الزاهي كما عرفته

ثقافة
23 نوفمبر 2016 () - فوزي سعد الله / كاتب صحفي
0 قراءة
+ -

اعمر الزاهي بالنسبة لي منذ أن كنت طفلا أكثر من فنان لامع يغني هذا النوع الموسيقي الحضري المنبثق من التراث الغنائي الأندلسي الذي نسميه "الشعبي"، لأنه يغلب وجهه الآخر؛ وجه الإنسان الطيب والخيِّر، الرحيم بالفقراء الذي يقاسم محيطه الاجتماعي همومه، ويعمل ما يستطيع من أجل التخفيف عنه متاعبه.

اعمر الزاهي أكبر من أن يكون مجرد فنان يجري وراء الكسب المادي، لقد غنى لليتامى مجانا احتفالا بختانهم، وغنى أيضا دون مقابل في حفلات زواج أناس متواضعي الحال لإضفاء أجواء بهجة وفرح على العرس تضامنا معهم، بل تجاوز الغناء التطوعي إلى الغناء وتقديم المساعدات المالية معًا للمحتاجين، حيث يُغني ويَدفَع ولا يُدفَع له، ويُسعِده ذلك.

في الوقت ذاته، كان دائما ابن بيئته الاجتماعية، وفيا لها، يخفق قلبه لكل ما يمسها، يفرح لفرحها ويحزن ويصمت لحزنها. اعمر الزاهي غنى في سوسطارة دون مقابل بمعية عبد القادر شاعو وبوعلام رحمة لمحبي فريق "اتحاد الجزائر" لكرة القدم، عندما نال هذا الفريق العريق كأس الجزائر لأول مرة سنة 1981، وكان ذلك إن لم تخن الذاكرة في سهرة رمضانية استثنائية في ذاكرة الحي والقصبة برمتها وذاكرة أنصار الفريق. ومازلت أتذكر أنه غنى قصيدة "الصلاة والسلام على إمام المرسال.. سيدنا محمد ربحي وراس مالي" التي تؤدَّى في صيغة "بيت وصياح" والتي كانت بعباراتها ونغماتها تتدفق من حنجرته المتميزة، ومن أعماقه بشكل لا يقدر عليه الكثير من أهل هذا الفن، وكان الناس، بمن فيهم أنصار الفريق المتوَّج، ينصتون إليه فيصمت أقرب إلى الخشوع وكأنهم داخل معبد.

واعمر الزاهي ذاته، عندما غرقت البلاد في العنف خلال تراجيديا التسعينيات الماضية، اختار التوقف عن الغناء، لأنه اعتبر حينها أن الوقت لم يكن وقت غناء، رغم أن الأمر كان يتعلق برزقه.

رجل بسيط، متواضع، عظيم أخلاقيا، جريء فنيا، أصيل ثقافيا، زاهد روحيا واجتماعيا. صدقوني، لا نحظى بفنان من هذا النوع في كل يوم وكل سنة، إنه حالة نادرة وثمينة جديرة بالرعاية والكرم على قدر كرمه وتفانيه في رعاية من احتاجوا ذات يوم إلى رعايته. شفاه الله.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول