فرحة العيد تفتح دفاتر أحزان أهالي الشهداء والأسرى

روبورتاجات
12 سبتمبر 2016 () - غزة: مراسل “الخبر” بهاء طباسي
0 قراءة
+ -

خرجت في الصباح الباكر من رفح جنوبي القطاع إلى حي الشجاعية شمالي قطاع غزة لأتابع الاستعدادات الحافلة لدى الفلسطينيين، وبحكم عملي فإن الأمر بالنسبة لي سهل فأعرف الكثير من الأسر الفلسطينية التي فقدت أحبة لها إما بالاستشهاد أو الأسر.

رصدت استقبال عيد الأضحى مع بعض هذه العائلات من رفح وخان يونس وحي الشجاعية، فالغالبية العظمى منهم يعيشون مشاعر مختلفة ومختلطة، ورغم فرحتهم بالعيد فإنه يجدد آلام بعضهم الذين فارقهم أحباؤهم، بينما يجدد العيد آلام الجرحى ويذكرهم بتلك الأعياد التي عاشوها أصحاء، في حين يجد آخرون في العيد مناسبة تتجدد فيها الأحزان بفقدانهم بيوتهم ومزارعهم ومصانعهم فأضحوا فقراء يعوزهم العيد ومتطلباته العديدة. ما بين رفح وخان يونس وحي الشجاعية، عشت لحظة حزن، عشت أصعب لحظة في حياتي، تألمت، فصبرت وحاولت أن أخفي صبري، لكنها الدموع انهارت وحق لها أن تسيل وتسير أنهارا، لحظتها انهار جسدي ولم أتحمل هذا الوجع الفلسطيني، وجعهم، هذا أنا، فكيف هم؟

أصحاب الوجع الساخن
كتبت عيد الذكريات لـ”الخبر”، وألمهم ووجعهم في كل جسدي، ورب الكعبة طوال الكتابة لم تجف الدموع، ولم يفارقني مشهد ولحظة كلام الفلسطيني طلعت أبو سليم الذي فقد كل عائلته خلال الحرب الأخيرة “غداً يأتي العيد ونجلس جميعا لنستذكر تلك الأيام التي عشناها سويا، فيوم العيد يوم عزاء؛ لأنه شبيه بيوم مواراة أجسادهم الثرى، وسيخيم على منزلنا الحزن والبكاء ومن ثم سنذهب لزيارة قبورهم”.
ويضيف “أنا وأمثالي من أبناء الشهداء، لا نتمنى أن يأتي العيد، لأنه عيد حزن وبكاء على فراق الأب والأخوة الذين حرمنا بموتهم معاني الفرح بقدوم العيد، وسنمضي في كل لحظة من أيام العيد في الذكريات المؤلمة”. أما العيد بالنسبة لعائلة بعلوشة التي فقدت خمسة من زهراتها دينا وجواهر وسمر وإكرام وتحرير، فرصة كبيرة للعيش في ذكريات جميلة، عادة ما تنتهي بحزن يخيم على أفراد وأرجاء المنزل والمحيطين بالعائلة. لسان حال الجميع يردد.. عيدٌ بأيّ حالٍ عُدتَ يا عيدُ، بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ، عيد لا يحمل من التجديد سوى ذكريات رائحة الدم وبارود بني صهيون.

فرصة للحزن
يسترجع أنور بعلوشة، والد الشهيدات، ذكرياته الجميلة مع بناته : “يمر علي في هذه الأيام شريط من الذكريات الجميلة التي عشتها مع بناتي الخمس، وعندما أفيق من هذه الذكريات تحل علي دموع الحسرة والحزن لفراقهن فهن أعز ما أملك في الحياة ورحيلهن صعب وقاس”. ويضيف: “أتذكر بناتي عندما كن يقسن ملابس العيد ويتشاجرن فيما بينهم أيهما أجمل، ويطالبنني بالفصل بينهن، لقد كن زهورا في حديقة غناء لكنهن اليوم طيور في الجنة لا أملك من سعادتهن إلا ذكريات أليمة وشعور بالعجز كلما أتذكر حادثة استشهادهن معاً”. في حين تجد والدة الشهيدات وشقيقتهن إيمان يوم العيد فرصة كبيرة للبكاء وتأمل صورهن دون انشغال في تفاصيل الحياة، مسترجعات في ذاكرتهن ضحكاتهن وترتيب المنزل، فيما لا تنسيان طلتهن صباح يوم العيد بثغر باسم لم تعودا تعيشاه اليوم.
أما الفلسطيني جمال أبو كمال، فيوم العيد بالنسبة له فاجعة من الذكريات إذ يشاهد الأطفال وهم يلعبون فيتذكر طفله إبراهيم الذي أعدم أمام عينيه في منطقة النزاز بحي الشجاعية في حرب 2012، وعندما يزور أقرباءه وأرحامه فإنه يذكر بلا شك بيته الذي دفن تحت الرمال، والخيمة التي تؤويه اليوم وعائلته، حيث لا مكان فيها لاستقبال بهجة العيد سوى أرض منثورة بالرمال، ومناطق خالية من معالم الحياة، فلا أرجوحة لأطفاله ولا مكان للتنزه سوى خيمات ملتصقة وحدود لمخيم طالت سكناه دون أمل في إعادة الأعمار، بينما تقول زوجته التي تبدو أنها أكثر أملا في الحياة: “أشعر أن هذا اليوم غريب، لا كأنه عيد.. لم تدخل الفرحة إلى قلبي وقلوب أفراد أسرتي، فاليوم يتجدد الحزن وتتفتح الأوجاع التي نحاول أن ننساها منذ الحرب”، مضيفة “أعلم أن طفلي الشهيد إبراهيم في جنة الخلد، لكن أطفالي بحاجة إلى حياة كريمة طال انتظارها.

لا طعم ولا لون
بنفس الحزن والحسرة تعيش عائلة أم خالد في خان يونس جنوبي قطاع غزة والتي فقدت منزلها ومزارعها بالكامل فأضحوا فقراء يعوزهم العيد بمتطلباته وحاجياته وملابس الصغار، فتقول: “اعتادت عائلتي الاحتفال بالعيد في أجواء من البهجة والسرور، ذبح الأضحية من أهم التفاصيل التي كنا نحرص عليها إضافة إلى شراء الملابس والحلويات والتنزه وزيارة الأهل والأصدقاء”.
وتضيف “أما اليوم فالأوضاع مختلفة، إذ نعيش على المعونة الاجتماعية بعد أن فقدنا مصدر الرزق الوحيد لنا فلا نقوى على شراء الملابس ولا الأضحية ولا التنزه، لقد بات العيد موجعا لصغاري، أما اليوم فالعيد مجرد أيام تمر لا طعم فيها ولا لون”.
جرحك يا أخي، يا أختاه، يا أماه محزن حد الصمت الدامع، فكم من الأطفال حضروا عيدهم في الجنان، وكم من العائلات قضت نحبها تاركة خلفها الباكين، وكم من بيت طحنه بنو صهيون.
في هذه الأثناء تعيش عائلات الأسرى في سجون الاحتلال أوجاعا مختلفة، حيث تحلم الغالبية العظمى منهم مع اقتراب كل عيد بخروج أسيرهم وقضاء العيد معه، لكنهم في كل مرة يعودون خائبي الآمال ويقضون أيامه بمزيد من الحسرة والمرارة.
وفي طريق العودة إلى رفح، التقيت بوالدة الأسير إبراهيم بارود، الحاجة غالية 76 عاماً، تقول: “والله يا ابني مرت 24 عاما وأنا أنتظر اللحظة التي أرى فيها فلذة كبدي أمامي”.
وتضيف بهمسه مكسورة “لا فرحة في قلوبنا إحنا، والله أنت زي ابني إبراهيم البعيد عني خمسين عيدا، بس ما حسيت بفرحة عيد واحد”. كم هي لحظة حزينة تذبحك بكلامها “يا ابني” كأنها رأت في شخصي الطليق ابنها إبراهيم الأسير. طلبت منها “ماذا تتمنين يا أماه”، قالت: “يجي العيد الجاي وفلذة كبدي والأسرى زيك يمشوا بحرية” إن شاء الله.
نفس الأماني والمشاعر ذاتها تستقبل بها كافة عائلات الأسرى أيام العيد، لا جديد في حياتهم سوى انتظار حبيب قد طالت غربته في سجون المحتل، فالعيد يختلط فيه الفرح ولهيب الشوق لمحبيهم ولأمهاتهم وآبائهم وزوجاتهم وأبنائهم وأحفادهم وعائلاتهم.
تركت هذه الأسر المكلومة تغرق في جراحها، حتى الأفراح والمناسبات لم تمح أحزانهم وأتراحهم، ولكن أكثر ما لم تنسه الذاكرة قول ذلك الشاب الفلسطيني المكلوم الذي ذبحت إسرائيل كل أفراد عائلته “أقول للعرب كل يوم إحنا بنتوجع، عيشوا وخلينا إحنا بهمنا”. كل عام وأنتم بخير.

في نفس السياق

العيد تحت الحصار
كلمات دلالية:
غزة

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول