أحياء تحت سيطرة العصابات ببلعباس

روبورتاجات
16 سبتمبر 2016 () - سيدي بلعباس: م. ميلود
0 قراءة
+ -

لم تجد سلطات ولاية سيدي بلعباس حلا مجديا لمعضلة الأحياء الشعبية الساخنة التي تعشش وسط النسيج العمراني للمدينة منذ الحقبة الاستعمارية، وتحولت بمرور السنين إلى ورشات تنتج المنحرفين الذين ورثوا الجريمة ومختلف الآفات الاجتماعية أبا عن جد، فغرقوا في وحل الفقر والبطالة بعيدا عن مختلف مظاهر التحضر التي استفادت منها أحياء راقية أخرى.

 هي أحياء شعبية فقيرة منتشرة كالطفيليات وسط وعلى مشارف المدينة، منها ما شيد إبان الاستعمار وأخرى حديثة الإنجاز شيدت في ثمانينيات وسبعينيات القرن الماضي على شكل “مراقد” تفتقر لأدنى مستلزمات العيش الكريم.

“السوريكور”، حي “الريح”، “بن حمودة”، “القائد رابح” والأمير عبد القادر المعروف باسم “الڤرابة”، والمواقع القصديرية بكل من “سيدي اعمر” و”الروشي” وجزء من حي “سيدي ياسين”.. وغيرها من الأحياء الساخنة التي تشهد كثافة سكانية كبيرة تجذر فيها الفقر بعروقه الطويلة، وترسخت الجريمة والآفات وتفاقمت المشاكل في ظل غياب حلول جذرية من طرف السلطات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وصنفت هذه الأحياء الفقيرة ضمن أكثر الأحياء من حيث ارتفاع نسبة التسرب المدرسي لأطفالها، منها مصانع لفئة من الخارجين عن القانون، صنفتهم بعض الدراسات كنتاج حتمي لجملة من الظروف المحيطة بهم.

كما تشهد هذه الأحياء نشوب معارك طاحنة بين الفينة والأخرى وقودها شباب انحرفوا عن سكة الحياة، وما زاد الطينة بلة الصعوبات التي تتلقاها مصالح الأمن في السيطرة عليها.
ولم تعد المواجهات العنيفة التي تعيش على وقعها الأحياء الساخنة مقتصرة على صراع بين شخصين أو أفراد مجموعة محدودة التعداد كما كان عليه في السابق، بل تعدى الأمر ليشمل صراعات بين مجموعات متناحرة عادة ما يستغرق الصدام بين أفرادها أياما وحتى أسابيع وربما لشهور عملا بالرغبة في الأخذ بالثأر في بعض الحالات أو السيطرة على “ريع” أو حتى منطقة، وهو ما جعل مصالح الأمن في مواجهة “تكتيك جديد” طفا على السطح بحكم عوامل وقواسم مشتركة تنطبق على مكونات تلك العصابات.

ثالوث المخدرات والمهلوسات والخمر
تعد ولاية سيدي بلعباس من بين أهم الولايات التي تعالج وسطها مصالح الأمن على اختلاف أسلاكها عددا كبيرا جدا من القضايا المتعلقة بحيازة المخدرات والأقراص المهلوسة والخمور لغرض المتاجرة، وهو ما تؤكده الإحصاءات السنوية لأجهزة الأمن خاصة سلك الشرطة بحكم طبيعة عمل الجهاز. ومعروف عن ولاية سيدي بلعباس قربها من الحدود الغربية للوطن (تبعد بـ180 كم فقط عن مدينة وجدة المغربية)، ما جعلها تشكل نقطة عبور بالنسبة للمهربين والمروجين لمختلف السموم، كما أن تضمن الولاية على ما يعادل 71 كم من الطريق السيار شرق – غرب جعلها بمثابة محطة هامة لناقلي الممنوعات، ما رشحها أيضا لتكون موقعا يتضمن أعدادا كبيرة من المستهلكين لمختلف تلك السموم، الأمر الذي ساهم في انتشار الآفات وفي ارتفاع معدلات الجريمة، خاصة خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وتشير القضايا المعالجة من قبل مصالح الأمن إلى حقيقة تواجد غالبية المجرمين المقبوض عليهم تحت طائلة السكر السافر وذلك إما بالاستهلاك المفرط للخمور أو عن طريق تناول مختلف أنواع المهلوسات بما فيها تلك المعروفة بمفعولها الجنوني على عقول البشر، وهو معطى ساهم في العديد من الأحيان في نشوب معارك ضارية يصعب في بعض الأحيان حتى على أجهزة الأمن السيطرة عليها بفعل تواجد منشطي ساحة المعارك تحت تأثير تلك المحرمات.

أحياء أم مراقد؟
ويضم النسيج العمراني لمدينة سيدي بلعباس أحياء حديثة النشأة مقارنة بباقي المواقع الشعبية القديمة، إلا أن الطريقة التي شيدت بها جعلت منها عبارة عن “مراقد” لا غير وهو ما أهلها مستقبلا لان تكون بؤر توتر جديدة بحكم “المزيج” الذي يقطنها والذي يضم عددا من المرحلين السابقين وآخرين قدموا من بلديات أو ولايات أخرى، وهو ما جعل من التنبؤات تتجسد لاحقا لتتحول تلك المواقع إلى نقاط ساخنة مازال التفكير جاريا لإيجاد طرق كفيلة بـ”إدماجها وسط المجتمع”، رغم عمليات التهيئة التي أخضعت إليها بعد إفادتها بالعديد من المرافق العمومية والتربوية والأمنية.

ويعتبر حي “السوريكور” الذي يضم تجمعي الـ380 و1500 مسكن نموذجا حيا للأحياء التي شيدت خلال ثمانينات القرن الماضي على شاكلة مراقد، وهو ما حولها بعد سنوات قليلة من إنجازها إلى “نقطة حمراء” لطالما شهدت العديد من الجرائم بمختلف أنواعها، كما أن انتماء قاطنيه إلى الطبقة المتوسطة والفقيرة لم يزد الطينة إلا بلة.

ولا يختلف واقع حي “السوريكور” كثيرا عما يعيشه الحي الشعبي الآخر المسمى “بن حمودة” الواقع وسط بقية أحياء حي “سيدي الجيلالي” أو كما يحلو للعباسيين تسميته بالمدينة الجديدة، نسبة إلى مخطط الإنجاز الذي بني على تصاميمه هذا الحي الكبير. فهذا التجمع الحديث النشأة عادة ما كان مسرحا لمعارك دامية استعملت فيها شتى أنواع الأسلحة البيضاء وحتى الكلاب المدربة بين المجموعات المتناحرة، مع أن الأمر لم يعد بمدينة سيدي بلعباس محصورا وسط حي معين بعد أن سبق أن شمل أحياء أخرى كانت تبدو سابقا وكأنها أكثر هدوءا على غرار ما بات يحدث بين الفينة الأخرى وسط حي “الإخوة عدنان” المعروف بتسمية “الروشي” والذي زاد من “سخونته” تلك البؤر الفوضوية التي نشأت كالفطريات على أطرافه خلال السنوات القليلة الفارطة.

الأحياء القصديرية.. “ورشات لإنتاج” المنحرفين
لجأت السلطات في خطوة منها للسيطرة ولو نسبيا على الوضع إلى إنشاء مقرات أمنية بالأحياء المذكورة وحتى منشآت تربوية ومحلات تجارية في محاولة “إدماجها” اجتماعيا، وهو ما حد بعض الشيء من تنامي الإجرام وسط تلك المواقع، مع أن ذلك لم يمنع من ظهور بعض “البؤر” بفعل عوامل اجتماعية مختلفة ساهم الفقر والعوز والبطالة في مقاومتها للاندثار.

وكانت مدينة سيدي بلعباس على وجه التحديد قد عرفت نشأة العديد من الأحياء القصديرية وسط أحياء شعبية كبيرة كـ”سيدي اعمر” و”الروشي”، وهي التي تحولت مع مرور الوقت إلى “غيطوهات” يبقى حتى التغلغل وسطها في بعض الحالات مستحيلا. وكانت تلك المواقع في الكثير من المناسبات مسرحا لمعارك دامية وعنيفة ساهم في ضراوتها الوضع الاجتماعي المزري لساكني تلك الأحياء التي تحولت إلى أولى البؤر المستهدفة يوميا من قبل عمليات الشرطة المنظمة من قبل مصالح أمن الدائرة، بالنظر لاطلاعها على حساسية تلك المواقع التي عادة ما تنبعث من وسطها شرارات مفاجئة تكون عبارة عن مقدمات لحوادث إجرامية خطيرة.

“القائد رابح” و”بن حمودة”
وتحتفظ ذاكرة مواطني أحياء “القائد رابح”، “فيلاج الريح” و”بن حمودة” بالعديد من أحداث العنف الناجمة عن المعارك الضارية التي شهدتها ذات الأحياء الشعبية بفعل صراعات بين مجموعات متناحرة. فالحي الشعبي المسمى “فيلاج الريح” احتفظ بصفته كبؤرة ساخنة منذ الحقبة الاستعمارية، مع أنه لم تمر إلا أيام قليلة على نشوب معركة كبيرة استعملت فيها مختلف الأسلحة البيضاء وحتى “السنيال” بين مجموعة من قاطني الحي ذاته ومجموعة أخرى من حي “سيدي ياسين” الشعبي ، ما أفضى إلى جرح أكثر من شخص مقابل تهشيم زجاج سيارة تابعة للشرطة.

وقد سبق أن كان حي “بن حمودة” مسرحا هو الآخر لمثل تلك الأحداث عشية الـ20 جويلية الماضي، حين تطلب الأمر الاستنجاد بتعزيزات أمنية كبيرة جدا وقوات مكافحة الشغب لأجل السيطرة على صراع دامٍ كان قد نشب بين أفراد عائلتين متناحرتين تقطنان بنفس الحي. ويعد حي “القائد رابح” الشعبي من بين الأحياء القديمة التي عرفت مواجهات عنيفة وقوية وجدت قوات الأمن صعوبات في إخمادها، على غرار تلك المعركة التي نشبت في صائفة 2014 والتي تم خلالها تحطيم مركبة أمنية. كما سبق لذات الحي أيضا أن ضم مجموعة أضمرت العداء لمجموعة أخرى من حي “سيدي الجيلالي” القديم، قبل أن تندثر تلك المواجهات بفعل وفاة البعض من رواد تلك المجموعات مقابل إدانة العدالة للبعض الآخر بأحكام قضائية طويلة الأمد.

مسؤول خلية الاتصال بمديرية الأمن الولائي لبلعباس
“المهلوسات والمخدرات وراء العنف في الأحياء”
أرجع مسؤول خلية الاتصال والإعلام على مستوى مديرية الأمن الولائي لسيدي بلعباس، ملازم أول للشرطة نصر الدين بلعباس، مختلف الجرائم والمواجهات العنيفة التي شهدتها عاصمة الولاية خلال السنوات الأخيرة إلى الاستهلاك المفرط لمنفذي الجرائم والمواجهات العنيفة للمهلوسات والخمور وحتى المخدرات، مشيرا في سياق متصل إلى رفع مصالح الأمن لدرجة تأهبها لمجابهة تلك الحالات وذلك عن طريق تنظيم دوريات يومية عبر مختلف المواقع الحساسة بالمدينة بدءا من النقاط القصديرية، الأمر الذي سمح بتسجيل انخفاض جد محسوس في معدلات الجريمة.  وينفي المتحدث ارتفاع وتيرة الصراعات بين المجموعات المتناحرة كما تحاول بعض الدوائر الترويج له “وهنا أود أن أشير إلى اختفاء هذا النوع من “الصدامات” بعد تورط بعض من “المنشطين” في أعمال إجرامية عجلت بإصدار العدالة لعقوبات طويلة الأمد ضدهم مقابل وفاة البعض من رواد تلك المعارك محليا”.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول