غليزان.. الولاية الأكثر فقرا في الجزائر

روبورتاجات
7 نوفمبر 2016 () - غليزان: مبعوث “الخبر” نوار سوكو
0 قراءة
+ -

يبدي المجتمع المحلي بولاية غليزان، اليوم، استياءه وسخطه إزاء المسؤولين القائمين على تسيير الشأن العام، لدرجة أن المخيال الجماعي للكبير والصغير في المنطقة، يقدم الولاية على أنها الأفقر في الجزائر، تبعا للوجه الشاحب لعديد البلديات التي لم تلامسها التنمية على نحو يقضي على جيوب الفقر المتنامية، ويمسح البؤس والغبن عمن اجتازوا مرحلة عبور الصحراء خلال سنوات الفوضى والجنون الإرهابي، بل يؤكدون إن اللامبالاة والإهمال والتراخي أصبحت صفة تطبع أيضا مواقع مسؤولين، جعلت قلب المدينة يعيش حالة تسيب كبيرة.


الزائر لقلب مدينة غليزان قد يستوقفه مظهر النسيج العمراني المشكل من مباني قديمة موروثة عن ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، مباني فقدت بريقها وجمالها، ما يطرح بالتالي تساؤلات عن خلفية عدم التفات المسؤولين المتعاقبين على تسيير الشأن العام بالولاية (الوالي، رؤساء البلديات، الدوائر) من حولهم قصد تغيير وجه المدينة، بإضفاء طابع عمراني حديث على نحو ما تم بولاية الشلف.
المدينة مهملة
ففي قلب المدينة، مكان تمركز مختلف النشاطات التجارية، مازال التخلّف جاثما على مناحي عديدة، إذ تستوقفك مظاهر الأوساخ والنفايات الناجمة عن بقايا ومخلّفات بيع الملابس والخضر والفواكه والأسماك بالقرب من شارع خميستي، المتقاطع أيضا مع شارع العربي التبسي، وأيضا على مستوى الأسواق والفضاءات العامة، زيادة على الحفر التي ما تزال ماثلة عبر كثير من الشوارع، تحوّلت مع تسرب المياه إلى برك ومستنقعات، تشكّل مصدرا أساسيا لمختلف الأمراض المتنقلة، ولو أن هذا الوضع يطرح أكثر من تساؤل عما إذا كانت الحشود البشرية التي تملأ المكان وتشتم الروائح الكريهة منذ الصباح الباكر حتى المساء، قد التفتت من حولها يوما لتلك القمامة التي تتعاظم طولا وعرضا، مع العلم بأن مدينة غليزان كانت قبل نحو ثلاثة عقود، نموذجا لأحياء تحسبها ذات تصاميم أوروبية رائعة، مشكلة من مبانٍ وفيلات أنيقة، وأخرى تزهو بقرميدها البهيج، بعد أن كانت الشوارع على درجة كبيرة من النقاء.
ويشير شهود عيان على الجو العام الذي بات يطبع المدينة، إلى أنه لم يحدث وأن تدهور وتراجع الحفاظ على البيئة مثلما هو عليه اليوم، ولو أن بعض الجمعيات المعتادة على النشاط في المجال، تريد تبرئة ذمتها مما آل إليه المشهد البيئي في غليزان، وتقول: إن الحزام راح يضيق علينا، بعد أن مورست مختلف أنواع التضييق والرقابة عليها، انتهت بتوقيف عدة نشطاء، ما جعل عملية التحسيس تتراجع.
فيما يقول الأستاذ عدة فلاحي، ابن مدينة غليزان، وهو إطار سابق بوزارة الشؤون الدينية والأوقاف “إني تلقيت عدة شكاوي من طرف عدد من جمعيات المجتمع المدني، تتعلق بغياب الرعاية الصحية وحماية البيئة، بالنظر إلى النظافة التي أصبحت غائبة في الفضاءات العامة والأسواق والشوارع، وكذا إهمال الحركة الرياضية”، قبل أن يستطرد “إلى غاية اليوم السلطات في الولاية ليس لها أي اهتمام؛ لا بحماية البيئة ولا بالحركة الرياضية، مع العلم أن الوالي كان بوسعه إعطاء دعم للحركة الرياضية”.
مهددون.. والكل يتفرج
ويقدم عدة فلاحي نفسه شاهدا على ما يحدث يوميا في قلب المدينة، واصفا الأمر بـ “تجاوزات خطيرة”، قائلا “هناك سكر علني بالليل والنهار بقلب المدينة، نجم عنه إزعاج للمواطنين والظاهرة تتفشى من يوم إلى آخر.. والخطير في الأمر؛ هو أن السكان لما يحاولون تقديم شكاوي لمصالح الأمن، يتعرّضون إلى اعتداءات بالسيوف والخناجر”. لكن الشيء الذي لم تستسغه غالبية الناس هناك، يضيف؛ هو “مصالح الأمن لا تبدي أي صرامة أو جدية إزاء هؤلاء الأشخاص، بل هناك تراخٍ إزاء وضع حد للظاهرة”.
واللافت في الأمر؛ أن السلوكيات تلك، حسب المتحدث، تتم على مقربة من المسجد الكبير، ولو أن السؤال يبقى مطروحا بشأن عدم التفات القائمين على تسيير المؤسسة الدينية من حولهم لتدارس والتحسيس بخطر ذلك على أمن وسلامة المواطنين. وعلى هذا الأساس، يوجه نداء للسلطات العمومية للتدخل لوضع حد لتلك السلوكيات المزعجة.
وإلى ذلك، تفيد روايات أخرى بأن غليزان أرض باتت تتقاطع فوقها ظواهر سرقة المنازل وبيع المخدرات، مع ممارسة الشعوذة والرذيلة في غمرة توارد بعض الأصداء التي تقول إن الفقر يعسكر بقلب المدينة.
حارس وحاجب وسائق بدل فلاح
ما عرفناه في غليزان، أن شباب المنطقة له ذهنية خاصة، ذهنية التكبر على الشغل، لأن الزائر لغليزان بوسعه أن يقف على آلاف الهكتارات من الأراضي الخصبة الممتدة على مد البصر. لكن هذا القطاع الاستراتيجي الذي تراهن عليه الدولة الجزائرية للخروج من التبعية للريع البترولي، ما يزال إلى غاية اليوم غير قادر على استقطاب شريحة الشباب إليه، ما يطرح بالتالي تساؤلات أخرى عن الجهة التي تتحمّل المسؤولية في جانب عدم القدرة على تحسيس هذه الشريحة للالتحاق بالفلاحة، لأن الرهان على الخروج من التبعية للريع البترولي يمر أيضا عبر تسجيل قطيعة مع منطق الشعبوية، ما يعني أن رؤساء المجالس الشعبية البلدية والولاة ورؤساء الدوائر وباقي الإطارات، يتحمّلون جزءا من المسؤولية إزاء الوضع السائد، الذي مازال فيه الشباب يرفض خدمة الأرض.
وتفيد بعض الوثائق بأنه تم استصلاح بين 85 في المائة من الأراضي الفلاحية خلال المرحلة الاستعمارية الممتدة بين 1871 و1956، وأطلقت الإدارة الاستعمارية اسم “كاليفورنيا الجزائر” على غليزان انطلاقا من خصوبة أراضيها.إذ وعلى الرغم من أن القائمين على تسيير قطاع التشغيل في غليزان، ينسقون في إطار (آليتي التشغيل)، الصندوق الوطني للتأمين على البطالة، والوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب، لمنح شهادات تأهيل للشباب في قطاع الفلاحة، بحكم الاتفاقية المبرمة بين مديرية المصالح الفلاحية ومديرية التكوين المهني، لمساعدتهم على الاستثمار، خصوصا أن الوكالة الولائية لدعم تشغيل الشباب أقرت تسهيلات في هذا المجال، تقضي بأن يحوز الشاب المستثمر على 3 هكتارات من الأراضي فقط بدل 5 هكتارات ليحوز على القرض، إلا أن عملية الإقبال لازالت ضعيفة جدا.
وكان رئيس مصلحة التشغيل بالولاية صرح لـ“الخبر”، أن “مدير الوكالة الولائية للتشغيل لديه عروض عمل في الفلاحة لم تلب إلى غاية اليوم، لذلك فإن عزوف الشباب عن الاشتغال في ميدان الفلاحة، يعود إلى كونهم يفضلون مهن، حارس، حاجب وسائق”.
وما لاحظناه أن هذا العزوف لا يقتصر على شباب المدينة؛ بل يطال حتى شباب البلديات النائية. والظاهرة لا تقتصر على مجال الفلاحة، بقدر ما تنسحب أيضا على قطاع البناء، في غمرة روايات بعض المقاولين ممن يعترفون بندرة اليد العاملة، لأن الشباب يعتبرها مهنة شاقة. لكن المفارقة التي يمكن أن تقف عليها إذا زرت واد رهيو، جديوية، عين طارق، مازونة وغيرها؛ هي أن الحشود الشبانية تنفر من خدمة الأرض باتجاه قلب المدن لبيع الشيفون والالتحاق بمهنة “كلوندستان”، بل وحيثما وليت وجهك لن ترى إلا تجمعات مثل خلايا النحل في المقاهي “لقتل الوقت”.
استياء...
وموازاة مع ذلك، لا يتردد سكان في وضع غالبية المسؤولين في غليزان موضع العاجز عن تسيير الشأن العام، وعلى رأسهم الوالي السابق، ويقولون إن هناك تراجعا للتنمية “هناك تراجع كبير للتنمية مند مجيء الوالي الذي كان في عين الدفلى.. لقد غابت القدرة على التسيير، بل وحتى عندما كان في هذه الولاية لقي احتجاجات معارضة من قبل السكان”. ولعل عدم الرضى هذا، يعود إلى عدة اعتبارات استنادا لبعض العارفين بخبايا المنطقة، بينها المماطلة في الرد على انشغالات السكان في جوانب السكن، ولاسيما بعد أن توقفت عملية دعم سكان البلديات النائية بالسكن الريفي، لأسباب قد تعود إلى سياسة التقشف التي أقرتها الحكومة، زيادة على غياب التغطية والرعاية الصحية ببعض البلديات، وافتقادها لمرافق رياضية وترفيهية وثقافية.
بل وإلى ذلك، يجمع الصغير والكبير في الشوارع والمقاهي والفضاءات العامة، على أن غليزان مصنفة ضمن أفقر الولايات في الجزائر، والمسؤول القادم إليها يزداد غنى على حساب أبناء المنطقة.. وكل شيء يسير وفق قاعدة الأولوية للبراني على الغليزاني.
تسرب رهيب
ولعل الارتفاع الرهيب لمعدل التسرب المدرسي بغليزان عبر الأطوار التربوية الثلاثة، الذي وصل إلى 30 في المائة في الطور الثانوي، قاد وزيرة التربية عند زيارتها للولاية، إلى تقديم توجيهات للمفتشين والمديرين للتنسيق فيما بينهم قصد الوقوف على الأوضاع الاجتماعية للتلاميذ، وهذا مؤشر واضح على تدني المستويات المعيشية للناس، الناجم عن لامبالاة المسؤولين إزاء التنمية.
معاناة في الشريط الجنوبي
والزائر للشريط الجنوبي للولاية، المشكل من بلديات سوق الحد، حد الشكالة، الرمكة، عمي موسى، عين طارق ومنطقة مصمود.. القريبة من جبال الونشريس، يقف على أحزمة الفقر، فهو شريط ارتكبت به أكبر المجازر في تاريخ الجزائر، ينتظر سكانه المغلوبون على أمرهم ممن عادوا إلى القرى والمداشر المعزولة، التفاتة من السلطات بشق مزيد من الطرقات وإنجاز مدارس.. ويقول بعض من عادوا إلى قراهم بالمسايسية، المعابيد، أولا د منتيلة.. التابعة لبلدية عمي موسى، ممن التقينا بهم في واد رهيو “نحن ننتظر من الدولة أن تدعمنا بالكهرباء والبناء الريفي..”.
وإن كان هؤلاء من يفضلون العودة إلى قراهم، بعد أن استتب الأمن والاستقرار؛ فلأن الظروف الاجتماعية راحت تضغط بثقلها عليهم، لذلك يفضلون العودة إلى نشاطهم الفلاحي المعيشي، بحسب ما يقول سكان تلك المناطق، فإن غالبية الفارين من جحيم الإرهاب ببلديات سوق الحد وحد الشكالة، الرمكة، مصمود وغيرها، لا تحركهم اليوم أي إرادة في العودة، وذلك بعد أن اكتشفوا الحياة السهلة في المدينة، حيث المدرسة وروضات الأطفال ومراكز التسوق والمخابز والمطاعم والحمام وغيرها، “على الرغم من أن الدولة التفتت من حولها خلال السنوات الأخيرة لإعادة تثبيت السكان النازحين في قراهم ومداشرهم الأصلية، بتقديم إعانات السكن الريفي وشق الطرقات وتوفير الكهرباء وبناء المدارس، إلا أن هؤلاء ظلوا غير متحمسين للعودة”، يقول رئيس بلدية عمي موسى”.
فشل في توطين النازحين
لكن مقابل القناعة التي يحرص كثير من المنتخبين والمسؤولين على تكريسها في ذهنية عامة الناس، بأن النازحين يرفضون العودة إلى مناطقهم الأصلية، ينتج الرأي العام المحلي على مستوى مناطق الشريط الجنوبي للولاية خطابا مغايرا، مفاده أن المسؤولين فشلوا في سياسة تشجيع النازحين على الالتحاق بقراهم ومداشرهم. ويقول مصطفى، أحد الفارين من الإرهاب ببلدية سوق الحد باتجاه واد رهيو خلال العشرية الحمراء “قدمت ملفا للحصول على دعم خاص بالسكن الريفي منذ مدة بسوق الحد، وإلى غاية اليوم لم يتم استدعائي”. فيما يشير آخرون إلى وجود لامبالاة وتماطل في إيصال الكهرباء وتوفير بعض المرافق بكثير من المداشر في حد الشكالة، الرمكة، سوق الحد وغيرها، وذلك بعد أن تم التوقف منذ مدة عن تقديم الدعم الخاص بالبناء الريفي، ما يطرح بالتالي تساؤلا آخر عما إذا كان ذلك ناجم عن الاستجابة لسياسة التقشف التي أقرتها الحكومة، أم أن توقيف هذا الدعم تدخلت فيه اعتبارات تماطل المنتخبين المحليين والإدارة بشكل عام، خصوصا وأن بعض المتابعين للتنمية المحلية في الولاية يقولون “إن غالبية المنتخبين المحليين لا يتمتعون بوعي سياسي كاف، يؤهلهم لتسيير الشأن العام بالنظر لمستوياتهم الثقافية الضعيفة”، فيما يقول آخرون “إن المسؤولين في غليزان، بينهم المنتخبون، يخشون مواجهة كبار المسؤولين..”. ن. س

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول