيام، وبفضل صبرهم وإرادتهم تخطوا كل الصعاب ودخلوا الأراضي التونسية.

تعد كتيبة سي الطيب من الكتائب الأولى التي اخترقت خط موريس الذي أنشأه المستعمر في خريف 1957 فقط ووصلت إلى الكاف التونسية يوم 8-2-1958 ثم غار ديماو في حالة أقل ما يقال عنها إنها سيئة للغاية “تطلب الأمر إدخال المجاهدين المستشفى وتطهيرهم من جروح الأسلاك والقمل والأمراض الجلدية”، على حد تعبير سي الرشيد بلعزوڤ الذي بكى عند ذكر هذه الرحلة الشاقة والخطيرة.

مكثت الكتيبة 4 شهور بتونس وبعد استرجاع القوة والاستفادة من التدريبات العسكرية والحصول على السلاح والذخيرة انطلقت برفقة مجاهدين آخرين رافقوهم إلى غاية الحدود والخطوط المكهربة فعبروها بمشقة كبيرة وبإصابات، وكان كل مجاهد يحمل على كتفيه سلاحين و700 خرطوشة على الأقل، حسب سي الرشيد.

في طريق العودة مرت الكتيبة على ڤالمة وسكيكدة، وعند تخطيهم منطقة الحروش في الولاية الثانية خاض المجاهدون معركة كبيرة كلفتهم استشهاد 20 رفيقا وقتلوا عددا في صفوف العدو، وعندما بلغوا مركز القيادة بأكفادو استقبلهم سي عميروش بكل حفاوة وفخر واعتزاز، فسلموا له الأسلحة والذخيرة واحتفظ كل مجاهد بسلاح واحد وكمية من الذخيرة.

كثيرة هي المعارك التي قادها سي الطيب عبد الحميد ضد الاستعمار، وجرت رحاها في جميع مناطق الولاية الثالثة، خاصة ببني يعلى وبني عباس والبيبان. ويتذكر السكان والمجاهدون معركتي جبل بوخميس بين بني يعلى وزمورة، إلى يومنا هذا، بكل فخر واعتزاز.

المعركة الأولى ببوخميس وقعت يوم 4 ديسمبر 1958، وقد خطط لها سي الطيب جيدا، حيث تحركت كتيبته من القليعة في اتجاه “إيغزر بوحربيل” في الساعة الواحدة صباحا لكي لا يتفطن لها العدو. أما القوات الاستعمارية، يقول المجاهد عبد الرحمان بن العربي، فلقد أقبلت من ثلاث مناطق: من الماين عبر ڤنزات إلى سيدي محند أويحي، ومن زمورة ومن بني لعلام، وقد سبقتها أسراب من الطائرات. عند المكان المحدد وفي اللحظة المناسبة، أعطى سي الطيب إشارة بداية الهجوم على العدو بإطلاق نار سلاحه صوب الكوكبة التي تحمي القائد والقافلة، تلاه في الحين وابل من رصاص أسلحة المجاهدين المدوي الذي لم ينقطع ولو لحظة. استمرت المعركة أربع ساعات تكبد فيها العدو خسائر كبيرة، تمثلت في إصابة أكثر من 20 جنديا بين قتيل وجريح، واستشهد خمسة مجاهدين وجرح عدد مماثل.

في معركة بوخميس أذاق جنود جيش التحرير المر لجنود العدو، حيث واجهوهم بتكتيك جهنمي أوقعهم في كمين لم يخرجوا منه إلا بشق الأنفس، وتمكن سي الطيب من إلقاء القبض على الكابتن الفرنسي الذي استطاع التملص والإفلات من يديه بأعجوبة متخليا عن قميصه الذي أمسكه به، وأعقبه بطلقات نارية أصابته لكنه نجا من الموت .

بعد عام من هذه المعركة التي ثأر لها العدو بقتل الأبرياء، قاد سي الطيب هجوما آخر ضد قوات العدو ببوخميس أيضا في 18 ديسمبر 1959، واستمرت المعركة حوالي ساعتين تمكنت فيها كتيبة سي الطيب من القضاء على جنديين فرنسيين هما: “فرانسوا ماري” و«جان بول همرين”.

آخر معركة كبرى قادها الشهيد أوباجي جرت رحاها بالقلعة غرب ڤنزات يوم 8 مارس رفقة 13 مجاهدا استشهدوا جميعا، استعمل فيها العدو كل إمكانياته البرية والجوية والأسلحة الثقيلة منها، وحتى النابالم، حسب المجاهد عبد الرحمان بن العربي.

شيد المجاهدون في القلعة عدة مراكز منذ بداية الثورة، استحال على العدو دخولها وفرض قبضته عليها لصعوبة التضاريس. ولما تعززت قواته بإمدادات جديدة أثناء “حملة شال” قرر خوض معركته الحاسمة بهذه الجهة. تحصل العدو على معلومات مؤكدة أن عددا من المجاهدين يتمركزون بمكان يسمى “إغزر أوذرغال” وأن عددا آخر انضم إليهم بعد عمليات قاموا بها بجبال أعشابو المقابلة. جهزت قوات الاستعمار نفسها جيدا من حيث العدد والعدة وقررت اقتحام المراكز يوم 8 مارس 1960، وكان سي الطيب بالمكان رفقة 13 مجاهدا. بدأ الهجوم في الصباح بعدد كبير من الجنود الفرنسيين فاق 400 لم يستطيعوا التوغل لأن المجاهدين أحكموا سيطرتهم على الموقع وكانوا محصنين وسط صخور طبيعية وواقية، ما جعل قوات العدو تعتمد على الغارات الجوية وإلقاء القنابل وحتى الصواريخ والغازات السامة دون انقطاع، بفضل العدد الهائل من الطائرات المسخرة.

 قاوم المجاهدون هذه الترسانة ببسالة وقتلوا وجرحوا عددا كبيرا من العساكر وأجبروا الآخرين على البقاء بعيدا عن ساحة المعركة.

نال الشهادة في هذه المعركة التاريخية جميع المجاهدين المتواجدين بالقلعة وبقي سي الطيب يقاوم بكل شجاعة رغم إصاباته البليغة في رجليه وتأثره بالغازات التي تمكنت منه، واستطاع إسقاط طائرة مجهزة بصواريخ وخزانات للغاز انحنت وسقطت ببوعيفر.   أما الشهداء الذين سقت دماؤهم أرض القلعة الطاهرة، فنذكر منهم عبد الرحمان يحي، وغزلاوي أرزقي، وجايز أرزقي. وقد نجا قائد العملية بأعجوبة من هذه المعركة، إلا أن الإصابة التي تعرض لها في رجليه كانت جد بليغة أدخلته في غيبوبة كادت تودي بحياته لولا تفقد أحد رفاقه الموقع، وهو سي الصالح عيباش، بعد 3 أيام من المعركة.

يقول سي الصالح “المكان والمخبأ الذي جر سي الطيب نفسه إليه بعد المعركة غير آمن، لذا حملته على ظهري لمخبأ آخر تحت الأرض بالقلعة”. اتصل سي الصالح بالقيادة التي أوفدت للجريح ممرضا خاصا وبعائلته التي أصبحت تزوده بالغذاء والدواء لأسابيع استطاع خلالها استرجاع قوته وعافيته، ولما أحس بقدرته على المشي قرر الرحيل والالتحاق بقيادة الولاية الثالثة التي تنتظره، وقبل ذلك كان عليه زيارة أسرته التي اشتاق لها كثيرا. لكن الأقدار شاءت أن لا يبلغ بيته ويرى أفراد أسرته، فاستشهد في ظروف مأساوية على بعد أمتار فقط من أهله في ماي 1960.

الرحلة الأخيرة
لما شفي أراد زيارة أهله وذويه المقيمين بقرية ثاماسث قبل مغادرة المنطقة، فقتل عن طريق الخطأ من طرف رفيق له في السلاح على بعد أمتار من بيت الزوجية والأولاد. وهكذا شاءت الأقدار أن ينجو سي الطيب أوباجي في معارك طاحنة في عدة مناطق من البلاد ويستشهد في ظروف مأساوية قرب الدار التي تأوي أسرته دون أن يلقي على أفرادها النظرة الأخيرة.

الصدمة
رفاق الشهيد لم يصدقوا ما وقع لقائدهم وقد صدم الكثير منهم خاصة الذين كافحوا إلى جنبه وتحت قيادته أكثر من 5 سنوات، لم يعرفوه إلا شهما وشجاعا ومتحليا دائما بروح التضحية ويقدرون فيه الخبرة والحنكة التي تجعلهم يشعرون بالأمان عندما يخوضون المعارك تحت قيادته، وكان يعاملهم معاملة الأب لأولاده لأنه يتقدمهم جميعا في السن. واستشهد سي الطيب أوباجي وعمره لا يتجاوز تسعا وأربعين سنة في شهر ماي 1960.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول