اعمر الزاهي...شامخ حتى في المرض

ثقافة
23 نوفمبر 2016 () - محمد علال
0 قراءة
+ -

منذ أن شاع خبر سوء حالته الصحية، لم تهدأ الحركة على سلالم العمارة المتواضعة التي يسكن فيها شيخ الأغنية الشعبية بحي باب الواد في العاصمة، فقد تحول البيت إلى محج للصحافة وعشاق الفنان الذي لم يسكن الفيلات ولا القصور، ولكنه استقر في قلوب الشعب وحجز له زاوية مهمة في ذكريات المواطنين البسطاء.

انتقلت "الخبر" إلى بيت اعمر الزاهي بحي "الرونفالي" ببلدية باب الواد، في محاولة "يائسة" للقائه أو أخذ تصريحات من المقربين منه حول خبر تكفل الدولة بعلاجه في الخارج، غير أن جميع محاولاتنا باءت بالفشل، وهو ما كان على لسان كل جيرانه الذين أكدوا أن صاحب رائعة "يا العذراء" غناها عام 1968 يرفض رفضا قاطعا أضواء الصحافة، فتقريبا لم يجر اعمر الزاهي أي حوار أو لقاء منذ أزيد من ثلاثين عاما، وكان آخر مرة وافق فيها أن يدخل الإعلام إلى بيته سنوات الثمانينات، ومنذ ذلك اليوم لم يعد نسمع تصريحا أو لقاء لـ"اعمر الزاهي"، كما يقول أحد جيرانه الذي كبر معه في نفس العمارة "من المستحيل أن تدخل الصحافة إلى بيت اعمر الزاهي"، قال هذا الجار تلك الكلمات وقد ارتسمت ابتسامة "ساخرة" على وجهه ونحن نسأله عن إمكانية أن يساعدنا في أخذ تصريح من هذا الفنان العنيد. وأضاف: "عاش زاهدا في الشهرة والمال والأضواء"، وهو ما تعكسه الحالة التي ظهر بها في تلك الصورة التي جمعته مع وزير الثقافة، وملامح البيت المنهك بمتاعب الحياة، ورغم ذلك أبى إلا أن يستضيف اعمر الزاهي لمدة حوالي عشرين عاما.

لامسنا خلال هذه الجولة البسيطة بعض ملامح حياة الفنان اعمر الزاهي، ففي هذا المجد الفني لايزال الشيخ "أسير الفقر"، في بيت تحاصره الرطوبة والغبار والتعب. هذا النجم الذي ارتبط اسمه بأجمل ذكريات المئات من العائلات الجزائرية، عاش حوالي ربع قرن في منزل صديقه جمال الذي قرّر التكفل به رغم ضيق الحال، إلا أن القلب ورحابة الصدر كانا أكبر من البيت الذي بدا كأنه كوخ صغير يستضيف عملاقا كبيرا ويحسن الوفاء لرفقاء درب اعمر الزاهي، آلتي القيثارة والمندول اللتين تشكلان عائلة الفنان الذي عزف حياته على ألحان العزوبية.

هكذا باءت جميع محاولات الصحافة وعشاق اعمر الزاهي في لقائه أو السلام عليه أو التقاط صورة معه، خصوصا بعدما ساءت حالته الصحية منذ حوالي ثلاثة أشهر، ولم يعد يقدر على الحركة، وحتى ذلك الكرسي الصغير الذي كان يجلس عليه اعمر الزاهي مقابل حديقة الحي لم يعد يستطيع الوصول إليه، لم يقدر على استنشاق الهواء خارج البيت، ولا الاستمتاع بلحظات الدردشة والاستماع إلى أخبار كرة القدم تحديدا التي كبر على حبها، فقد أتعب المرض شيخ الفن الشعبي الجزائري وزاد من عزلته.

لا يوجد في هذا البيت بالطابق الثالث مصعد كهربائي، فقط سلالم خشبية بدأت تتآكل بفعل الزمن، ظلت تقود اعمر الزاهي طيلة العشرين سنة الأخيرة، صعودا ونزولا إلى عزلته وخلوته التي اختارها طواعية، ولا يعرف حتى الآن سبب رفض هذا الفنان للأضواء، وهو يعيش في قلوب الناس والمواطنين البسطاء. لم يحي أي حفلة عامة منذ عام 1987، كما قال عبد القادر بن دعماش لـ"الخبر" إن آخر حفلة أحياها اعمر الزاهي كانت في قاعة ابن خلدون العام 1987، ومنذ ذلك اليوم لم يلتفت اعمر الزاهي إلى عشرات الطلبات لإحياء الحفلات واكتفى بإحياء ليالي الأعراس. أتعب الفنان الذي ألهم مئات الشباب من عشاق الأغنية الشعبية هواتف المسؤولين ومنظمي الحفلات الذين كانوا يترجون عودته إلى منصة قاعة ابن خلدون أو ابن زيدون وغيرها من القاعات التي تحتضن حفلات أغنية الشعبي. ورغم غيابه عن الحفلات الكبرى، إلا أنه لم يتوقف عن العطاء.

ولد الشيخ اعمر الزاهي في الفاتح جانفي سنة1941 بعين الحمام ولاية تيزي وزو، وقد قادت الأقدار عائلته نحو الاستقرار في الجزائر العاصمة، لتبدأ رحلته مع أغنية الشعبي، حيث وقع في عشق الموسيقى وهو صغير وتعلم أبجديات الفن، وجمع في مسيرته لقاء عمالقة الفن، خصوصا مع الشاعر والفنان الراحل محبوب باتي الذي قدمه بقوة إلى الجمهور الكبير، فكانت مسيرة حافلة بالفن والإبداع. استقر يناجي "يا رب العباد"، ووقف عام 1968 في محكمة العشاق وغنى "يا قاضي ناس الغرام" العام 1968.

في نفس السياق

اعمر الزاهي..الليلة الأخيرة في "رونفالي"
جنازة اعمر الزاهي بالصور
الوداع الأخير للشيخ اعمر الزاهي (فيديو)
فنانو الشعبي يحيون ذكرى إنسان "استثنائي"
كلمات دلالية:
الزاهي

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول