السياحة في ميلة.. أضغاث أحلام

روبورتاجات
24 سبتمبر 2016 () - ربورتاج: بوطلاعة رشيد
0 قراءة
+ -

في إطار مساعٍ حثيثة لخلق ديناميكية سياحية بولاية ميلة، يروج البعض أنها كغيرها من الولايات يمكن أن تتحول إلى وجهة للسياح وتستقطب زوارا، ومن ثَمَّ مصادر اقتصادية جديدة. لكن مثل هذا الترويج وهذا التهليل لا يعدو أن يكون في الواقع صيحة في وادٍ، لا تسمن ولا تغني من جوع. فقد يليق بميلة أن توصف بالحضارة والتاريخ والجهاد والبطولة، لكن من الظلم والإجحاف أن نتحدث عن سياحة في ميلة، ولا نعني بهذا التقليل من شأن المؤهلات التي تزخر بها هذه الولاية المترامية الأطراف، ولكن من باب إعطاء الصورة الحقيقية لهذا القطاع بعيدا عن التغليط والتضليل.

 مؤهلات سياحية معتبرة تحفل بها ولاية ميلة، قد لا يختلف في ذلك اثنان، لكن تلك المؤهلات لا تعطي الولاية التميز والتفرد عن الولايات الأخرى، وبالمقارنة نجد مؤهلات ولاية ميلة عاجزة عن المنافسة، فالحديث عن الغابات لا يجعل ميلة الأحسن، والحمامات لا تضعها في المقدمة، والمعالم الأثرية والتاريخية لا تعطيها السبق أيضا، كما أن المعالم الدينية المهملة لا تقدم ولا تؤخر، والأمرّ من كل ذلك غياب الإرادة لدى المسؤولين للنهوض بالقطاع والاستثمار فيه، وفق منظور سليم ونظرة صائبة. فما الذي يجعل السياحة بولاية ميلة قطبا من الأقطاب التي قد تساهم في تنمية الولاية وإعطائها طابعا سياحيا متميزا؟

الحمامات المعدنية.. استثمار يواجه كل العقبات ومصير مجهول لحمامات التلاغمة
من بين المؤهلات السياحية التي تتمتع بها ولاية ميلة، الحمامات المعدنية التي تنتشر في كل جهات الولاية، وتبقى عاصمة الحمامات بميلة هي مدينة التلاغمة التي تضم أكثر من 10 حمامات معدنية بمنطقة السمارة، والتي حباها الخالق بوفرة مائية معدنية لا تنضب، حوّلها أصحابها إلى استثمارات استقطبت أعدادا هائلة من الزوار ومن كل مكان، غير أن هذه الحمامات السياحية، في ظل غياب سياسة واضحة وثقافة سياحية لدى المسؤولين، ظلت تعاني الأمرّين، فالإهمال والتهميش يخنقها، والسلطات ومنذ التسعينيات زمن إقامة هذه الحمامات ظلت غائبة ولم تأخذ بيد المستثمرين الخواص من أصحاب الحمامات، على الأقل لفك العزلة عن المنطقة، بتعبيد الطرقات وتسهيل الوصول إليها وتوفير النقل أيضا، لتبقى المنطقة معزولة مهمشة، رغم مساعي وجهود أصحابها الذين تكفلوا أنفسهم بتعبيد الطريق، كما أنهم رغم الشكاوى لم يتمكنوا من الحصول على الطاقة الكهربائية الكافية، ما جعلهم يستعملون مولدات كهربائية للقضاء على مشكل الطاقة الكهربائية.

حمامات تفنن الكثير من المستثمرين في تحسينها وتطويرها بإقامة مسابح على الهواء استقطبت أعدادا هائلة من الزوار صيفا وشتاء، وهو ما زاد من إقبال العائلات عليها نظرا لما تتوفر عليه هذه الحمامات من مرافق وأمن. غير أن الخرجة الأخيرة لوالي ميلة فاجأت أصحاب الحمامات وصدمتهم، بعد أن توصل إلى أن هذه الحمامات تقع بمحيط السقي بالتلاغمة، وهو ما يجعل مصيرها مجهولا، وقد يكون الهدم والمسح من على وجه الأرض، رغم أن أصحابها لا يكترثون ويؤكدون أن لديهم عقود ملكية وعقود امتياز قانونية. فهل بهذه الطريقة تسير السياحة الحموية التي تقدم خدمات جليلة للمواطنين الذين يقصدونها من كل الولايات الشرقية بغرض الاستشفاء والاستجمام والراحة؟
الحديث عن حمامات التلاغمة لا ينسينا حمامات أخرى في بني قشة واولاد عاشور التي لا زالت على بدائيتها بسيطة تقدم خدمات في غاية التواضع، ولا زالت قديمة جدا لم تتم عصرنتها، كما يوجد بميلة وتحديدا بمنطقة اولاد بوحامة حمام معدني أيضا يعرف عصرنة، لكن يبقى غير معروف بسبب عزلته. وأما حمام بني هارون فقد تم وأده وهدمه بقرار من والي ميلة السابق، بعد نزاع دام سنوات طويلة مع أحد المستثمرين، هذا الأخير ولحسن الحظ باشر منذ سنة مشروع إنجاز مركب حموي بالمنطقة. هذا ما يمكن قوله عن السياحة الحموية بولاية ميلة، والتي تبقى بعيدة كل البعد عن منافسة غيرها من الحمامات الشهيرة، على غرار حمام دباغ بقالمة وحمام قرقور بسطيف وحمامات ريغة وبوحنيفية..

المعالم الأثرية والتاريخية.. أموال قارون لن تكفي لترميم ما أفسده الدهر
إذا كانت مدينة ميلة العتيقة قد دخلت التاريخ، وجذورها ضاربة في عمق التاريخ البشري ومكانتها كانت عظيمة، وقد كانت عاصمة وحاضرة رومانية حافلة وعامرة بالحياة والرقي، وتعاقبت عليها حضارات عظمى في تاريخ البشرية وتركت بصماتها ومعالم لها لم يمحها الزمن، فإن هذه المدينة اليوم في وضع محزن ومخزٍ، بعد أن وُئدت من قبل أبنائها، لقد ضيعوها وضيعوا بذلك كنوزا لا تقدر بثمن، ضيعوا تاريخا كاملا، إنها جريمة بكامل الأركان في حق هذه الجوهرة وعلى أيدي أبنائها.

لم يبق من ميلة الحضارة والتاريخ والآثار والمعالم سوى بعض التفاصيل الصغيرة التي لم تعد تحتفظ إلا بالنزر القليل من تاريخ حافل، وحتى تلك المواقع والقطع والمعالم فقدت قيمتها وبريقها، وسط جهل الجاهلين
وبربرية لا تبقي ولا تذر، فمن أين لنا أن نتحدث عن سياحة أثرية وتاريخية بعد أن هدمت مدينة بأكملها وأصبحت مجرد مقبرة لا ترى فيها سوى أطلال وبقايا ديار لن تكفي أموال قارون لإعادة ترميمها وإعادة الاعتبار لها؟
مسؤول الهيئة التنفيذية الولائية يقرر مؤخرا، وفق مشروع يقترحه انطلاقا من دراسة تقنية، إعادة الاعتبار لهذه المدينة المقبورة وبعث الحياة فيها من جديد، ولكنه يقترح إفراغها من محتواها ومن أحد مكوناتها الحيوية، وهم سكانها، وهذا ما يزيد الطين بلة، يقول تقنيون يرون أن من الضروري أن تبقى المدينة عامرة، لكن بإعادة تنظيمها وتهويتها ووضعها في سياقها التاريخي الواقعي، كما كانت من قبل.

عين البلد اليوم قطعة نادرة في العالم تتعرض للتشويه بعد أن استهترت بها أياد غير مؤهلة، وراحت ترممها وكأنها ترمم بيتا، في غياب كلي لوزارة الثقافة التي تكتفي بالتفرج. المنازل القديمة هدمت عن آخرها، ولم يبق سوى السور البيزنطي العظيم الذي يحيط بها، وكذب من قال إن ميلة لا تزال تصلح لأن تكون قبلة للسياح، فلا أحد يزور هذه المدينة، اللهم إلا تلك البعثات الطلابية المتخصصة الذين يطوفون كل نواحي الجزائر. فهل مدينة ميلة تضاهي جميلة سطيف أو تيمقاد باتنة أو شرشال تيبازة وغيرها؟ لا أثر لمدينة أثرية في ميلة. ورغم مجهودات البعض، وعلى رأسهم جمعية أصدقاء ميلة التي بذلت ما في وسعها لتحريك السلطات محليا ووطنيا من أجل تصنيف مدينة ميلة كقلعة أثرية، غير أن كل ذلك آل إلى النسيان.

ميلة تبقى رمز البطولة والجهاد، وما أكثر تلك المعالم التي لا زالت شاهدة على ذلك ومحدثة ببطولات، فالسجن الأحمر بفرجيوة من تلك الشواهد، لكنه يتعرض بدوره للتخريب والنسيان، وكأن الأمر مقصود، شأن الكثير من المعالم التاريخية التي قُدر لها الاندثار في صمت، وعلى مرأى من أولئك الذين لا يقدرون التاريخ ولا يحفظون له ذمة. فحيثما وجهت وجهك وقعت عيناك على شواهد تحفظ للجزائر بطولتها وللشعب جهاده، لكن الإهمال للأسف طال كل تلك المعالم التي تبقى وحدها رمزا يخلد أمجاد وبطولات المنطقة التاريخية.

السياحة الدينية.. عنوانها مسجد أبو المهاجر دينار
أما السياحة الدينية لا تكاد تعثر لها على أثر سوى بعض الشواهد والمرافق القليلة التي لا تجعل من ميلة محجا لعشاق السياحة الدينية. فما عدا مسجد سيدي غانم الذي بُني بأيدي الصحابي الجليل أبو المهاجر دينار، والذي يعد ثاني أقدم مسجد بشمال إفريقيا بعد مسجد القيروان في تونس، هذا المعلم التاريخي الديني على أهميته التاريخية والحضارية لا زال تحت وطأة الإهمال، حيث يبقى مشروع ترميمه يراوح مكانه في غياب العناية اللازمة من قبل المسؤولين على الثقافة وطنيا ومحليا، خاصة أن هذا المعلم أقيم على أنقاض كنيسة رومانية، وهو بذلك يجمع بين الدين والآثار، ويوجد في الحظيرة الأثرية بمدينة ميلة العتيقة، ومع كل ذلك فهو لا يحظى بما ينبغي من قبل الجهات المسؤولة.

السياحة الدينية خارج أسوار ميلة القديمة لا تتجلى معالمها سوى في بضع زوايا، أهمها زاوية بن الشيخ الحسين بسيدي خليفة التي لا زالت مغمورة ومغيبة عن قصد أو عن غير قصد، عكس الزاوية الحملاوية التي تبقى المنارة الوحيدة التي تواصل إرسال إشعاعها العلمي والديني بكل تألق، وتواصل رسالتها القرآنية باستقبالها لطلبة القرآن من كل حدب وصوب، ولا زال شيوخها يسهرون عليها ليلا ونهارا لتبقى مركز إشعاع ديني، فضلا عن زوايا أخرى أقل أهمية بعدة مناطق بالولاية.

منطقة التوسع السياحي.. حبر على ورق
كثيرا ما سمع المواطن الميلي عن مشاريع عريضة وواسعة ومناطق توسع سياحي كانت بمثابة المخرج الأمثل للسياحة بولاية سد بني هارون، ولفت انتباه المسؤولين منطقة التوسع السياحي ببني هارون التي تمتد على مساحة كبيرة، غير أن تلك المشاريع تبخرت في الهواء ولم تجد طريقها للتجسيد لأسباب ومبررات قد يضيق المقام لذكرها، ولعل الأدهى هو التوزيع العشوائي لمشاريع استثمارية لمستثمرين وهميين لا علاقة لهم بالاستثمار استولوا على عقارات في إطار تشجيع الاستثمار، لكن مشاريعهم لن ترى النور ولن تجسد ميدانيا.

المشروع الحلم المتمثل في الشاطئ الاصطناعي الذي أسال الكثير من الحبر وأسال معه لعاب الكثير من المستثمرين والمواطنين الذين يحلمون بشاطئ على ضفاف سد بني هارون، لا يزال يراوح مكانه كغيره من المشاريع، رغم الوعود المؤكدة من قبل مكتب دراسات بأن المشروع سينجز بمقاييس عالمية قبل نهاية السنة الجارية، غير أن ذلك أصبح وهما من تلك الأوهام الكثيرة التي يتم الترويج لها في ولاية يتنفس سكانها الوعود تلو الأخرى.

ضعف فادح في هياكل الاستقبال ولا فنادق!
لا يمكن الحديث عن السياحة إلا بتوفر مقومات وشروط كثيرة، ومن بين أهم المقومات الهياكل والمرافق السياحية، وفي مقدمتها الفنادق المصنفة والمركبات السياحية، وفي هذا المجال تفتقر ولاية ميلة لهياكل الاستقبال، من فنادق مصنفة وحتى غير مصنفة، ويكفي أن نقول إن السلطات في ميلة كثيرا ما تتحرج في استقبال ضيوفها في مختلف المناسبات والتظاهرات، ما جعل المسؤولين يتهربون من تنظيم مبادرات وتظاهرات فنية وثقافية وغيرها، وفي الكثير من المناسبات اضطرت السلطات للقذف بالضيوف إلى فنادق قسنطينة، وقد حدث أن تكفل بالضيوف أعيان المدينة في منازلهم الخاصة.
الفنادق المصنفة في ميلة لا يتعدى عددها الثلاثة، وما هو موجود لا يتعدى 3 نجوم، أما البقية فهي عبارة عن مراقد ليس إلا.

المشاريع الاستثمارية السياحية وهمية
كثيرا ما تغنى مسؤولون بمستقبل السياحة في ميلة، من خلال مشاريع استثمارية واعدة حصل أصحابها على عقارات ودعم بهدف إنجاز هياكل وفضاءات سياحية عصرية، لكن كل ذلك بقي في الأدراج لعدة أسباب، فالمستثمرون يشتكون البيروقراطية والسلطات ترمي بالكرة لمرمى المستثمرين وتتهم بالعجز عن تجسيد مشاريعهم على أرض الواقع، وبين هذا وذاك تاه الاستثمار السياحي في ولاية استنزف العقار فيها على قلته وندرته، الولاة الذين تعاقبوا على ميلة توعدوا وهددوا المستثمرين الوهميين بسحب الاستفادات منهم، لكن التهديدات غالبا ما تسقط في الماء، لتبقى دار لقمان على حالها.

الوكالات السياحية.. نشاط في اتجاه واحد
من بين الآليات والأدوات والفاعلين في تنشيط قطاع السياحة، الوكالات السياحية. هذه الوكالات التي يبقى نشاطها يقتصر على مهمة واحدة دون غيرها، رغم أن القانون ودفتر الشروط يلزمها بتنشيط السياحة محليا وداخليا أيضا، لكن وفي غياب تام للرقابة والمتابعة تكتفي هذه الوكالات بتصدير السياح نحو وجهات متعددة خاصة نحو الخارج، وكذا تنظيم العمرة والحج، وقد وجدت في ذلك الربح الوفير، ورغم أن عدد الوكالات السياحية بولاية ميلة يعد بالمئات، فهي لم تبادر ولو مرة واحدة بالترويج للسياحة بميلة، ولم تقم بدورها في استقطاب السياح نحو الولاية، وقد يكون مبررها غياب ما ذكرناه من هياكل الاستقبال، لكن تبقى مسؤوليتها كبيرة لتنشيط السياحة بهذه الولاية.

والبان، بحيرة تيزيمان وتامدة.. مواقع مهملة تنتظر من ينعشها
كثيرة هي المواقع السياحية الطبيعية بولاية ميلة، وأهمها والبان ببلدية تسدان التي تبقى غير مستغلة، ومقارنة بوالبان الجارة التابعة لبلدية عين سبت بولاية سطيف التي تعرف حركية وحيوية كبيرة خاصة صيفا، تبقى والبان شق ولاية ميلة تحتضر ولا أحد حرك السياحة بها واستغلها أحسن استغلال، وفشل أصحاب مشروع المحلات الخشبية في تنشيط المنطقة سياحيا، وكان مصير تلك المحلات الحرق والإتلاف.

بحيرة تيزي مان ببلدية زارزة هي الأخرى جنة حقيقية غير أنها معزولة، ولا أحد انتبه إليها وأخرجها إلى عالم السياحة ليستمتع بها الزوار وعشاق الطبيعة، فلا مخيمات ولا مسلك يؤدي إليها ولا أي مبادرة، فالطريق مسدود إلى بحيرة تيزي مان، كما هو مسدود نحو السياحة بميلة. وشلالات تامدة ببلدية أحمد راشدي طبيعة خلابة ومرتع ساحر هز مشاعر بعض الزوار من الأجانب، وآخرهم وفد من إندونيسيا حل بالمنطقة وسُحر بتلك الشلالات التي تبقى بعيدا عن الاهتمام اللازم.

فهل بعد هذا يمكن الحديث عن مؤهلات سياحية؟ في غياب نظرة صائبة واستراتيجية محكمة للنهوض بالسياحة في ولاية تملك الكثير من المؤهلات، ولا تملك شيئا من الإرادة والرغبة في الإقلاع بالسياحة التي تعد إحدى أهم المصادر الاقتصادية بميلة.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول