أورير أزمور.. حيث لا مكان للمستحيل

روبورتاجات
29 أكتوبر 2016 () - علي رايح
0 قراءة
+ -

بعد إخفاقها في الفوز بإحدى جوائز مسابقة ”عيسات رابح” لأنظف قرية بولاية تيزي وزو في 3 مشاركات سابقة، افتكت قرية أورير أزمور ببلدية أقبيل المركز الثاني في الطبعة الرابعة لهذه المسابقة العام الجاري. أما الفضل فيعود إلى تجند سكانها طيلة 6 أشهر دون انقطاع، ضحوا خلالها بعطلهم وسهروا ليالي رمضان لإنجاز الأشغال الضرورية، فلبست قريتهم حلة جميلة بأزقتها النظيفة وبفضاءاتها المختلفة التي يسر لها الناظر والزائر.

التحدي الآخر الذي وضعه سكان أورير أزمور صوب أعينهم، يقول عمر ولد لعمارة عضو بلجنة القرية، هو الحفاظ على نظافة وجمال أورير أزمور بطبيعة الحال، وتحويلها لقبلة سياحية، مع بناء نزل للشباب يسعى أحد المغتربين إلى تجسيده في أرض الميدان.
زيارة قرية أورير أزمور التابعة إداريا لبلدية أقبيل بدائرة عين الحمام (ميشلي) هي إحدى القرى المنافسة لقرية بومسعود لنيل المركز الأول في مسابقة أجمل قرية في تيزي وزو، تم باقتراح من صديقنا الحاج آيت موهاب العنصر النشيط في الجمعية البيئية ”أصدقاء جرجرة”، والذي سبق له أن زارها بصفته عضو لجنة مسابقة ”رابح عيسات” لاختيار أنظف قرية في الولاية، وهي المسابقة التي دخلت هذا العام عمرها الرابع. وصلنا قرية أورير أزمور يوم الأربعاء 12 أكتوبر الموافق ليوم عاشوراء، قادمين من قرية بومسعود التي تبعد عنها ببضعة كيلومترات، فوجدنا عددا من المواطنين عاكفين على تنظيف الشارع الرئيسي ومقر ”ثاجماعث” وقاعة اجتماعات أهل القرية، وأيضا بقايا أشغال ذبح عجلين احتفاءً بعيد عاشوراء وتوزيع لحمها على مواطني القرية بالتساوي، فلا فرق هنا بين الغني والفقير، الكل سواسية في العمل الخيري التضامني، مع الإشارة إلى أن هذه العادة ورثها أهل منطقة القبائل عن أجدادهم، ولا يزال الناس هنا يمارسونها على مستوى قرى عديدة، خاصة تلك المتعلقة بالمناسبات الدينية.
قرية جميلة وسط مناظر خلابة تقع أسفل كهف عجيب
تعتبر أورير أزمور إحدى القرى الـ13 التي تشكّل إقليم بلدية أقبيل بدائرة عين الحمام المعروفة بالتسمية الفرنسية ”ميشلي”، يقطنها نحو 800 نسمة. علما أن هذا العدد يتضاعف في العطلة الصيفية، مع عودة أبناء القرية المهاجرين والقاطنين بولايات الوطن، سيما بالجزائر العاصمة، لقضاء عطلة الصيف بقرية آبائهم وأجدادهم، وسط طبيعة جميلة ساحرة. تقع أورير أزمور على علو أزيد من 1000 متر عن سطح البحر، بالجهة الغربية نجد قرية آيت مسلاين الجميلة التي تفوقها علوا ومساحة، ومن الجهة الجنوبية جبل به كهف يُعرف بكهف ”ماكابي”، يوجد بداخله هيكل عظمي لرجل توفي منذ قرون، وصمدت جثته طول هذه المدة الزمنية، كان السياح الأجانب وخاصة الأوروبيين يقصدونه قبيل تسعينات القرن الماضي لزيارة المنطقة واكتشافها. مع الإشارة إلى أن الأوضاع الأمنية التي شهدتها المنطقة بعد العشرية الحمراء وضعت حدا لتدفق الأجانب وحتى الجزائريين لزيارة هذا الكهف.
المشاركة الرابعة في مسابقة أنظف قرية كانت مربحة
يقول ولد لعمارة عمر، العضو النشيط في لجنة قرية أورير أزمور، إن المشاركة في مسابقة ”رابح عيسات” لاختيار أنظف قرية تعد فرصة لمقارنة ما تم إنجازه بالقرية مع القرى الأخرى، وما يمكن تداركه لبلوغ الهدف المنشود، ألا وهو المحافظة على نظافة المحيط وطرقات القرية، والعمل من أجل الفوز بالجائزة التي تكون بمثابة ”حبة كرز على الطورطة” كما يقال. وحسب محدثنا فإن ممثلي قرية أورير أزمور لم ينتظروا المسابقة لتنظيف قريتهم. وفيما يخص المشاركة هذا العام في الطبعة الرابعة من المسابقة فلم تكن كسابقاتها، فقد حفظ سكان أورير أزمور الدرس من مشاركاتهم الثلاث الأولى التي خيبت آمالهم، كون النجاح يأتي بعد التعب والجد. وتم بهذه المناسبة تسخير كل طاقاتهم وتجنيد كل أبناء القرية في مهمة تحضير كل الظروف لبلوغ الهدف المسطر، وتفادي تكرار السيناريوهات السابقة التي خرجوا منها فارغي اليدين.
6 أشهر من العمل الجاد وتضحية بالعطل وأيام الأعياد
وحسب ولد لعمارة عمر، فقد جند أعضاء لجنة القرية كل سكان أورير أزمور بمختلف فئاتهم العمرية، وتم تقسيمهم إلى 7 مجموعات، أوكل لكل واحدة منها مهمة تنجزها. الاستعدادات شُرع فيها منذ 6 أشهر وفق قانونها وشروط المشاركة فيها، دون أن يغفلوا أي جانب منها. في هذا الصدد أشار محدثنا الذي كان مرفقا بمجموعة من نشطاء لجنة القرية إلى أن سكان أورير أزمور قد ضحوا بأيام راحتهم وعطلهم من أجل تحقيق الهدف المسطر، إذ تنطلق الأشغال بعد الخامسة مساء وتستمر إلى غاية العاشرة ليلا كل أيام الأسبوع، أما يومي الجمعة والسبت فالأعمال التطوعية تبدأ باكرا، كما أنهم خصصوا ليالي شهر رمضان الكريم لمواصلة الأشغال في جو مميز بالتضامن وتقاسم الأدوار والمهام وتحضير الشاي والقهوة للساهرين في إنجاز لأشغال التي تنتهي مع اقتراب أذان صلاة الفجر.
فضاء خاص للنساء
لفت انتباهنا خلال تجولنا بأزقة القرية الجميلة تهيئة مكان للنساء خصص كفضاء لهن يلتقين فيه للحديث وللترويح على النفس، وضعت به طاولة وبضعة كراسي ومتحف لغرس أزهار وحشائش تسر الناظر. لدى استفسارنا عن الهدف من هذا الفضاء للنساء، قال رئيس لجنة القرية إن للرجال مكانا يلتقون به في مقر ”ثاجماعث” حيث تعقد الجمعيات العامة والمقهى، في حين تفتقر النساء لفضاء يلتقين فيه، وأن إنشاء هذه المساحة الخضراء جاء لرد الاعتبار والجميل للمرأة التي تقوم بعمل جبار بالقرية، وتقف إلى جانب أخيها الرجل في تحمل مشقة العيش في أعالي جبال جرجرة في ظروف قاسية، خاصة في فصل الشتاء حيث يُسجل تساقط الثلوج بكثافة بالمنطقة.
تنظيم محكم وقانون داخلي حازم
تُسير لجنة قرية أورير أزمور شؤونها، كما هو الأمر أيضا بالنسبة لقرى منطقة القبائل، وفق القانون الداخلي الذي أعده مواطنو القرية وصادقوا عليه خلال جمعية عامة نظمت لهذا الغرض، على ضوء ما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم، والجديد في الموضوع حسب رئيس اللجنة عمر ولد لعمارة أن القوانين الموروثة عن الأجداد مع تحيين بعض موادها القانونية لمسايرة الوقت الراهن، والتمسك بعادات وتقاليد المنطقة، وكذا بالجانب الردعي ومعاقبة كل من تسوّل له نفسه تجاوز الخطوط الحمراء الموضوعة من قبل الأهالي. وعن سؤال حول مصادر تمويل القرية وعن الحساسيات السياسية وسط أعضاء لجنة القرية، رد علينا رئيس لجنة قرية أورير أزمور أن كل مواطن مطالب بتسديد 100 دينار كل شهر، وأن تسديد حق الاشتراك يخص الشبان البالغ عمرهم 18 سنة فما فوق.
أما بالنسبة للنشاط السياسي في لجنة القرية، فيرى محدثنا أن على الشخص الذي يرغب في ممارسة السياسة أن ينزل إلى عاصمة الولاية تيزي وزو لممارسة نشاطه السياسي، أما على مستوى لجنة القرية فكل عضو منها مطالب بوضع انتمائه السياسي جانبا، وإن أراد ممارسة السياسة أن يكون ذلك خارج إطار لجنة القرية بالبلدية أو الولاية.
توزيع الماء مجانا مع معاقبة المبذرين
من بين الأمور التي لفتت انتباهنا أيضا لدى حديثنا مع سكان أورير أزمور، أن هذه الأخيرة لا يشكو سكانها من ندرة الماء الشروب، وأن إنجاز شبكة توزيع المياه تم بسواعدهم بعد الاستقلال في سنة 1963، حيث جلبوا الماء من المكان المسمى ”القاع نبزرو”، مع الإشارة إلى أن استهلاك الماء مجاني.
ولتفادي تبذير هذه المادة الحيوية، أعدت لجنة القرية مواد قانونية ينص نظامها الداخلي على معاقبة كل من يبذر الماء عمدا، ويتعرض صاحبه لدفع غرامة 1000 دينار. كما تم تخصيص ”عنصر ماء” (منبع) بالقرية خاص بالنساء يمنع للرجال دخوله إلا ليلا لملء دلائهم، كما تم تخصيص مكان لسقي المواشي.
بناء نزل الشباب الهدف الأسمى لأهل القرية
يقول الناس هنا إن المشاركة في هذه المسابقة وافتكاك المركز الثاني خلف قرية بومسعود، ليس الهدف الأسمى لسكان أورير أزمور الذين يطمحون في خلق فضاء سياحي، وجعل قريتهم مركزا من مراكز السياحة الجبلية التي يقصدها السياح من كل الدول ومن مختلف ولايات الوطن، للتعرف على عادات وتقاليد سكان المنطقة، ولاكتشاف جمال الطبيعة بها وثراء تراثها الثقافي والبيئي.
في هذا الصدد أشار عمر ولد لعمارة لمشروع بناء نزل للشباب سيسمح للراغبين في زيارة المنطقة بإيجاد مكان للإيواء والإطعام. وحسب المصدر ذاته، فإن المشروع يقف وراءه رجل أعمال من القرية يقطن بالمهجر سيمول المشروع الذي سيوضع تحت تصرف لجنة القرية لتنتفع منه، لكي يكون لها مصدر رزق تمول به مشاريعها التنموية. وهذا المشروع في طور الدراسة، وسيقدَّم للجهة المعنية عند إتمام وإنجاز الدراسات التي ستعدها جهة مؤهلة.
وفي الأخير يأمل سكان أورير أزمور أن لا يجد هذا المستثمر عراقيل لتجسيد مشروعه الهام بالنسبة للمنطقة ككل.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول