المرأة في هوليود من الإغراء إلى ترؤس العالم

ثقافة
3 أكتوبر 2016 () - باتنة: نوال مسلاتي
0 قراءة
+ -

لا يمكن أن نفصل الصناعة السينمائية في أمريكا عن باقي ما يتحرك في الحياة هناك من سياسة واقتصاد وإعلام وثقافة ومجتمع، وهو كل متكامل يدور في فلك واحد، هو صناعة الحلم الأمريكي وفق خطط مدروسة. ويلاحظ المتتبع لتطور السينما الأمريكية دورها في تنفيذ خطط بناء أمريكا والدفاع عن مبادئها وقيمها، سواء بأفلام تروج للحلم الأمريكي أو للسياسة الأمريكية (داخلية أو خارجية) بل وتمرر رسائل من أجل بناء المستقبل الأمريكي. نبّأ ظهور البطل الأسود في هوليود سنوات التسعينات وبداية الألفية الثالثة بأن التشكيلة المتحكمة في أمريكا قد قررت أن يكون الرئيس أسود، وهي تحضر المجتمع الأمريكي لتقبل الفكرة بسلاسة، وكان ذلك مع صعود نجم باراك أوباما. ولا يخفى أيضا أنه ظهرت، منذ سنوات، أفلام تقدم تولي المرأة المسؤوليات العليا بقدر من القوة وتحمل المسؤولية في مجالات مختلفة حتى وصلت إلى الجيش الأمريكي. فهل هوليود هي من تصنع الرأي في أمريكا من أجل اختيار الرؤساء؟ نعرج في هذا العرض على تطور وجود المرأة في هوليود وكيف تقدمت وتغيرت أدوارها مع الوقت لتقدم صورة عن مستقبل المرأة في أمريكا من ممثلة للإغراء إلى طامحة لحكم العالم.

 


عرفت أمريكا في المدة الأخيرة عرض فيلمين الأول يتحدث عن دور جاكلين كينيدي في حياة الرئيس الراحل جون كينيدي، والثاني حول علاقة الرئيس باراك أوباما بزوجته ميشال وكيف أثرت على حياته وتقدمه المهني والسياسي، وكان هذا كمؤشر على التوجه الذي يريده صانع القرار في أمريكا حول مستقبل من يحكم وتحضير الرأي العام الأمريكي لوجود المرأة في أعلى قمم الحكم وهوليود اتجهت في هذا الاتجاه.
المرأة من أدوار الإغراء إلى البصمة في الأدوار
اقتصرت بدايات المرأة في السينما الأمريكية على أدوار الإغراء وإبراز اﻷنوثة، واعتبرت الممثلة “مارلين مونرو” المعيار الأساسي والأﻷقوى للأنوثة التي درّت الملايين على المنتجين والشركات في وقتها. والمفارقة في هذا الأمر أنها وصفت، في الرسالة التي كتبتها قبل انتحارها، العمل في السينما بأنه يجعل من المرأة سلعة رخيصة تافهة مهما نالت من المجد والشهرة.
سعت الممثلات مع تعاقب السنوات إلى إحداث تغيرات، وأدوارهن أصبحت أكثر قوة وبروزا، خرجت بذلك من الصورة النمطية التي ظلت حبيسة لها لسنوات طويلة، لتصل إلى ما بلغته اليوم من نجومية، وسطعت الكثير من الأسماء في عالم هوليود، أمثال “ميريل ستريب” أو ما يطلق عليها بالمرأة الحديدية التي أصبح وجودها على السجادة الحمراء حدثاً متكرراً كل عام وطيلة 17 عاما كاملة، فهي واحدة من جميلات هوليود التي لا تخشى الزمان، ما جعلها ملكة متوجة في قلوب محبيها لتحصل على عدة ألقاب من بينها “أيقونة السينما الأمريكية”، وذلك بسبب ما قيل عن كونها لم تقم بفيلم إلا وتحقق من خلاله نجاحات على المستوى النقدي والجماهيري، هذا بالإضافة إلى لقب “الأسطورة الحية” لأنها من أفضل ممثلات جيلها التي مازالت على قيد الحياة.
كما يوجد غيرها من ممثلات صنعن أسماء في سماء هوليود، وعندما يتعلق الأمر بالممثلات الأكثر جمالاً وشعبية واللواتي خطفن قلوب الملايين عن أدوارهن والبصمة التي خلفنها في الأفلام ويتصدرن رأس الهرم في هذه المنافسة، نجد “أنجلينا جولي”، وهي من أعلى الممثلات أجراً، وقد حصلت على العديد من الجوائز المرموقة طوال حياتها المهنية وتتمتع بشهرة وشعبية كبيرة، لاسيما الأﻷعمال الخيرية التي تقوم بها على مدار العام، و”ماريون كوتيلارد” التي حصلت على 3 جوائز لأفضل تمثيل واختيرت من أفضل النجمات شعبية، “جوليا روبرتس” ممثلة أخرى وواحدة من أجمل ممثلات هوليود وأكثرهن شعبية من خلال الأﻷدوار الاجتماعية التي تقدمها، ما مكنها من أن تكون واحدة من أكثر النساء سحرا وجمالا وحققت لنفسها مكانة مرموقة. نجد أيضا “سكارليت جونسون” التي ولدت عام 1984، مغنية وممثلة، بدأت مهنة التمثيل في سن التاسعة، ذات جمال و”بريستيج” متميز منحها شعبية واسعة.

القصص الواقعية تصنع بريق نجمات التسعينات
صنعن لأنفسهن دربا من النجومية على البساط الأﻷحمر دون منازع وفتحن الباب أمام نجمات اليوم للتألق والنجومية دون منازع، ومع بدايات التسعينات بدأت أهمية الأدوار النسائية تعرف منحى آخر وتجد لها مكانة في سلم النجاح بهوليود، فأخذت الممثلات يسحبن البساط من تحت أقدام النجوم الرجال، حيث غدون منافسات شرسات وبلباقة وجديات على صعيد الأجور المرتفعة، ولم يعد شباك التذاكر مقتصرا على أسماء ذكورية بحتة في أفلام حصدت ملايين الدولارات يشكل الوجود النسائي فيها مجرد إضافة ثانوية أو ضرورة تكميلية، ليترسخ الوجود النسائي في تسعينات القرن الماضي بقوة مع أسماء نجمات خطفن الأضواء من الرجال ومن بينهن “شارون ستون”، “ديمي مور”، “جودي فوستر”، “جوليا روبرتس”، “جوليان مور”، “نيكول كيدمان”، “يلاري سوانك”، “ساندرا بولوك”، فتحن الباب أمام نجمات اليوم للتألق والنجومية، واستمررن بأدوار بارزة ستبقى مسطرة في تاريخ السينما العالمية، والسبب، حسب المتتبعين والمختصين في المجال، هو بشكل أساسي دخول العنصر النسائي في عمليات صنع الأفلام بشكل متزايد، سواء في عدد المخرجات أو كاتبات السيناريو وحتى الإنتاج السينمائي. ولم تعد السينما رجولية التفكير، وأفردت في هوليود مساحات أكبر للأدوار النسائية، ودور المرأة في الحياة ككائن مستقل بعيدا عن سيطرة الرجل ووضعها في أدوار قوية يكون فيها مساندا لها بدل العكس. وشكّلت مواضيع الأفلام التي تعالج قضايا اجتماعية بطلتها المرأة مادة دسمة لكتاب وكاتبات السيناريو، وزاد بذلك مستوى الدراما في بناء الشخصيات الأنثوية في هوليود، حصدن من خلالها جوائز عالمية تتنافسن بها مع غريمها الرجل كجوائز الـ”غولدن غلوب” أو الكرة الذهبية، “اﻷوسكار” و”اﻹيمي”، حيث تميزن في أدوار تربعن من خلالها على عرش شباك التذاكر العالمية.

أفلام صورت كفاح المرأة في مشاهد الحياة الدرامية
نجد من بين الأﻷفلام التي صوّرت كفاح المرأة فيلم دراما إنتاج عام 2005، من بطولة “تشارليز ثيرون”. الفيلم مأخوذ عن قصة وهميّة بطابع حقيقي، وقعت أحداثها العام 1975، بطلتها امرأة تدعى “لويس جونسون” تعمل في أحد مناجم الفحم بالولايات المتحدة الأمريكية، تعرضت لويس هي وزميلاتها للتحرش والعنف من قبل العمال في المنجم. ووسط صمت زميلاتها وخوفهن، قررت لويس الصراخ والإفصاح عما يتعرضن له من عنف، وبالفعل ثارت لويس وصعدت القضية لمعاقبة الجناة، وبفضلها تم إقرار أول قانون ضد التحرش الجنسي في مواقع العمل في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1989. فيما يصور “إيرين بروكوفيتش”، وهو فيلم مأخوذ عن قصة حقيقية لامرأة تحمل نفس الاسم، بطولة “جوليا روبرتس”، قصة امرأة تعيش رفقة أطفالها الثلاثة، وتعمل في إحدى شركات المحاماة، وبمرور الوقت تكتشف إيرين مسؤولية شركة عن تسميم المياه في المدينة وتعريض حياة الآلاف للخطر، ورغم التهديدات التي تعرضت لها إيرين في حال التحدث بما رأت من فساد، إلا أنها لم تكترث وواجهت الشركة بصمود وقوة حفاظا على مجتمعها.
“ستيل آليس” من بطولة النجمة “جوليان مور”، هو فيلم تراجيدي تدور أحداثه حول امرأة تدعى أليس، تعمل أستاذة لغويات في إحدى الجامعات المرموقة، وتعيش حياة نموذجية على الصعيدين العائلي والمهني، إلى أن تكتشف إصابتها بالزهايمر فتنقلب حياتها رأسًا على عقب، إلا إنها تظل صامدة وقوية في مواجهتها للمرض. الفيلم مُلهم ومحفز ويكاد يكون من أعمق الأفلام التي جسّدت حياة مريض الزهايمر، وذلك بفضل أداء “جوليان مور” المدهش، فازت بجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة عن أدائها فيه. كما لا يمكننا أن ننسى العديد من النجمات اللواتي قدمن أدوارا في أفلام بقيت خالدة واعتبرت من الأفلام الأكثر تأثيرا، وهو ما يرفع من أسهم المرأة في نسبة النجومية والمتابعة، بعد أن كانت هوليود أرضا محرمة لعمل المرأة بالسينما واقتصار البطولة على الذكور دون النساء. فحسب دراسة أمريكية، فإن البطولة النسائية في أفلام هوليوود لا تتجاوز الـ15٪ من إجمالي أدوار البطولة المطلقة في الأفلام الأمريكية، كما أن هناك دراسة أخرى لتوثيق الفجوة بين الجنسين الذكوري والأنثوي في بحث جديد أجراه مركز دراسة المرأة في التلفزيون والسينما في جامعة ولاية “سان دييغو”، وجدت أن الإناث شكلن 12٪ من المشاركات في أدوار البطولة في أفلام بأعلى إيرادات العام 2014، وعلى مدى العقد الماضي، وهو وضع أسوأ وليس أفضل، وتقل تلك النسبة كلما تقدمت النجمات في العمر.

بعد الرجل الأﻷسود.. أفلام تسوق لحكم المرأة للبيت الأبيض
يتهافت المخرجون وكتاب السيناريو، منذ سنوات طويلة، على صناعة أفلام تروج لصورة حكم المرأة للبيت الأبيض، ومدى قدرتها وصمودها على قيادة أقوى دولة حسبهم، وقبلها المرأة القريبة من الرئيس ومنحها قدرات ذكاء وحيلة وإدراك وحكمة في التحكم بالأعصاب والمواقف والأﻷوضاع الحساسة أثناء الأزمات، ووصفها بالقوية والحديدية. وفي ذلك، حسب صناع الأفلام، أن صناعة المحتوى هو تمرير لأفكار وفرض لقناعات من يملك الدفة، لجعل المواطن الأﻷمريكي مع تكرار الأمر يتقبل حكم المرأة له، كما فعل سابقا مع الرجل الأسود ومهّد له الطريق نحو البيت الأﻷبيض.
نلاحظ العلاقة التي تجمع هوليود بالبيت الأبيض وبالرؤساء الأمريكيين السود تحديداً هي علاقة قديمة في الحقيقة وصالة العرض السينمائية الموجودة في البيت الأبيض التي شهدت عروضاً أولى لكثير من الأفلام الشهيرة تدل على ذلك. ربما كان حرص الكثير من الرؤساء الأمريكيين واهتمامهم بعلاقاتهم مع هوليود من نجوم ومخرجين ومنتجين نابعا من إدراكهم تأثير السينما على الإنسان بشكل عام وعلى الشعب الأمريكي بشكل خاص، وانتصار “باراك أوباما” لم يشكل للكثيرين مفاجأة لأنه كان من المتوقع رؤية رئيس أسود، وقد كان هناك سبعة رؤساء من السود ولكن ليسوا في البيت الأبيض الحقيقي بل على شاشات السينما والتلفزيون، وهم جيمس إيرل جونز” في فيلم “ذا مان” ومورجان فريمان في فيلم “ديب إمباكت” وكريس روك في فيلم “هد أوف ذا ستيت” ودنيس هايسبيرت في “24”. وقد ساعدت هذه الأفلام على تخيل انتصار أوباما قبل حدوثه، وبصورة أخرى سرعت من قدوم هذه اللحظة، وظهر نموذج البطل الأسود مثل “ويل سميث” في “يوم الاستقلال” الذي يخرج من الرماد الكامن في البيت الأبيض لكي يصحح الأوضاع أو عطلة العائلة. ولا تعد أفلام نصف القرن الماضي نبوءة على ما نشهده الآن، لكنها تقدم صورًا لإمكانية ارتقاء الرجل الأسود للسلطة، وهو ما حدث فعلا وتحقق وحضّر له بشكل يتقبله اﻵخر، وهو ما يحدث منذ السنوات القليلة الماضية بشكل أساسي من تصوير المرأة على أنها قادرة على الوصول لكرسي البيت الأبيض وحكم الولايات المتحدة الأﻷمريكية، وظهرت أفلام ومسلسلات يحاول صناعها من خلالها أن يمرروا فكرة تقبل أن تحكم البيت الأبيض سيدة، مثال فيلم “مشروق القمر” 1970 الذي صور المرأة في منصب الرئيس، وقبله سنة 1964 “قبلات للرئيس” من بطولة “بولي بارجن” لتكون بذلك أول ممثلة تقوم بدور رئيس، عندما اجتمعت واتحدت النساء في أمريكا معا يوم الانتخابات، وانتخبن “ماكلاود ليزلي” رئيسا للولايات المتحدة، مرورا بأفلام ومسلسلات تلفزيونية مع تعاقب السنوات لتسريع قبول فكرة وصول المرأة لكرسي الحكم. ومن الأفلام التي عرضتها هوليود ولقيت نجاحا كبيرا “على قدم المساواة” سنة 1997، الذي قدم صورة عن المرأة القادرة على مواجهة الصعاب وتحدي العراقيل، بالإضافة إلى قوة تحملها وحبها ووطنيتها. الفيلم كانت بطلته الممثلة “دومي مور” التي مثلت دور أول امرأة تدخل “القوات الأمريكية الخاصة” وكيف صمدت لتثبت وجودها بين الرجال.
كما نجد المسلسل الدرامي لشبكة سي دبليو “نيكيتا” المنتج سنة 2010 وكانت في حلقاته الأخيرة رئيسة تحكم البيت الأﻷبيض تتعرض للخطف والتبديل بأخرى، وكذا مسلسل الدراما “بريزن بريك” الذي تدور قصته حول الأخوين “مايكل سكوفيلد” و”لينكون بوروز”. يُتهم لينكون ظلماً باغتيال أخ نائب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ويحكم عليه بالإعدام. “القائد العام” هو مسلسل درامي آخر، يركز على إدارة خيالية وعائلة “ماكنزي ألين”، وأول رئيسة للولايات المتحدة التي تصعد من نائب الرئاسة إلى منصب الرئيس بعد وفاته بتمدد الأوعية الدموية الدماغية المفاجئة، وبدأت سلسلة البث عام 2005. ومن شأن هذه الأفلام أن تمهد الطريق وتفرش السجادة الحمراء لـ”هيلاري كلينتون” على أرض الواقع لرسم افتراض أن يعادل ما يمرر في الأﻷفلام والمسلسلات إلى العالم الحقيقي، وأن تترأس امرأة للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة الأﻷمريكية البيت الأبيض كما سبقها الرجل الأسود إلى ذلك، وما ساعده ما طرحه صناع السينما في هذا التوجه.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول