الأحادية علّمتنا الصحافة الحقيقية وغرست فينا الإبداع

ثقافة
26 أغسطس 2016 () - حاوره: طهاري عبد الكريم
0 قراءة
+ -

هو باختصار الإعلامي الروائي المهدي ضربان، الذي عرفناه قلما مميزا في الإعلام المكتوب وفي الإعلام الإلكتروني مؤسسا لموقعين: أصوات الشمال وسيدي عيسى فضاء روحاني بأسماء من ذهب. عايش الإعلام والرواية وأصدر روايته المعروفة “نياشين اللعنة” عام 2007. وكان قبلها عام 2006 قد نال جائزة الرواية التي تنظمها وزارة المجاهدين عن روايته “تراتيل المكان”.. عشت معه لحظات كان لي فيها هذه المحطات من حياته وتجربته مع الرواية.. وعبر هذا الحوار مع “الخبر” نحيل ذواتنا على جديد هذا الصامت كي نسعد بكل مضامين محطاته..

القارئ يريد معرفتك عن قرب؟
 المهدي ضربان كاتب صحفي خريج الجامعة الجزائرية عام 1983.. عايشت حراك الإعلام في مجلة “الوحدة” زمن الأحادية الحزبية.. ومن يشتغل في مدرسة مجلة الوحدة في الثمانينيات يرسم لذاته مسارا إعلاميا ويلبس هذا الرصيد من الكتابات في ثنايا زخم إعلام كان مميزا، حيث عشنا في مجلة “الوحدة” تنوعا فكريا كان له الفضل في أن أكتب في كل الأنواع الصحفية... أتذكر حوارا لي أجريته في “الوحدة” مع الشاعر الأخضر فلوس، الذي أراه سببا مباشرا في انطلاقتي عبر الكتابة الثقافية ..

أرى أن هذا المعنى قد ارتسم لك أكثر فيما بعد في بداية التسعينيات؟
 بالضبط كان لي أن أعايش فواصل تجربة أخرى مع الإعلام الثقافي في الملحق الثالث الثقافي عبر الوطن، بعد ملحق الشعب للراحل الروائي الطاهر وطار، وملحق “الخبر” للروائي عبد العزيز غرمول. في الملحق الثقافي الثالث، وعبر الكتابة، تشكّلَ لي الإرهاص، حيث ترسم لك المقالة الأدبية زخما قيميا كي تعيش على وقع الثقافي المطعّم بالشخوص الإبداعية. ويمكن لك أن تزاوج بين حراكين كلاهما حكاية جميلة في تثوير الهاجس. أتذكر أنني التقيت الروائي المرحوم عمي الطاهر وطار في رواق “وكره” الثقافي بالجاحظية. لما عرفني عن قرب قال لي دون مقدمات: أنت تعجبني، لماذا لا تكتب في الإبداع؟ أرى أسلوبك جميلا. وقتها كان لي أن أتخندق في معناه مؤشرا نفسيا لي كي لا أحيد عن بوح يؤسس للاحتراق والمعنى، حيث نشرت بعدها نصوصا في الشعر والقصة القصيرة والنقد والخاطرة، إلى أن شاركت في مسابقة وزارة المجاهدين للرواية وفزت بروايتي “تراتيل المكان”. وكانت لجنة التحكيم وقتها مشكّلة من كبار الإبداع والفكر في الجزائر، ما أحالني على أن أعيش على وقع ما قاله الروائي الطاهر وطار ..

وماذا عن “نياشين اللعنة” روايتك الصادرة في إطار الجزائر عاصمة للثقافة العربية 2007 عن دار “آرتيستيك” للناقد الناشر جمال بلعربي؟
 “نياشين اللعنة” حكاية جميلة. هي صورة طبق الأصل لوضع عايشته شخصيا في زخم الأحادية الحزبية والتعددية ومراحل سياسية تعاقبت على الجزائر، من شعار الرئيس الشاذلي بن جديد “من أجل حياة أفضل” إلى “العمل والصرامة لضمان المستقبل” إلى عشرية حمراء رسمت معالم جديدة في مسار الجزائر منذ ثورة الشباب عام 1988 من باب الوادي. في روايتي “نياشين اللعنة” تعيش معي حراكا وشخوصا للجزائر. وهي في مخاض عشناه مضطربا وكنت شاهدا على لعنة أصابت البلاد والعباد معا. رغم ما يبدو لك من نياشين براقة، ماهي سوى فقاعات تحيل على ضياع هوية وشعب.. ضمن اللاوعي، وضمن مسار مضطرب، عاش الأحادية والدوغماتية ودخل في تعددية فوضوية كادت أن تعصف بنا وبالجزائر إلى رؤية تكنوقراطية، لم تنتج سوى شطحات هنا وهناك. وفي “نياشين اللعنة” أنت تعيش سيرة معلوماتية لواحد شاهد على كل هذا الزخم وكل هذا التحول، يريد للجزائر أن لا يذهب ريحها خاصة مع هواة اللعب وهم كثيرون وقتها، أرادوا نسف كل مقومات الشعب الجزائري الأصيلة.

قرأت وعشت فصولا منها، أعجبتني، لكن كنت أراك أنت فيها كثيرا ممثلا للبطل الطاهر الذي كان يرصد الواقع عن كثب. أراك كنت البطل الأوحد في الرواية؟
 فعلا، الطاهر أو أنا.. هو هذا الزخم السياسي والاجتماعي الحاصل في الكينونة الحياتية ككل. كنت شاهدا على هذا الواقع السياسي الهجين، وكنت ناقلا له، وكنت أعايش هذا التحولات، من منطلق معايشتي للواقع الجزائري. نحن عشنا زمن الأحادية والتعددية والفوضى، وتسنى لنا معرفة الحاصل. ولا تنسى، كنا في مجلة “الوحدة” التي تعلمك كيف ترصد الواقع وتكتب بحرية في زمن كانت الأقلام مكممة. كنت أعيش المعنى الحياتي، وكنت مثلي مثل كل الجزائريين أتحسر على الجزائر بطريقتي، أريد لها أن ترقى بين الأمم، لكن الذي كنت أراه مجرد ديماغوجية كان مؤشرها ثورة شباب ينفجر في عام 1988 في باب الوادي وفي كل العاصمة. كان لي أن أعيش زخما وكنت أرصد محطات هذا الوجع ضمن مسلك إبداعي روائي فيه الحكاية، والشخوص والمكان والحبكة الفنية تريد لها أن ترسم وجهة نظر بريئة لواقع غير بريء خاصة مع التعددية، أين ذهبت ريح الجزائر ودخلنا مرحلة “طاڤ على من طاڤ”. والحمد لله أنني عشت كل هذه المحطات إلى أن جاءت سياسة المصالحة الوطنية أقول “سياسة”، لأن كل شيء عندنا سياسة. كل شيء يسيّس، حتى الفرح مسيّس عندنا، والبكاء والحب والعلاقات الزوجية. إذن وصلنا إلى محطة جنبتنا أن ندخل ردهات أخرى من زمن ردة نتمنى ألا يعود. فربيعنا نحن كان مر منذ أكثر من عقدين، ونعيش الآن رغمما نعانيه في رحمة وسعادة من حيث الأمن، ولنا منبر في السماء مثلما نعيشه اليوم مع الفيسبوك الذي يحمل الإرهاص ويقوّض كل عملية تريد أن تراقبك في حياتك اليومية. روايتي “نياشين اللعنة” لمن لا يعرفها، هي حالة شعورية لواحد كان يراقب ما يحدث في جزائره الحبيبة.

لكن رغم كل هذا، أنت صامت دائما أين أنت؟ وأين هي إضافاتك الأخرى؟
 فعلا أنا أشتغل في الإدارة الآن، والتي أخذت كل وقتي لكنني لست صامتا.. لعلي أنا المتحدث الوحيد، كما قالها لي يوما في حوار أجريته معه الشاعر المتميز الأخضر فلوس. لست صامتا، وإنما كانت لي فرصة أن أعيش على وقع بداية بداياتي الأولى كي أعود للإعلام من بابه الإلكتروني، حيث أسسنا مع مجموعة من الزملاء، وهم: رابح بلطرش، عباس بومامي وجزولي دنيدني الموقع العالمي المشهور “أصوات الشمال” ثم انتقلت لتأسيس موقع جديد هو “سيدي عيسى فضاء روحاني بأسماء من ذهب” مع كل من الزملاء: محمد ونوغي وعلي علاوة. موقع يؤسس عبر مضامينه لدفة إعلام ثقافي عبر مجلة إلكترونية ترصد الفعل الثقافي في الجزائر والعالم العربي عموما.

نعود لروايتك “نياشين اللعنة”، فأنت تذكر مدنا: بالما.. دي مايوركا، برشلونة، نابولي، وبنزرت. هل هو أدب الرحلة؟
 لا، أنا لست ابن بطوطة. بل هي صورة جاءت صدفة، حيث زرت في زمن الرخاء في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد هذه المحطات العالمية. والحمد لله ارتسمت في روايتي، حيث كانت إيطاليا وإسبانيا تعيش على وقع الاضطرابات، كانت فرصة كي أقارن بين محطات مضطربة وجزائر آمنة، وهي صورة رسمتها عن قصد كي أحيل الناس على وضعنا، كان آمنا في الثمانينيات لينفجر الوضع بعدها في التسعينيات. محطات مكانية تحيل على مقاربة اجتماعية بحتة ترسم لك جزائر ما قبل الفتنة وجزائر حمراء من سحب الأفكار، وجعجعة من كان في قلوبهم مرض. فلا مكان وقتها بعد الفوضى لنياشين، ولا لحياة كانت في اللعنة، وكان الشك يدب في النفوس لدرجة ذهبت ريحنا وريح الجزائر.

كتَب مقدمة روايتك الرسام والنحات العالمي محمد بوكرش. ماذا يعني لك هذا الاختيار والمعنى معا؟
 هي رؤية تحيل القارئ على هذا الجميل من الحراك الثقافي والفني يلازم الروائي بريشة فنان ولمسة نحات، كان قد ترك لنا أكبر منحوتة في مدينة شاانغ شونغ الصينية، وسماها النحات العالمي محمد بوكرش وقتها منحوتة السلام. وكنت من خلال “نياشين اللعنة” أنشد الوئام والسلام بعد أن ذهبت ريحنا جميعا في عشرية حمراء نطلب من الله ألا تعود أبدا ..

وماذا عن مشاريعك المستقبلية؟
 هي كثيرة عزيزي، لكن أهمها كتاب موسوعي يحمل نفس عنوان موقعي: “سيدي عيسى فضاء روحاني بأسماء من ذهب”. وهنا أناشد كل سكان سيدي عيسى الذين أعتز بهم كي يساعدوني في جمع المعلومات والأرشيف الخاص بسيدي عيسى منذ الولي الصالح سيدي عيسى بن امحمد بن ناصر بن عبد الرحمن، رحمة الله عليه، إلى يومنا.

كلمة أخيرة؟
 كل الشكر لكم عزيزي ولجريدة “الخبر” الحاملة للصدق والمصداقية.. وتحياتي لكل الإعلاميين في الجزائر.   

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول