الشقق تعوّض غياب المرافق السياحية في جيجل

روبورتاجات
26 أغسطس 2016 () - جيجل: مبعوث "الخبر" حسام حريشان
0 قراءة
+ -

رغم غياب المركبات السياحية وندرة الفنادق وانعدام المراكز التجارية ونقص المرافق الترفيهية وانعدام الملاهي الليلية في ولاية جيجل، التي لا تزال كما أرادها أهلها “عذراء”، إلا أن جمال شواطئها الموزعة عبر 120 كيلومتر، وسحر كورنيشها البحري الخلاب الذي لا يخلو من الجمال على امتداد 40 كيلومترا، وخضرة طبيعتها الساحرة (80 في المائة من اليابس عبارة عن جبال وغابات)، جعلتها مقصد الملايين من الزوار، الذين لم تمنعهم لا حملة المقاطعة التي تعرضت لها بحجة ارتفاع الأسعار، ولا مشقة السفر للوصول إليها ولا الزحمة المرورية ولا غياب المرافق.“الخبر” زارت سواحل ولاية جيجل في ذروة موسم الاصطياف، منتصف شهر أوت الجاري، واقتربت من الطرفين من أبناء المنطقة وزوارها، في رحلة البحث عن مفاتيح لغز المنطقة التي استطاعت المحافظة على عذريتها رغم تغيّر الأزمنة والذهنيات.

ما إن تشرق الشمس في الولاية الساحلية، حتى تنطلق المركبات السياحية في السير في الاتجاهين الشرقي والغربي المطل على البحر، وتعجّ طرقاتها بسيارات تحمل لوحات ترقيم من مختلف الولايات، ومن دون مبالغة سيلمح بصرك جميع الأرقام من أدرار إلى غليزان. وما أثار استغرابنا أكثر هو قلة السيارات التي تحمل ترقيم ولاية جيجل (18)، الذي اقتصر على الحافلات والشاحنات وسيارات الأجرة  والقليل من السيارات السياحية، والسر يكمن في أن أبناء المنطقة يفضّلون ركن سياراتهم بعيدا عن كابوس الزحمة المرورية.

طبيعة وزحمة مرورية

انطلقت أولى خطواتنا من شاطئ “كتامة” القريب من وسط المدينة، حيث كانت الساعة وقتها تشير إلى الثالثة زوالا، وككل زائر لمدينة يجهلها، بدأت بالبحث عن فندق أو مرقد أمضي فيه الليلة، لكن سرعان ما اكتشفت أن الفنادق، التي تعدّ على أصابع الأيدي والتي لا تتجاوز 3 نجوم، عاجزة تماما عن تغطية طلب السياح، و”حجز غرفة في أوَج فصل الصيف ضرب من الخيال”، على حد قول أحد أبناء المدينة الذي يشتغل داخل مطعم يقع بمحاذاة شاطئ كتامة تناولنا فيه وجبة غذاء خفيفة بـ180 دينار جزائري.

بداخل المطعم التقيت بـ 3 شبان، تتراوح أعمارهم بين 20 و24 سنة، قدموا من الحراش بالعاصمة، بحوزتهم خيمة متنقلة ينصبونها في إحدى الشواطئ لقضاء باقي أيام عطلتهم المنطلقة من ولاية بجاية، يقول أحدهم وهو يغادر المطعم مبتسما: “8 آلاف دينارا سعر اقتناء الخيمة.. وارقد وين حبّيت”.

تركنا أمين ورفاقه يبحثون عن مكان ينصبون فيه خيمتهم، وجهتنا شواطئ غرب الولاية. أخذت الحافلة تشق طريقها وسط الزحمة المرورية الخانقة، وبدأت الطبيعة تتحدث لغتها، فعلى يمينك جزر خضراء تطفو فوق الأزرق الكبير، ومن شمالك جبال وعرة مكسوة بغابات خضراء تنتهي بسهل محاذي للبحر تنهض من فوقه بنايات بسيطة يقطنها “جواجلة” أبوا إلا أن تبقى منطقتهم “عذراء” رغم تغيّر الأزمنة ومرور السنين وعبور ملايين الزائرين.

عبرنا شاطئا “الخليج1و2” وشاطئا المنارة الكبيرة، مرورا بشاطئ وبرج بليدة المعروف باسم “أندرو” أين تتوقف حركة المرور وتصل الزحمة ذروتها بسبب التقاء الشاطئ مع حديقة الحيوانات والتسلية “تازة”، وببطء شديد واصلنا تقدمنا غربا نحو شاطئ “الصخر الأسود”، حتى توقفت الحافلة في محطتها الأخيرة بمدينة “العوانة” المعروفة بـ”كافالو” الاسم الذي ورثته من الحقبة الاستعمارية، والواقعة على بعد أمتار من الكورنيش الجيجلي.

فنادق موازية

واصلنا رحلتنا ببلدية العوانة نستطلع الرأي تارة ونستمتع بخضرة المنطقة تارة أخرى، حتى دلّنا العارفون بالمنطقة على شخص حوَل منزله العائلي المتكون من 4 طوابق إلى بناية شبيهة بفندق متكون من عدة غرف نوم بعضها مجهزة بالأجهزة الكهرومنزلية وأخرى بالأفرشة فقط، يستأجرها للعائلات والشباب بأسعار معقولة تتراوح بين ألف وثلاثة آلاف دينارا جزائري. 

دخلنا حديقة المنزل في حدود الساعة السابعة مساء، وللوهلة الأولى قابلتنا أشجار تحيط به من جميع الجوانب، وعلى اليمين موقف مركون فيه ما يفوق عن 10 سيارات قدم أصحابها من مختلف ولايات الوطن. استقبلنا صاحب المنزل وهو شاب في عقده الثالث ينحدر من العاصمة، بكلام معسول لا يخلو من عبارات الترحيب، وبعد مفاوضات لم تدم سوى دقائق وافق على منحي غرفة مقابل ألف دينار، ليسلّمني مفاتيح الغرفة التي تحمل رقم بابها، مثلما هو معمول به في الفنادق، حقيقة كان مبنى بجميع مواصفات الفندق ولم ينقصه إلا مكتب استقبال ولائحة كبيرة يكتب عليها “فندق”. 

يقول صاحب المنزل في حديثه معنا: “قسمت المنزل إلى جهتين، الأولى خاصة بالعائلات، والأخرى للشباب، ولا أحاسبهم عن عدد الأشخاص الذين يبيتون معهم، لكن أمنحهم 4 أفرشة وإذا استقدموا أقاربهم أو أصدقاءهم فعليهم جلب الأفرشة معهم”. 

شقق ومنازل لإيواء الزوار

الداخل للولاية من بابها الشرقي وقبل 5 كيلومترات عن المدينة، ينتبه لتلك اللافتات المكتوب عليها كراء الشقق مصحوبة بأرقام هواتف أصحابها الذين لم يتركوا مكانا يصلح لتعليق لافتتهم إلا واستغلوه، في الأعمدة الكهربائية على الجدران، في مواقف الحافلات، في جذوع الأشجار، على واجهات المحلات... وحتى في شرفات المنازل.    
 
ولعل أغلب قاصدي ولاية جيجل يفضلون استئجار شقق أو غرف نوم بأسعار مختلفة تتراوح بين 2500 حتى 8 آلاف دينار جزائري.

هذه الأسعار تتحكم فيها عدة عوامل على غرار عدد الغرف والقرب من شاطئ البحر، والتجهيزات التي يتركها صاحب الشقة تحت تصرفهم، وطبعا إن أردت المكيف الهوائي وآلة الغسالة، فعليك دفع مبلغ يفوق 6 آلاف دينار جزائري كأقل تقدير، وإن كانت تكفيك غرفة شاغرة بها فراش فقط لك أنت وعائلتك، فالأمر لن يكلفك سوى 2500 دينار. وفي الموضوع يقول أحد أبناء بلدية العوانة الساحلية، إن الأسعار في متناول جميع العائلات باختلاف مستوياتها، “لا تنسى أن الشقة المتكونة من 3 غرف تستوعب 3 عائلات أو أكثر، مما يرفع بشكل أو بآخر نسبة استهلاك الكهرباء والماء والغاز، خصوصا إذا كانت مجهزة بآلات كهرومنزلية، ولهذا الأسعار تكون مرتفعة نسبيا مقارنة بشقة شاغرة”.

اقتربنا من شخص آخر يقطن بحي أولاد بوالنار، غير بعيد عن شاطئ المنار الكبير، التي كانت في الماضي القريب تضم بضع بيوت ليس إلا، لكن اليوم توسعت ببنايات وفيلات شيَدها أصحابها خصيصا لغرض الاستئجار، حيث قسّموها لعدة شقق صغيرة، فأصبحت البلدية تنافس البلديات المجاورة من حيث الأسعار، إذ كشف محدثنا أن “سعر كراء شقة متكونة من غرفتين يتراوح بين 4 آلاف و6 آلاف دينار جزائري، حسب التجهيزات المتوفرة بداخلها، وهي نفس أسعار استئجار شقق بالبلديات المجاورة كـ”الصخرة السوداء” و”كافالو”.

حملة مقاطعة!

تعرضت ولاية جيجل، مؤخرا، لحملة مقاطعة على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي خصوصا من طرف قاطني الولايات الشرقية الذين اعتادوا على قضاء عطلتهم في شواطئها، وهو ما دفعنا إلى الاقتراب من بعض الزوار لجسّ نبضهم واستطلاع رأيهم في الموضوع، فاغتنمنا فرصة تواجدهم في حديقة الحيوانات والتسلية ببرج بليدة “أندرو”، التي تستقبل يوميا ما يقارب 18 ألف زائر.

يقول مراد القادم من ولاية سطيف رفقة عائلته: “استأجرت رفقة عائلة شقيقي منزلا من 3 غرف بسعر 4.5 ألف دينار لليلة، وهو نفس سعر الموسم الماضي”، وتابع مبتسما: “منذ عشرات السنين أمضي عطلتي في جيجل ولا أجد راحتي إلا هنا”، أما عن أسعار المواد الاستهلاكية قال: “أظنها أقل من ولايات ساحلية مجاورة”. ويشاطره الرأي السيد مسعود، 50 سنة، القادم رفقة عائلته من ولاية خنشلة، حيث استأجر شقة بسعر 4 آلاف دينار، بها بعض التجهيزات كالتلفاز والفرن والأفرشة، والأمر نفسه بالنسبة للسيد كمال ابن ولاية بسكرة الذي كلّفته شقة متكونة من 3 غرف مبلغ 5 آلاف دينارا تقيم فيها 3 عائلات. أغلب العائلات التي اقتربنا منها عبّرت لنا عن رضاها على مستوى الأسعار مقارنة بالموسم الماضي ومقارنة بالولايات الساحلية المجاورة، وهو ما ذهب إليه أحدهم حين قال: “الأسعار في متناول الجميع، وبطبيعة الحال تجدها مرتفعة نسبيا في الأكشاك بالشواطئ، وهي تجارة موسمية يغتنمها هؤلاء الشباب لتحصيل أكبر ربح ممكن، وهو حال جميع شواطئ الجزائر على حد سواء”. 

النقل ليلا مهمة مستحيلة

ما إن تغرب الشمس ويسدل الليل ستاره حتى تختفي زرقة البحر وخضرة الجبال ويفرض الأسود الداكن منطقه، تشلّ حركة النقل وتتوقف الحافلات عن السير ليحل محلها سائقو “الكلونديستان”، بينما المركبات الحاملة لـ48 ولاية تواصل بنفس وتيرة السير حتى ساعات متأخرة من الليل، أما النشاطات الترفيهية والسهرات الفنية فهي مقتصرة على وسط المدينة فقط، فيما يفضّل آخرون اللجوء إلى الحديقة التي تغلق أبوابها حتى ساعات متأخرة من الليل، وطبعا للوصول إليها عليك التحلي بصبر أيوب وسط الزحمة الخانقة.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول