مستقبلنا: بين الفكرة والقلم... والكرة والقدم!

38serv

+ -

إنّنا في زمن مقلوب، اختلّت فيه المعايير، وطاشت الموازين، واضطربت الأولويات، فرُفع فيه ما حقّه الوضع، ووُضع ما حقّه الوضع، وقُدّم ما يجب تأخيره، وأُخّر ما يجب تقديمه، وبلغ الاهتمام ببعض التّوافه مبلغًا عظيمًا، وبلغ الإهمال لبعض المهمّات حدّا مُريعًا!.ولا شكّ أنّ خير ما يُبيّن هذا الوضع الغريب العجيب الّذي نعيشه المقارنة بين حال المبدعين من أهل الأفكار وأصحاب الأقلام، وبين (المبدعين!) من لاعبي الكرة وفناني الأقدام؛ لنرى الصّورة المأساوية الّتي وصلنا لها.فالنّجوم والمشاهير هم لاعبو الكرة وصاحبوا الأقدام، وما أدراك ما الأقدام!، أمّا المفكرون والعلماء والباحثون فهم مغمورون، لا يهتم بهم ولا يذكرون، وحتّى في الموت لا وجه للمقارنة بينهم، فموت لاعب كرة قدم مصيبة عظمى ومأساة وطنية، وموت العالم والمفكر، حدث عادي، ففي كلّ يوم يموت البشر!والأخبار المهمّة والعاجلة حِكْرٌ على أخبار اللاعبين ولعبهم، وفضائياتنا الموقّرة تتنافس في كثرة برامج كرة القدم وفي استقدام (المحلّلين والخبراء!) الّذين يحلّلون كلّ ثانية من اللّقاء وإن كان مملاً في الغالب، وكلّ حركة للاعبين، حتّى حركاتهم اللاإرادية! ويصدّعون رؤوسنا بصراخهم، ويملؤون حياتنا بالفراغ! أمّا أخبار العلماء والمفكرين والباحثين، والأخبار الّتي تفيد النّاس في دينهم أو دنياهم، فهي إن فُسح لها المجال دقائق معدودة وأزمنة محدودة!وإذا تكلّمنا على الاهتمام من الجانب المادي، فهنا لا بدّ لنا من الأدوية المسكنّة للألم حتّى نستطيع المقارنة بين ما يأخذه اللّاعب (المحترف!) مقابل لعب ولهو، لا عائد له، ولا فائدة منه، ولا تجني منه الأمّة خيرًا إلاّ لهوًا وترفيهًا! وإن زعموا أنّ فلانًا وعلّانًا لاعبون كبار قدّموا الكثير للبلاد، فهم لم يقدّموا إلّا الأوهام! وحتّى إن فازت الجزائر بكأس العالم في عام من الأعوام - إن شاء الله - فإنّ ذلك لا يُغيّر من وضعنا، ولا يصلح من شأننا، ولا يقلّل من تخلّفنا! إن لم يكن نتيجة ذلك تلهية لنا عن الواجبات، وصرفًا لنا عن المهمّات! أمّا العلماء والمفكرون والباحثون والأساتذة في كلّ الأطوار، وهم بُناة الأجيال حقّا، يبنون نفوس أبنائنا وبناتنا وعقولهم ومستقبلهم، وهم بُناة الوطن حقّا، الّذين قدّموا له الكثير صدقًّا، في صمت وبعيدٍ عن أضواء الإعلام وصخبه؛ هؤلاء بحسبهم دنانير معدودة وسنتيمات مباركة، فإن طالبوا بزيادة (البقشيش) لم يُسمع صوتهم حتّى يُضْرِبُوا فيُضرَبُوا!والمقارنة المؤلمة تطول، ويكفي لبيان اختلال الوضع وانقلابه ما ذكرنا، فالظّاهر أنّه صار أكرم شيء في الإنسان قدمه ورجله، وأرخص شيء فيه علمه وعقله!. يحدث هذا في أمّة بَدْءُ دينها: {اقرأ}. وأوّل واجبات دينها نزولا من السّماء: واجب القراءة: {اقْرَأ بِاسْمِ رَبّكَ الَّذِي خَلَقَ}، والأمر يفيد الوجوب كما يقول الأصوليون، وهذا أوّل أمر أنزل من السّماء بأوّل واجب كُلّف به المسلم. وأساس قيامها كتاب مقدّس، يُسمّى الكتاب حثًّا على الكتابة، ويُسمّى القرآن حضًّا على القراءة: {تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ}. وأعظم واجبات دينها المطلوب تكرّره واستمراره: القراءة في هذا الكتاب المبارك، فقد جاء في الأثر: «واعلم أنّك لن تتقرَّبَ إلى الله بأعظم ممَّا خرج منه»، أي القرآن الكريم، وفي ذلك تدريب على مداومة القراءة والمطالعة. وأعظم وظائف نبيّها عليه أزكى الصّلاة والسّلام التّعليم: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}. بل إنّ الإسلام هو دين العلم والقراءة، حتّى جعل العلماء العلم والقراءة أساسًا من أسس الهداية كالإسلام، حيث قال الإمام حسن البنا رحمه الله في تفسيره عند بيانه معنى حروف الافتتاح في بعض السّور كـ: [ألـم - ألـمص - كهيعص - حم..]: “أنّها إشارة إلى فضل الكتابة وسموّ منزلتها، والتّفاؤل بأنّه كما كانت معرفة البشر للكتابة إيذانًا بانتقالهم من طور إلى طور في مدارج الرّقىّ والكمال، فكذلك الاهتداء بهذه الرّسالة سيكون انتقالًا جديدًا إلى درجة أعلى وأكمل في مدارج الحضارة الإنسانية والتّرقي الاجتماعيّ، وقد جاء القرآن حريصًا على إبراز هذا المعنى حتّى كانت أوّل سورة أنزلت منه في أرجح الأقوال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ} العلق:1-5”. وهذا معنى جليل حقيقٌ أنّ يهتم به. فالعلم - الّذي أهم وسائله القراءة - هو سبيل الهداية، وإذا تنكّبت الأمّة طريقه ضيّعت هداية السّماء، وضيّعت ريادة البشرية كما هو حالنا الآن، ولا يمكننا الاستفادة من الوحي الحقّ الّذي أكرمنا الله به إلّا بالعلم والقراءة والمطالعة، فإنّ أمة جاهلة لا تعرف قيمة الكنوز الّتي بين أيديها، ولا تعرف قدر ما تملك!وإنّه لا خير في أمّة تقدّس أقدام أبنائها ولا تقدّس عقولهم، ولا خير في أمّة تقدّس اللّعب واللاعبين ولا تقدّس العلم والعلماء، ولا خير في أمّة تقدّس كرة فارغة هي رمز للفراغ، ولا تقدّس فكرة هي رمز للحضارة والعمران!ولا يكفي معرضٌ للكتاب يُقام لتصحيح المسار، بل لابدّ من مراجعة جذرية لثقافتنا المجتمعية، وإعادة ترتيب لقيمنا ومبادئنا وتصحيح سلّم الأولويات عندنا، وإرجاع الأمور إلى نصابها، برفع أهل الفكرة والقلم، على أهل كرة القدم وغيرهم من الفارغين والفارغات!. وإلّا فلننتظر أجيالًا من اللاعبين العابثين من أبنائنا وبناتنا ممّن يحلمون أن يكونوا كاللّاعب الفلاني، ولا يحلمون أن يكونوا العالم الفلاني! وشتّان بين الحلمين!وهذا يحتاج إلى إرادة سياسية صادقة؛ لتغيير الحال إلى ما فيه خير البلاد والعباد. وإلّا فالسّياسات المطبّقة الآن لن توصلنا إلى المكتبات ومدرجات الجامعات ومراكز البحوث، لن توصلنا إلّا إلى ميادين اللعب ومدرجات الملاعب!* إمام وأستاذ الشّريعة بالمدرسة العليا للأساتذة

مقال مؤرشف


هذا المقال مؤرشف, يتوجب عليك الإشتراك بخطة الممتاز+ لتتمكن من الإطلاع على المقالات المؤرشفة.

تسجيل الدخول باقة الاشتراكات