العنف ضدّ المرأة في المجتمعات الإسلامية

اسلاميات
27 نوفمبر 2016 () - د. عبد الحق حميش*
0 قراءة
+ -

إنّ المتمعّن في إحصاءات موضوع العنف ضدّ المرأة في العالم، يرى أنّ العنف الوارد على النّساء لا يختص على فئة معيّنة أو ثقافة خاصة أو جنس محدّد، وإنّما يشمل كافة الثقافات والدول المتقدمة منها أو ما تسمّى بالدول النامية أو دول العالم الثالث.

 

العنف يعني الأخذ بالشدّة والقوّة، أو هو سلوك أو فعل يتّسم بالعدوانية يصدر عن طرف بهدف استغلال وإخضاع طرف آخر في إطار علاقة قوّة غير متكافئة، ممّا يتسبّب في إحداث أضرار مادية أو معنوية أو نفسية.. وحسب هذا التّعريف، فإنّ العنف يشمل السبّ والشّتم والضّرب والقتل والاعتداء..
وإنّ هناك أسباب متنوّعة للعنف الحاصل ضدّ المرأة، وتعتبر المرأة نفسها هي أحد أهم العوامل الرئيسية لبعض أنواع العنف والاضطهاد، وذلك لتقبّلها له واعتبار التّسامح والخضوع أو السّكوت عليه كرد فعل لذلك، ممّا يجعل الآخر يأخذ في التّمادي والتّجرؤ أكثر فأكثر. فهناك الأسباب الثقافية، كالجهل وعدم معرفة كيفية التّعامل مع الآخر وعدم احترامه، وما يتمتع به من حقوق وواجبات تعتبر كعامل أساسي للعنف. وهذا الجهل قد يكون من الطّرفين المرأة والمُعنِّف لها، فجهل المرأة بحقوقها وواجباتها من طرف، وجهل الآخر بهذه الحقوق من طرف ثان، قد يؤدّي إلى التّجاوز وتعدّي الحدود.

 


وأسباب تربوية قد تكون أسُس التّربية العنيفة التي نشأ عليها الفرد هي التي تولّد لديه  العنف، إذ  تجعله ضحية له، حيث تشكّل لديه شخصية ضعيفة وتائهة وغير واثقة، وهذا ما يؤدّي إلى تغيير هذا الضعف في المستقبل بالعنف، بحيث يستقوي على الأضعف منه وهي المرأة، وكما هو المعروف أنّ العنف يولّد العنف. ولقد اعتنى الإسلام بحُقوق المرأة بصفتها شريكة للرّجل وصانعة للحضارات والأجيال، فهيَ أمّ وأخت وابنة وزوجة وعمّة وخالة، والمطّلع على وضع المرأة في الإسلام، يجد أنّه يُعنى بها منذ لحظة ولادتها وحتّى وفاتها، ففي الجاهليّة وقبلَ مجيء الإسلام كانَ العرب يدفنون الإناث وهُنَّ أحياء خشيةَ العار الذي قد تأتي بهِ البنت حينما تبلغ، فكانَ قتلها سُنّةً دارجةَ عندَ العرب قبلَ الإسلام، وهوَ ما سمّي بالوأد. فجاءَ الإسلامَ وبيّن فظاعة هذهِ الجريمة الّتي تُرتكب بحقّ الأنثى الّتي لا ذنبَ لها، قال تعالى: ”فَإِذَا الْمَوْؤُودَةِ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ”، ومِن الأدلّة على أهميّة المرأة وتجريم العُنف تِجاهها هوَ إعطاء المرأة في الإسلام المكانة الرّفيعة، فقد وصفَ الله الزّوجة بأنّها سببٌ لحُصول الهُدوء والسّعادة، ومصدر للطّمأنينة القلبيّة، قال الله تعالى: ”وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”، ونُلاحظ من خِلال الآيةِ الكريمة أنَّ الله تعالى قد بيّن أهميّة وجود الرّحمة والمودّة بينَ الزّوجين، وهيَ نقيض العُنف والأذَى وعدم الاحترام. وقد وردت آيات قرآنية وأحاديث نبويّة شريفة تَحُثّ على احترام المرأة وإكرامها وصون حقوقها بالكامل، وعدم خدش كرامتها بقول أو فعل أو الافتراء عليها. وتتضّح أيضًا معالم احترامِ المرأة وعدم العُنف إذا نظرنا إلى حياةِ النّبيّ عليهِ الصّلاةُ والسّلام مع نسائه، حيث نجد أنّهُ قد ضربَ أروعَ الأمثلة في فنّ التّعامل الرّاقي مع المرأة، والّذي سبقَ بهِ كُلّ دعاة الحضارة والتمدن، فقد كانَ عليهِ الصّلاةُ والسّلام يصفُ النّساء بالقوارير، وهي دليل الرّقّة والنّعومة عندَ المرأة، وهذا يدفع الرّجل للتّعامل معها برقّة حتّى لا تُكسَر ولا تُخدش. وكان يوصي بحُسن معاملة الأزواج لزوجاتهم بحيث تكون العلاقة بينهم علاقة مودّة ورحمة وليست علاقة استبداد وظلم، قال عليه الصّلاة والسّلام: ”خيرُكم خيرُكم لأهله وأنَا خيرُكم لأهلي”. ويُخطئ مَن يظنّ أنّ القِوامة على المرأة تعني انتقاص حقوقها وإهدار كرامتها وممارسة العنف ضدّها، فالقوامة في فلسفة الإسلام هي تكليف للرّجل بالقيام على شؤون النّساء ورعايتهنّ، ومبرّر هذا التّكليف ما يتّصِف به بعض الرّجال من صفات تؤهّلُهم للقيام بهذه المهمّة بالنّسبة إلى بعض النّساء، ولذلك فإنّ طاعة النّساء للرّجال إنّما تكون بمعنى التزام صاحب المصلحة برأي مَن يقوم على مصلحته، وهو أهل لها، لأنّ الإسلام قد جعل قوامة الرّجال في الأسرة قوامة رحيمة قائمة على المودّة والمحبّة والإرشاد، وقيّدَها بقيود كثيرة تحفظ للمرأة كرامتها وتصون حقوقها وتُحقِّق مصلحتها على خير وجه، فهي رعاية ومحبّة مخلصة وليست بسلطان مفروض، وهي تدبير وإرشاد وليست سيطرة واستبدادًا، وقد حرص الإسلام على أن يضعها في صورة تكفَل مصلحة الأسرة ومصلحة المرأة نفسها، ولذلك يخطئ بعض الأزواج الّذين يُطالبون زوجاتهم بالطّاعة العمياء ويعتدون عليهنّ بسبب ذلك.
وإذا كان أعداء الإسلام يثيرون الشّبُهات حول الإسلام وما ورد في القرآن من آيات حول ضرب المرأة وامتهان حقوقها سواء في الشّهادة أو الميراث أو غير ذلك. فقد فنَّد علماء الشّريعة هذه الشّبُهات وواجهوا هذه الأباطيل بالحُجَج والبراهين العقلية والعلمية الدّامغة.
وإنّ ضرب النّساء ومعاملتهن بعنف ليس من الإسلام أبدًا، وإنّما هو تصرّف من رجال لا يعرفون عن تعاليم الإسلام شيئًا، وإنّهم فقدوا الأخلاق الإسلامية وشوّهوا الإسلام بتصرّفاتهم الحمقاء. فالإسلام عندما شرع قوانينه وأحكامه انطلق من أنّ المؤمنين هم الّذين سيُطبّقون هذه الأحكام، المتميّزون بالوازع الدّيني والخوف من الله ومراقبته في السرّ والعلن والخُلُق القويم.. ألاَ فلنتّق الله في النّساء فإنّهنّ شقائق الرّجال. وكما جاء في الحديث: ”اتّقوا الله في النّساء”.

أستاذ بكلية الدراسات الإسلامية/ قطر*

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول