تونس تفتح ملف الذاكرة الدامية وسنوات الجمر

روبورتاجات
29 نوفمبر 2016 () - تونس: عثمان لحياني
0 قراءة
+ -

عندما تتوقف الكلمات عند الشفاه، وتذوب الحروف في اللسان، فثمة مشهد أكبر من أن يوصف، وصورة لا تحتمل الحروف والكلمات واللغات كلها، حينها يكون الصمت أكبر من الكلمات نفسها، وأصدق من أي حديث. كذلك كان المشهد في جلسات الاستماع العلنية لضحايا القمع والنظام البوليسي في عهد الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي في تونس.

قصص لا تصدق وحكايا لا تروى، وروايات عذاب لا تحتملها القلوب ولا تكفكف لها الأعين. كان بن علي يوزع "ظلمه" بالعدل، ويقص أظافر اليساريين والإسلاميين سواءً، ولم يكن اللون الوردي الذي اختاره نظام تحول السابع نوفمبر سوى رمز ملون بالدم والترهيب والقمع.

في 17 نوفمبر 2016 استمع العالم إلى ما لا تصدقه أذن، اختارت هيئة "الحقيقة والكرامة" المكلفة بتنفيذ برنامج العدالة الانتقالية في تونس، والتي تديرها المعارِضة السابقة لبن علي سهام بن سدرين، مقر نادي "عليسة" لكشف فضائح النظام السابق.. لم يكن اختيار المكان مجردا من خلفية، فقبل 2011 كانت ليلى بن علي زوجة الرئيس المخلوع تقيم حفلاتها الخاصة في هذا المكان، وتقفز فيه على واقع مؤلم ومغيب من الذاكرة اليومية للتونسيين حينها، كانت ليلى الطرابلسية تقيم ليالي ألف ليلة وليلة في هذا النادي وتتغنى بصخب، في الوقت نفسه الذي كان صخب التعذيب وآهات المعتقلين وصرخاتهم يدوي في الزنزانات. لم يكن صدفة اختيار هذا المكان من قبل الهيئة لإعادة النبش في الذاكرة، واسترجاع مشاهد وقصص مرعبة، محاكاة للتجربة الألمانية في محاكمة النازيين في مقراتهم.

لم تطو تونس صفحة الماضي الأليم دون تحقيق العدالة الانتقالية.. منذ ثورة 14 يناير 2011 وسقوط نظام بن علي، كان واضحا أن كومة من ملفات الاغتيالات السياسية والتصفية بسبب المواقف والآراء والتعذيب بسبب الانتماء السياسي والاعتقالات التعسفية بسبب حرية التعبير ستفتح مجددا، كانت منظمات المجتمع المدني والنشطاء الحقوقيين والقوى الثورية تبحث في الخيارات الكفيلة بإعادة الحقوق ومنع الإفلات من العقاب، وتحقيق العدالة وكشف الحقيقة على مرارتها، دون الوقوع في محظور الانتقام وتوريث الأحقاد، وتم التوصل إلى تأسيس هيئة "الحقيقة والكرامة" التي انبثقت عن الدستور التوافقي الذي صادق عليه المجلس التأسيسي، وكلف الدستور هذه الهيئة التي تتكون من 15 عضوا بالإشراف على مسار العدالة الانتقالية بمختلف مراحلها، ومنحها الاستقلالية الإدارية والمالية تلافيا لأية ضغوط من الهيئات التنفيذية، فقد جمعت الهيئة حتى الآن 62 ألف ملف لضحايا الانتهاكات تم توثيقها والتحقق من صحة المعطيات المتعلقة بها، بينهم 36 ألف سجين سياسي كانوا يرزحون تحت القمع في سجون بن علي، و6 آلاف ضحية للإقامة الجبرية وحرية التنقل، و6 آلاف شخص تحت الرقابة القضائية، و13 ألف ضحية الاعتقالات التعسفية، و9 آلاف شخص من ضحايا الاعتداءات الجسدية، و10 آلاف من ضحايا التعذيب، و194 حالة اختفاء قسري من المفقودين، و61 إعداما غير قانوني، و603 حالة تصفية جسدية، و11 ألف ضحية لحرية التعبير، وما يقارب 5 آلاف شخص من ضحايا قمع النشاط السلمي المدني، وألف شخص كانوا ضحية اللباس، خاصة النساء المحجبات اللواتي كن ممنوعات في عهد بن علي، إضافة إلى ألف شخص تمت ملاحقتهم وتهجيرهم من البلاد بسبب الانتماء السياسي أو الاعتراض على توجهات النظام البائد.

 

بسمة.. امرأة في جحيم بن علي

حينما انتهت بسمة بلعلى من شهادتها المؤلمة عن جحيم السجون الذي عاشته، وعن أشكال وأنواع من العذابات قاستها في زنزانات بن علي، لم يكن أحد من الحاضرين في جلسات الاستماع قادرا على وقف دموع لم تكن تسأل صاحبها كي تنزل من الجفون، حتى الآن ما زال صدى كلمات بسمة في أذهان التونسيين جميعهم "ماذا بقي لي لكي أحلم؟". كانت بسمة في ريعان شبابها عندما انضمت إلى حركة الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة لاحقا) بعد انقلاب زين العابدين بن علي على نظام بورقيبة في نوفمبر 1987، وإعلانه في 7 نوفمبر 1987 رغبته في بدء مرحلة جديدة من الانفتاح وتكريس التعددية الحزبية وإصدار عفو رئاسي عن العديد من المساجين السياسيين، دفع هذا الوضع الجديد بعدد من الأحزاب والتيارات السياسية إلى الخروج من السرية، كانت بسمة بلعلى تنشط في المجال الخيري والاجتماعي عندما أوقفت للمرة الأولى في خريف 1987، حيث تمت مداهمة منزل عائلتها بسبب نشاطها. وفي عام 1991 باتت ككثير من مناضلي حركة النهضة مطلوبة للأمن، فاختفت في العاصمة تونس لمدة 10 أشهر، كان البوليس السياسي يداهم المنزل ويعتقل أفراد عائلتها وشقيقتها ويهدد باغتصابها، ما دفعها إلى تسليم نفسها للبوليس، لكن الجحيم كان في انتظارها، في مركز للأمن بنابل تعرضت بسيمة بلعلى للتعذيب القاسي والإهانة والتحرش والتهديد بالاغتصاب لمدة شهرين، قبل أن يتم سجنها لمدة 7 أشهر بتهمة الانتماء لحزب غير معترف به وتوزيع مناشير. وفي 1995 تعرضت للضرب والتعذيب ما أدى إلى إصابتها بنوبة هستيرية حادة فقدت إثرها النطق لمدة أسبوعين، ظلت بسمة تقول إن التعذيب الذي شهدته في مركز للأمن بنابل لا يمكن أن يطيقه بشر، تؤكد أنها رأت بأم عينها الجحيم وقسوة الإنسان حين يفقد كل آدميته ويحرر شهواته الحيوانية، وتضيف أن الملاحقات البوليسية لم تدمر حياتها فقط، بل دمرت كل عائلتها وحرمتها من العيش الكريم، إذ لم يكن ممكنا لأي تونسي أن يقترب من عائلتها للزواج من بسمة أو شقيقتها، وتضيف "كنت شاهدة على تعذيب رشيد الشماخي أبرز ضحايا نظام بن علي، الذي وقع تعذيبه لمدة 3 أيام، كان أمامي عاريا إمعانا في إهانته وإهانتي، ويتم تعذيبه، وعندما طلب مني شربة ماء لم أستطع أن أناوله إياها".

بعد إطلاق سراحها خضعت للمراقبة الإدارية لمدة تجاوزت 10 سنوات، والحرمان من جواز السفر، ومن العمل، كما تعرضت كل عائلتها للتشريد والمنع من العمل، أصيبت والدتها بجلطة توفيت على إثرها نتيجة الضغوط البوليسية، فيما أصيب والدها هو الآخر بجلطة دماغية، وتوفي مباشرة بعد خروجها من السجن بيوم واحد، وتقول "لم أشبع من حضن أبي، يوم إطلاق سراحي طلب مني أن يحضنني، حضنته وكنت في تعب وإرهاق شديد بعد عذابات السجن، قلت له غدا سأنام في حضنك، لكنني لم أعرف أنني لن أنام في حضنه أبدا، كانت تلك ليلته الأخيرة على قيد الحياة".

 

الدجاجة المصلية وسوط الجلاد

في قصة تفوق التصور، قصة كمال المطماطي المعتقل السياسي الذي قتل تحت التعذيب في سجون بن علي، لكن عائلته لا تعلم حتى الآن مصيره وجثته. ألقيت جثة المطماطي في خرسانة إسمنت عند بناء أحد الجسور، لم يكن المطماطي المعتقل الوحيد الذي تخلص من زبانية التعذيب بطريقتهم، فقبله أُلقي عضو مجموعة شمس الموسيقية عامر الدقماش الذي اعتقل بسبب التوجهات الفنية لفرقته من أحد طوابق وزارة الدخلية، وزعم الجلادون أنه حاول الانتحار، رغم أنه كان مقيدا، كما ألقى الجلادون جثة نبيل بركاتي عند قناة لتصريف المياه في منطقة قعفور على أمل أن تنهي القناة ما بقي من جثته. لم يكن نبيل بركاتي، الطالب الجامعي في المدرسة الوطنية للمهندسين، سوى مناضل اقتنع بالأفكار اليسارية، شارك في انتفاضة الخبز في جانفي 1984، قبل أن ينتمي لاحقا إلى "حلقة الشيوعي" التي كانت نواة تأسيس حزب العمال. في أفريل 1987 اعتقل نبيل في منطقة قعفور حيث تم استنطاقه وتعذيبه، لم يصمد جسده النحيف أمام التعذيب، فتوفي بين يدي الزبانية، كان عليهم التخلص من جثته والزعم أنه فر من المركز ومعه مسدس، عثر على جثته في ماي 1987 داخل قناة لصرف المياه، وعليها آثار الرصاص، حاول الجلادون طمس معالم جريمتهم النكراء عبر حلق رأسه لئلا تظهر آثار نزع الشعر والرصاص، وحدث تواطؤ كبير بين البوليس وفريق الطب الشرعي لتغيير التقرير وإزالة كل ما يمكن أن يثبت وجود التعذيب، والزعم أن الوفاة كانت نتيجة انتحار من قبله برصاص مسدس سرقه من مركز الأمن حيث كان معتقلا وفر به.

لا تصدق مثل هذه القصص على عقل، فالتحقيقات التي أجريت بعد ثورة 2011 وانكشاف الغطاء السياسي الذي كان يحمي الجلادين أكد وجود تعذيب وتزوير في تقارير الطب الشرعي، وباتت المحكمة بصدد متابعة الملف مجددا وإحالة الجلادين وأعوانهم على المحاسبة، لكن ما يتوجب تصديقه قصة التعذيب والاغتيال التي تعرض لها المناضل السياسي رشيد الشماخي.

في أكتوبر 1991 اعتقل رشيد واقتيد إلى مركز للأمن،حيث أُجبر على نزع كل ملابسه وتعليقه في وضع الدجاجة المصلية، ويؤكد شقيقه أن اعترافات دلت أن أحد الأعوان كان يضرب رشيد على ركبتيه بعصا غليظة، ليتولى بعد الضرب إدخال تلك العصا في شرج الضحية، وقام آخر بجلب قضيب حديدي أولجه هناك وهم يسألونه عن مكان السلاح، ظل رشيد يتعرض للتعذيب لمدة 3 أيام ومُنع عنه الأكل والشرب، ويضيف شقيقه "كان أحد الأعوان يمسك في يده قطعة من الحديد وشد إلى طرفها خرقة سكب عليها مادة الإيتير، ويدخل تلك العصا في شرج الضحية ويخرجها تتقاطر بالدماء، بعدها أغمي عليه لفترة قبل أن يستفيق مجددا، ليسمح له بالتوجه إلى المرحاض، كانت تلك خطواته الأخيرة، نقل إثرها إلى المستشفى لصياغة تقرير طبي مزور جاء فيه أنه توفي بمرض البوصفير.

 

شركاء السجون والزنازين

في جلسات الاستماع العلنية لضحايا القمع في تونس التقى شركاء السجون والقهر، جلس رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي واسترجع مع المتحدثين من الضحايا مسارا طويلا وداميا من العذابات الأليمة التي أحاطت بمناضلي حركة الاتجاه الإسلامي والنهضة لاحقا، وقربه كان يجلس شريكه في العذابات وغريمه السياسي في الديمقراطية زعيم حزب العمال اليساري حمة الهمامي الذي لم تتوقف دموعه وهو يستمع إلى آلام عائلة الشهيد نبيل بركاتي وفيصل بركات وغيرهم ممن طالهم مسار التعذيب الذي تعرض له، قبل أن يرمى في طريق عام من قبل البوليس، ويستعيد في ذاكرته أياما من القهر قضاها في السجون وزنزانات الموت في وزارة الداخلية حتى يوم هروب بن علي.

وبين الغنوشي والهمامي، كان يجلس رجل ثالث لم يكن يفترض أن يكون هناك إلا إذا كان حضوره شجاعة سياسية واعتراف بالذنب.. كانت ملامح الخجل بادية على كمال مرجان آخر وزير خارجية لنظام بن علي، كمن يستفيق من غفوة مفاجئة، كان مرجان الوجه الوردي لنظام بن علي وعرّابه في الخارج، ومدير آلة التسويق الخارجي والدبلوماسي، والمدافع عنه في المحافل الدولية واجتماعات مجالس حقوق الإنسان الأممية، وبحكم منصبه كوزير للخارجية كان مصدرا للتقارير "الوردية" التي تزور حقائق الواقع، وتنبئ باحترام نظام بن علي لحقوق الإنسان التي لم يكن النظام البوليسي يعرف أيا من حروفها.

في غد 17 نوفمبر 2016 استفقنا على ذاكرة مؤلمة، استعدنا جراحات الماضي التي حاولت الدولة العميقة وبقايا إعلام بن علي التغطية عليها، أو الدفع إلى تجاوزها عرضا والإفلات من العقاب. في هذه الجلسات أنجزت تونس محطة هامة على طريق تحقيق العدالة، واستعادة الحق، والقطع مع عذابات الماضي، وفي هذه الجلسات كان الشعار الطاغي "أغفر ولا أنسى".

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول