عازف العود وصاحب الأنامل الذهبية

ثقافة
30 سبتمبر 2016 () - طهاري عبد الكريم
0 قراءة
+ -

في جلسة حميمية، كانت لي معه وقفة من فواصل الحديث الذي تشعب بنا كي يحكي عن هواية له في الحياة.. كان عازفا معروفا على آلة العود، تهندس أنامله لحنا جميلا، وتغرينا كي نعيش على وقع ما تركه زرياب.. عشنا معه لحظات في بيته الكائن بقرية الدايرة ببلدية الحجرة الزرقاء، وهو من رعيل التربية. تحادثت معه على وقع نوتات موسيقية يهندسها عبد اللطيف ضربان، في جلسة منزلية، حيث عاد بنا إلى إرهاصاته الأولى وإلى عهد من فواصل الزمن الجميل، زمن الفن الأصيل.

 الفنان عبد اللطيف ضربان، من مواليد 7 مارس 1963 بديرة ولاية البويرة، من سكان قرية الضرابنية، كان معلما في كل قراها ودواويرها، يعايش مهنته في مواقع كانت تحيله على أن يعيش في مضمون حكاية صنعها تاريخه الشخصي يوم كان يسكن في بيتهم الأول في سيدي عيسى ولاية المسيلة، وقد كان من الذين ترعرعوا في حي “سان كوري” حي الشهداء بسيدي عيسى، ووقتها كان يعشق الفن الشرقي والفن الأصيل عموما المرتبط بموسيقى ربع المقام التي لا توجد سوى في الآلات الموسيقية العربية، على شاكلة العود والكمان والناي. تلك إذاً هي الأدوات التي حجزت في قلبه مكانة كي يعيش على تفاصيل أغنية شرقية للمرحوم فريد الأطرش، يردد أغنية “عش أنت” وهو صغير في عام 1975، حيث كان يشاهد أفلام فريد الأطرش كي يعيش على تقاسيم العود، ويتنفس رحيقا من النغمات الجميلة في بيتهم القديم بحي “سان كوري”، أو في المكان المسمى “جنان عكيريمي” مع الأصدقاء، يبحث عن قارورة مربعة الشكل لزيت السيارات كي يصنع منها قيثارة ويعيش مع الأصدقاء على وقع الموسيقى، بالرغم من أن شكل ما كان يصنع من قيثارات مفبركة لا يليق بمقام الفن ولا تعشقه الأذن الموسيقية.

وقتها كان عبد اللطيف مهووسا بأن يشتري أو يرى آلة موسيقية كي يعزف تقاسيم فريد، وفجأة وهو على هذه الحال زارهم أحد أقرباء عمته من العاصمة، يدعى بوجمعة، كان يملك قيثارة جديدة وجميلة ليست بشكل قيثارة عبد اللطيف التقليدية.. فرح للموقف وراح يعلمه أبجديات العزف في غابة جنان عكيريمي. كان عبد اللطيف يملك ذكاء موسيقيا فطريا، فتعلم في أيام معدودات ، بل أصبح يفوق بوجمعة فنا وعزفا لدرجة قال له معلمه “اسمع يا عبد اللطيف، واصل العزف وسيكون لك شأن في المستقبل، أنت تتكلم مع فنان محترف، وسبق أن عزفت في فرق موسيقية للشعبي في الجزائر”.

ومن هذا الزمن الحالم تفتقت موهبة عبد اللطيف وأصبح من أكبر العازفين المعروفين في سيدي عيسى وفي كل الولايات المحاذية (المسيلة والمدية والبويرة والجلفة وبسكرة وبرج بوعريريج)، وكانت فرصة كي يقتني عودا قديما جدا، كون ظروفه الاجتماعية لا تسمح له بشراء عود جديد. وعند وفاة والده الشاعر المعروف ضربان سعيد بن اللبوخ في 1972، عاش عازفنا مرحلة اجتماعية عصيبة، ففقره لم يكن يسمح له بأن يواكب حراك معانيه الفنية، ورغم أن عوده القديم لا يفي بالمطلوب الجمالي، فقد كان على يقين بأنه يستطيع أن يهندس له وللسامعين رؤية فنية وموسيقية، ومن وقتها دخل فرقة “نسيم الشرق” مع مجموعة من الهواة وقتها من أمثال حمد بومدوحة، وأخويه علي والتومي ضربان وصالح لعريبي وعلي بن حامد ومصطفى بن زاهية وأحمد بورنان وسعد زيان وصحراوي محمد وبن سنوسي حميد وآخرين. هؤلاء عايشوا مراحل متقدمة من بروز فرقتهم الهاوية، وكانت سيدي عيسى وقتها تملك فرقتين من مصاف وطني في الموسيقى والغناء المغربي والعصري هما “ناس الوحدة 1” و “ناس الوحدة 2”، وعاشت سيدي عيسى وسكانها على وقع موسيقى “نسيم الشرق”، إذ كان لها أن تشارك في الأسبوع الثقافي لمدينة سيدي عيسى عام 1978، في عهد عياش العمري رئيس البلدية آنذاك، أسبوعا ثقافيا رائعا ملؤه الفن والإبداع.

من يومها أصبح عبد اللطيف العازف الكبير لآلة العود، شارك مرتين في التلفزيون في الثمانينيات، حيث شارك مع الملحن وأستاذ الموسيقى بن زاهية مصطفى من سيدي عيسى في ألحان وشباب في عهد الراحل الملحن معطي بشير، شارك في حصة “الاستوديو الصغير” التي كان يعدها الملحن الكبير جواد فصلة، وشارك يومها مع أخيه التومي ضربان.

ومن الطرائف الجميلة في استوديوهات التلفزيون الجزائري آنذاك، أن إحدى الفرق المحترفة أرادت تسجيل أغنية شعبية لأحد الفنانين، فتأخر عازف العود والدرابكي، فما كان من المخرج التلفزيوني سوى استدعاء عبد اللطيف على آلة العود، والتومي أخيه على الدربوكة، وفعلا سجلت الأغنية، ومن يومها دخل عبد اللطيف الاحترافية، وصار ممن ينشدون الوصول بالفن الشرقي إلى أعلى مراتبه.

كان يريد أن يعيش في عباءة زرياب
لم ينقطع عبد اللطيف عن العزف، لكنه لم يستطع تشكيل فرقة موسيقية محترفة، كون الأعضاء تشتتوا وكان معظمهم من ولايات مجاورة، لكنه بقي يحلم بتحقيق هدف تشكيل فرقته الخاصة في يوم من الأيام، وإعادة بعث فرقة “نسيم الشرق” السبعينية. وهو الآن وبعد التقاعد يأمل أن يؤسس جمعية ثقافية ويعيش على وقع أيام “سان كوري” وأيام حي الشهداء والعيش ضمن حلم العزف المنفرد مع شباب الحي تحت “دار الترسيتي” بجانب وادي القطيريني، حيث سعد مع شباب الحي وقتها في أن يسمعهم تقاسيم فريد الأطرش، يحن لذلك الزمن كونه عاش الموسيقى والعزف، ويأمل أن يعود من جديد لحرفة عشقها ويهواها، لم لا وله الآن أبناء كلهم من العازفين الماهرين، ويملكون العود والأورغ والموندول. وفعلا أفلح في تلحين بعض الأغاني من كلمات أخيه الروائي الكاتب المهدي ضربان، علما أنه طيلة حياته لم يجد أي مساعدة من أي مؤسسة أو هيئة.

ونحن معه في بيته يستحضر حكاية حدثت له، فقد بحث عنه صديقه زاهوي سعيد صاحب محل الخياطة في سيدي عيسى قائلا “تعال عبد اللطيف، شخص له عود قال لي أرجوك دُلَّني بسرعة على عبد اللطيف ضربان كي يسمعني تقاسيم العود ويدندن لي من عش أنت لفريد الاطرش، وسأمنحه هذا العود مجانا”.. وفعلا ذهب عبد اللطيف وعزف وتحصل على العود بالمجان.

يتذكر عبد اللطيف حادثة أخرى وقعت له ولإخوته الموسيقيين في العشرية السوداء، فقد ذهبوا في سيارة لمدينة البيرين في الجلفة كي يشاركوا في عرس أحد الأصدقاء. الطريق إلى البيرين من سيدي عيسى عبر عين الحجل لم يكن مؤمنا يومها، وحدثت فيه مآسٍ. وفي نقطة من نقاط تفتيش الدرك الوطني، فتشوهم ووجدوا في السيارة آلة العود. تفاجأ الدركيون وقالوا “أنتم تخاطرون بحياتكم في هذا الوقت بحملكم العود. أنتم فعلا تجازفون، الوضع هنا لا يسمح بأن يتحدى أحد ما بالقول أنا فنان، ويصحب معه آلات موسيقية..”، وما كان على الإخوة سوى أن ردوا جميعا “نحن سنشارك في عرس زميلنا في البيرين بفننا المحترم. هدفنا خدمة الفن الأصيل”، أحد الدركيين أعجب بالموقف وكان يحب الفن حبا شديدا، ويحب عزف العود، ويحب فريد الأطرش، فطلب من عبد اللطيف عزفا، فراح عبد اللطيف يعزف “عش أنت” غير آبه بالمارة ولا بالسيارات ولا تلك الظروف العصيبة، متناسين الموت والدم والدمار..

عبد اللطيف عازف العود هو أنموذج إنساني رائع، تركناه يدندن على آلة العود في بيته في ريف قرية الدايرة، يعيش معنا على ألحان جميلة قام بعزفها للفنان مارسيل خليفة..

ولحد الساعة وأنت تمشي في سيدي عيسى مع عبد اللطيف ضربان، تجد من الناس من يحييه ويذكره بأيام السبعينات، لما كان كل الشباب يتحلقون حوله كي يستمعوا لعزفه، وكان البعض يبكي من شدة ولعه بالعود وما تهندسه أوتاره..

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول