علامات قبول الحجّ

اسلاميات
29 سبتمبر 2016 () - الجزائر: عبد الحكيم ڤماز
0 قراءة
+ -

لا شكّ أنّ الحجّ من أفضل الأعمال بعد الإيمان، وأنّه لون من ألوان الجهاد في سبيل الله تعالى، وقد سُئِل مولانا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أيُّ العمل أفضل؟ فقال: ”إيمان بالله ورسوله”. قيل: ثمّ ماذا؟ قال: ”جهاد في سبيل الله”. قيل: ثمّ ماذا؟ قال: ”حجّ مبرور” رواه البخاري. وعن السيّدة عائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنها قالت: يا رسول الله نرى الجهادَ أفضلَ العمل، أفلا نجاهد؟ قال: ”لا، ولكن أفضل الجهاد حجّ مبرور”، وفي رواية: ”لَكُنَّ أفضل الجهاد حجّ مبرور” رواه البخاري وغيره.

 بَشَّر سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الحاج المجتنِب للمحظورات ظاهرًا وباطنًا بغُفران ذنوبه، فقال عليه الصّلاة والسّلام: ”مَن حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمّه” رواه البخاري، وقال: ”والحجّ المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنّة”، والحجّ المبرور هو المقبول الّذي راعى فيه صاحبه شروط صحّة العمل وشروط قبوله، من إخلاص العمل لله تعالى، ومتابعة هدي النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، واجتناب الآثام والأوزار والفسق والرّفث.

ففي رحلة الحجّ دعاك المولى عزّ وجلّ لحجّ بيته المعظّم، فاستجبتَ له ”لبّيك اللّهمّ لبّيك”، وتحقيق معنى هذه الكلمة الّتي ردّدتها ورفعت بها صوتك يكون أوّلاً بفهم معناها، فهذه الكلمة يقولها الإنسان إذا دعاه مَن يُحِبّ ويعظّم، فهي كلمة استجابة لمَن تُحبّ ومَن ترغب وترهب وتعظّم إذا دعاك أو ناداك، فتسارع بالإجابة قائلاً لبّيك.
وإنّ أعظم ما في الحجّ أن يعتاد المسلم الاستجابة لله وللرّسول {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} الأنفال:24. دعاك لترك الأوطان والأهل فاستجبتَ، دعاك للطّواف بالبيت فاستجبتَ، دعاك لاستلام الحجر وتقبيله أو الإشارة إليه فاستجبتَ مع علمك أنّه حجر لا يضرّ ولا ينفع، ولكن لأنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم استلمه وقبّله، دعاك للخروج إلى منى والمبيت بها يوم التّروية، فتركتَ البيت وتوجّهتَ إلى منى ملّبيًا مستجيبًا له، دعاك للوقوف بعرفة فلبّيتَ، دعاك للمبيت بمزدلفة فلبّيتَ، دعاك لرمي الجمار والمبيت بمِنى فلبّيتَ، ثمّ دعاك للطّواف بالبيت والسّعي بين الصّفا والمروة فلبّيتَ واستجبتَ.. وإنّ معظم هذه الأعمال لا يستشعر الحاج فيها معنى خاصًا سوى الاستجابة والتّلبية لأمر الله عزّ وجلّ والاستسلام لحكمه.

فمن علامات الحجّ المبرور أن يستقيم المسلم بعد حجّه فليزم طاعة ربّه سبحانه وتعالى، ويكون بعد الحجّ أحسن حالاً منه قبله، فإنّ ذلك من علامات قبول الطّاعة، قال بعض السلف: ”علامة برّ الحجّ أن يزداد بعده خيرًا، ولا يعاود المعاصي بعد رجوعه”، وقال الحسن البصري رضي الله عنه: ”الحج المبرور أن يرجع زاهدًا في الدّنيا، راغبًا في الآخرة”.
ومن علاماته الإخلاص، وهو من أصعب الأحوال وأشقّ الأعمال، خاصة إذا كان العمل باديًا ظاهرًا لا يستطيع المرء أن يخفيه كالحجّ، فالمسلم قد يصوم يومًا في سبيل الله لا يشعر أحد بصومه، لكنّه لا يستطيع أن يحجّ بيت الله الحرام دون أن يشعر به أحد، ومن هنا كان الجهد المبذول لتحقيق الإخلاص في الحجّ وفي سائر الأعمال الظّاهرة مضاعفًا، ولهذا كان ديدن الصّالحين إظهار الزُّهد والتقشف في الحجّ، والتعبُّد لله عزّ وجلّ بالتذلُّل وإظهار الفاقة لله عزّ وجلّ، وقد أُثر عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه حجّ على رحلٍ، ورُوي أنّه قال: ”اللّهمّ حجّة لا رياء فيها ولا سُمعةً” رواه ابن ماجه.

ومنها الاستكثار من أنواع الطّاعات، والبعد عن المعاصي والمخالفات، فينبغي على الحاج إذا أراد أن يكون حجّه مبرورًا أن يلزم طاعة ربّه عزّ وجلّ، وذلك بالمحافظة على الفرائض، وشغل الوقت بكلّ ما يقربه من الله جلّ وعلا من وضوء، وذِكر بعد الوضوء، والإنفاق في سبيل الله في السّرّاء والضّرّاء، وكظم الغيظ، والعفو عن النّاس، والصّبر، وصلاة ركعتين عقب الوضوء، والأذان للصّلاة، وإجابة المؤذّن، والمشي إلى المساجد والجماعات، وانتظار الصّلوات، والصّلوات الخمس، والجُمُعات، وقيام اللّيل، والذِّكر بعد الصّلاة، وغير ذلك ممّا تُغفَر به الذّنوب.
فاجتهد أخي الحاج في طلبها وتحصيلها؛ عسى أن تفوز بثواب الله ورضوانه، وأن يجعل الله عزّ وجلّ حجَّك مبرورًا، وذنبك مغفورًا، وسعيك مشكورًا. 

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول