المغرب.. الديمقراطية الصعبة وسنوات الإسلاميين

روبورتاجات
10 أكتوبر 2016 () - الدار البيضاء: عثمان لحياني
0 قراءة
+ -

قبل خمس سنوات اختار المغرب مسلك تغيير سياسي وديمقراطي هادئ، في مناخ كان يعج بثورات الربيع العربي، وبالقدر نفسه الذي حملت مسالك التغيير في تونس ومصر وليبيا واليمن الإسلاميين إلى الحكم، تبوأ الإسلاميون في المغرب، عبر حزب العدالة والتنمية، صدارة المشهد الانتخابي في نوفمبر 2011، وأنجزوا أول حكومة لهم، لكن الاستثناء المغربي كان نجاح الحزب الإسلامي في الاستمرار في الحكم وإنهاء عهدته الانتخابية الأولى، بخلاف ما حدث للإسلاميين في مصر وليبيا واليمن وتونس، بعد 5 سنوات حان وقت الحساب السياسي لمرحلة حكم الإسلاميين، في سياق انتخابات برلمانية، بات ممكنا للناخب المغربي تلمس مكاسب وإخفاقات حكومة العدالة والتنمية.

 

سيدي مومن .. على الهامش الحياة

كما في الجزائر، تشكل الأحياء الشعبية الواقعة على هوامش المدن الكبرى سلة انتخابية هامة للمرشحين في الانتخابات بالمغرب، فمع كل استحقاق انتخابي تحط الأحزاب رحالها في عمق الأحياء الشعبية والمهمشة، ويشد المرشحون الرحال إليها لتقديم الخطط والبرامج والوعود. حي سيدي مومن في ضاحية الدار البيضاء من بين عشرات هذه الأحياء المهمشة وأكثرها شهرة، فقد اجتازت تعاسة الحياة وطيور الظلام التي تسللت إلى دروبه الملتوية حدود المغرب.

 

في ماي 2003 استيقظ المغاربة على وقع تفجيرات دامية نفذها 14 انتحاريا، قتل 12 منهم واعتقل اثنان، استهدفت فندقا ومطعما يرتاده سواح غربيون ومقبرة يهودية ومقر القنصلية البلجيكية في مدينة الدار البيضاء، وخلفت مقتل 40 شخصا وجرح 100 آخرين. لم يعرف لحظتها الفاعلون، خاصة وأن المغرب لم يكن بصدد تنظيم إرهابي واضح، سريعا تكشف الغبار على حقائق وهويات الانتحاريين الذين كانوا شبابا من حي سيدي مومن المهمش، وبسرعة تصدر هذا الحي القصديري صدر الصحف الدولية وشاشات العالمية، وبدأ البحث حثيثا في العلاقة بين ظروف العيش داخل أحياء الصفيح التي أو ما تعرف في المغرب بـ"البرارك"، وبين التطرف وميلاد خلايا الإرهاب. 

 

داخل هذا الحي الصفيحي، تتكدس العائلات وتتزاحم الأكواخ، هنا مازالت عائلات تسكن في بيوت لا تتوفر على أدنى شروط العيش الكريم، ترتبط هذه الأكواخ بقنوات المياه والكهرباء بشكل فوضوي ما يصعب العيش فيها. هنا تعيش مليكة مع ابنيها أحدهما متزوج، لا يتوفر كوخها سوى على غرفتين صغيرتين بينهما مصعد خشبي، أثثت إحداهما للابن المتزوج، ومطبخ أنشئ في زاوية منه. تتذكر هذه السيدة أيام المحنة العنيفة التي مر بها الحي في ماي 2003، وكيف التصقت تهمة الإرهاب والشك بشباب الحي وسكانه، وتقول "للأسف هذا الذي حصل، لقد تحوّل كل ساكن في الحي إلى متهم مسبقا بالإرهاب، حتى أن شباب الحي العاطلين عن العمل، لا ترغب الشركات في انتدابهم للعمل لمجرد أنهم يسكنون في هذا الحي"، وأضافت "برغم أن عدد الخارجين عن القانون قليل جدا، وأغلب شباب الحي يكد لكسب قوته بعيدا عن المشاكل، لكننا واجهنا فترة عصيبة".

 

لا يعدو حي سيدي مومن سوى وأحد من أحياء الصفيح التي تحيط بمدينة الدار البيضاء. تشير الأرقام إلى أن أحياء الصفيح في المغرب تضم حالياً 375 ألف كوخ، ويسكن فيها ما يقارب 2 مليون نسمة، موزعين على 85 مدينة، شكلت هذه الأحياء أحزمة للفقر والمخدرات وأرضية خصبة للتطرف بسبب البطالة والفقر المستفحل في أحياء الهامش. يعيش الشباب في هذه الأحياء بين براثن الفقر، والوضع المعيشي المزري، وبين محاولات استدراج الشباب من قبل المتطرفين وشبكات الجريمة، فإضافة إلى نشاط التنظيمات المتطرفة التي مازالت تسعى لاستدراج شباب وشابات، كان آخرهم 10 قاصرات نجح تنظيم "داعش" في استقطابهن من أحياء الهامش، فإن تقرير لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة يشير إلى أن المغرب يأتي في المرتبة الثانية عربياً في ارتكاب جرائم القتل، كما يشير التقرير أن مدينة الدار البيضاء تعد في صدارة المدن الكبرى المكتظة من حيث نسبة الجريمة بسبب أحزمة الفقر المحيطة بها.

 

برغم قساوة الحياة في هذه الأكواخ والمتاعب المرتبطة بظروف العيش، وككثير من المغاربة لم تفقد مليكة الأمل في أن تأخذ وأبناءها حقها في الحياة الكريمة، في السنوات الأخيرة وبعد المتغيرات السياسية التي أفرزها حراك 20 فبراير2011، وتسلم حكومة الإسلاميين بقيادة العدالة والتنمية للحكم ، كان سكان الأحياء الفقيرة، يتطلعون إلى "الأيدي النظيفة" لانتشالهم من الواقع المر والعيش المرير وإنقاذهم من مرارة الحياة، وإسعاف أبنائهم من الأوبئة والأمراض التي تلازم هكذا بيئة سكنية.

 

خلال الخمس سنوات الأخيرة وضعت حكومة العدالة والتنمية على رأس أولوياتها القضاء أحياء الصفيح كإحدى أبرز التحديات للمغرب، وأطلقت برنامجا للقضاء على مدن الصفيح في أفق 2020، وتقول الحكومة أنها نجحت في القضاء على 50 في المائة من أحياء الصفيح المنتشرة في 85 مدينة مغربية، وأعلن وزير السكن نبيل بن عبد الله أن خمس مدن مغربية باتت خالية من القصدير.

بعد خمس سنوات من التغيير السياسي في المغرب، انتظم سكان أحياء الصفيح في جمعيات محلية تتكفل بمتابعة انشغالاتهم، لا ينكر محمد الكورتي رئيس جمعية "حوار ومصالحة" لحي سيدي مومن وعضو ائتلاف جمعيات الحي، وقوع تحولات كبيرة في حياة سكان الحي، عدد كبير من العائلات خرجت من الجحيم وتحصلت على شقق أو على قطع أراضي للبناء. ويتيح القانون في المغرب للعائلات التي تحصلت على سكن الاشتراك مع صاحب مال في ملكية الأرض، يتولى الأخير انجاز شقق سكنية على ثلاث طوابق إضافة إلى مستودعات، على أن تحصل العائلة على الطابقين الثاني والثالث، وهي آلية تمكنت من خلالها مئات العائلات من سكان أحياء الصفيح من الحصول على شقق بأقل مساهمة مالية، لكن كثير من العائلات مازالت تنتظر دورها للخروج من الجحيم.

 

الشباب .. العطالة والقطيعة

ليست الأحياء الشعبية في المغرب سلة انتخابية فقط بالنسبة للكثير من الأحزاب، لكنها أيضا محضن لأحزاب الريع التي تستغل حاجة وعوز شباب هذه الأحياء لاستغلاله في الحملات الانتخابية، لتعويض العزوف الشبابي عن الفعل السياسي في المغرب. وبخلاف الاستحقاقات السابقة، لا تشهد الانتخابات في المغرب اندفاعا شبابيا للمشاركة في العمل السياسي، برغم أن الشباب يمثل في المغرب 40 في المائة من الكتلة الناخبة، بسبب غياب الثقة بين الشباب والمؤسسة الحزبية، بخلاف العمل الجمعوي الذي يستقطب الشباب المغربي.

 

ويرتبط غياب الثقة بين الأحزاب والشباب في المغرب، بالإخفاقات الحكومية في تحقيق تقدم ميداني على صعيد توفير الشغل ومحاربة البطالة، برغم تراجع النسبة العامة للبطالة في المغرب إلى أقل من 9 في المائة، ونجاح الحكومة في توفير ما يقارب ربع مليون منصب شغل خلال الخمس سنوات الماضية. وضع زاد من نزيف هجرة الشباب المغاربة إلى الخارج، بحثا عن فرص أفضل للعمل والعيش.

 

وفي السياق تشير أرقام نشرتها منظمة مراقبة الحدود الأوروبية " فروتكس" أن 26 ألف مغربي تم توقيفهم عندما كانوا يحاولون التسلل إلى أوروبا عام 2015، كما تشير دراسة نشرتها منظومة "غالوب" الأمريكية أن شابا من بين ثلاثة في المغرب يفكر في الهجرة ويخطط لها، بسبب عدم وجود فرص عمل والحياة الكريمة، ويضع هذا الرقم المغرب ضمن قائمة الدول الثلاث الأولى التي يحاول مواطنوها العبور إلى أوروبا، ويأتي في المرتبة الثانية، بعد سوريا.

 

ولا تعني مشكلة البطالة في المغرب الشباب الذي لم يكمل تعليمه، لكنها مشكلة بدأت تستفحل لدى خريجي الجامعات والمعاهد، إذ تشير الأرقام إلى مشكلات البطالة والمعطلين عن العمل من حاملي الشهادات في المغرب أن 60 في المائة من حاملي الشهادات الجامعية غير موظفين، كما أن 86 في المائة من الكفاءات الشبابية المغربية ترغب في العمل خارج البلاد، كما أن 18.5 بالمائة من الأدمغة المغربية تهاجر إلى خارج المغرب لعدم توفر فرص للعمل والبحث العلمي، وتأتي المغرب في الترتيب الثالث عالميا كدولة طاردة للعقول. وقد تهيكلت هذه الإطارات الجامعية في تنظيمات وجمعيات للدفاع عن حقها في الوظيفة، وتخوض منذ فترة مواجهة مفتوحة مع حكومة بن كيران، كان آخرها وقفات احتجاجية الأربعاء الماضي في الرباط.

 

عديل سنينة، العضو في تنسيقية الأطر العليا المعطلة عن العمل، واحد من المتخرجين من الجامعة في مستوى الدكتوراه، ممن لم تتح لهم الظروف فرصة الحصول على عمل منذ 5 سنوات، طحنته الظروف ودفعته إلى العمل في وجهات أخرى لا تتناسب كليا مع مستواه التعليمي، لكنه مع ذلك يصر على الاستمرار في النضال من أجل حقه في العمل. لا يبدي عديل أي تفهم لسياسات حكومة حزب العدالة والتنمية، ويعتقد كما الآلاف من المتخرجين من الجامعات المعطلين عن العمل أن "هذه الحكومة تقوم بمحاربة التشغيل وليس محاربة البطالة"، ويقول "حكومة العدالة والتنمية خيبت ظننا كثيرا، لقد كنا في عام 2011 من بين من استبشروا بوصول الإسلاميين إلى الحكم، على اعتبار أن نواب هذا الحزب الإسلامي كانوا ممن يقطعون جلسات البرلمان للخروج إلى الشارع حالما تكون هناك وقفة للمعطلين عن العمل، لكنهم أنفسهم انقلبوا على هذه المواقف".

ويقول زميله أنور، وهو أيضا من الأطر العليا المعطلة "المشكل أن هذه الحكومة لم تتح لنا حتى فرصة الحوار لنطرح بعض البدائل الممكنة للتشغيل، كلما حاولنا أن نطالب بحقنا في الشغل وجهتنا الحكومة بالعصا والضرب".

 

حكومة الإسلاميين .. المنجز والإخفاقات

لا يتوقف الغضب على سياسات العدالة والتنمية عند الشباب البطالين، لكن قطاعات عملية أخرى دخلت في مواجهة مع الحكومة، كالمتقاعدين بعد إعلان الحكومة عن خطة لإصلاح نظام التقاعد، والأطباء المتدربين والمعلمين، فكوادر حركة 20 فبراير 2011، التي كانت أساس الحراك الشعبي في ظل موجة الربيع العربي حينها، لا تشعر بكثير من التغير على صعيد تحقيق التنمية والاستجابة للمطالب الاجتماعية والعمالية، والحد من التجاوزات المتصلة بالقمع والحريات في المغرب، وتعتقد قيادات في الحركة أنه "بعد مرور أزيد من أربع سنوات على انطلاق الفعل النضالي داخل إطار حركة 20 فبراير، فإن الشروط نفسها لا تزال قائمة والتي تفرض على كل إنسان الدفاع عن كرامته وصونها من كل الانتهاكات"، ولذلك فقد اتخذت موقف الدعوة إلى مقاطعة الانتخابات السابع أكتوبر، على غرار الحركة الأمازيغية التي تتهم حكومة بن كيران بالالتفاف على المطلب الأمازيغي، غير أن هذه الصورة المتشائمة إزاء تقييم المنجز الاقتصادي والاجتماعي للولاية الحكومية والبرلمانية الأولى لحكومة العدالة والتنمية، ليست بهذه الدكانة، إذا نجحت الحكومة في تحسين جدي للبنية التحتية للمغرب، فيما يخص الطرق والسكك الحديدية، وتحديث المدن والمرافق العمومية وتطوير الإدارات الخدمية ومحاولة إصلاح النظام التعليمي، وتخفيض أسعار 2602 دواء بنسبة تتراوح ما بين 20 و80 في المائة، وتشجيع التصنيع المحلي لأدوية الأمراض المزمنة، وخفض فاتورة الطاقة في المغرب، بنسبة 25.1 في المائة، وتقدم المغرب بـ5 درجات في مؤشر التنافسية العالمية، وسجل المغرب تقدما بـ 22 مرتبة بين سنتين 2012 و2016 في مؤشر ممارسة الأعمال حسب تصنيف البنك الدولي لسنة 2016، وارتفع الاستثمار الأجنبي في ظل هذه الحكومة بمعدل 28 بالمائة بالمقارنة مع المرحلة السابقة، ، وبلغ احتياطي العملة الصعبة التي في الخزينة المغربية، إلى 22.39 مليار دولار، وهو الأكبر في تاريخ المغرب، وتراجع عجز الميزان التجاري بـ 18 بالمائة إلى نهاية 2015. وتحول المغرب إلى قاعدة صناعية رائدة في صناعة السيارات، إذ ينتج مصنع طنجة 300 ألف سيارة، وبتصدير تصل قيمته إلى 1.5 مليار أورو، بسبب تطور بنية الصادرات الوطنية تدريجيا منذ 2011، حيث أصبحت السيارات القطاع الإنتاجي التصديري رقم واحد في المغرب، متبوعا بالفوسفات، ويعتقد المحلل الاقتصادي عبد النبي أبو العرب، إنه "لا يمكن أن ينكر إلا جاحد منجزات الإقلاع الاقتصادي الوطني، على جميع المستويات، بشكل مكّن المغرب تدريجيا من الخروج من دائرة الخطر الذي كان يتربص به في بداية عهدة الحكومة الحالية، ناهيك عن استمرار المغرب في الاستثمار في الطاقات البديلة كمحطة نور للطاقة الشمسية التي تم تدشينها قبل أشهر ، وتطور القطاع السياحي ، حيث مازالت المغرب ضمن ال20 أفضل وجهة سياحية في العالم .

 

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول