ضحايا زيوت الأسكاريل .....الموت البطيء

قراءة

تحقيق ب. وسيم / 16 ديسمبر 2016 ()



توفي 14 عونا في السنوات الأخيرة كانوا ينتسبون للحرس البلدي بولاية الأغواط بأمراض سرطانية مختلفة ،أرجعها ذويهم إلى زيوت الأسكاريل، التي كانوا يحرسونها في سنوات الإرهاب ببرج نيلي شمال حاسي الرمل، وقائمة الضحايا مازالت مفتوحة، ومرشحة للإرتفاع لوجود 137 عون، عمل في هذا المستودع طيلة عدة سنوات،بعدما كشفت الفحوص الطبية الأخيرة عن إصابة 55 عاملا بأمراض سرطانية، مما جعل الضحايا يؤكدون أن "السلطات العمومية خدعتهم بالأمس وتناست وضعيتهم اليوم".

 

يقع مستودع برج نيلي على حافة الطريق الوطني رقم واحد بين الأغواط وغرداية، بالقرب من مدينة بليل الجديدة التابعة لبلدية حاسي الرمل، على بعد 80 كيلومتر جنوب مدينة الأغواط، أين أقدمت السلطات سنة 1985 على تخزين براميل زيوت الأسكاريل والمحولات الكهربائية التي تحوي هذه الزيوت السامة والخطيرة، وتكليف أعوان الحرس البلدي بحراستها دون إخبارهم بمخاطرها وتوفير الوسائل الوقائية لهم، حيث كان ست أعوان يحرسون هذا المكان بست بنادق صيد ،بينما يقوم أعوان الحرس البلدي بدوريات ليلية على هذا المستودع قبل الهجوم الإرهابي الذي شهده الطريق الوطني رقم واحد بجوار المستودع وإقرار السلطات تثبيت أعوان الحرس البلدي كحراس دائمين لهذا المستودع وهي مفارز بن ناصر بن شهرة وبليل وقصر الحيران وحاسي الدلاعة بمجموع 160 عون.

يمتد مستودع برج نيلي على مساحة هكتارين، وكان يضم المئات من البراميل والمحولات الكهربائية المنقولة من مختلف مناطق الوطن للتخلص منها ومن أضرارها إلى هذا المستودع الوطني الذي بات مقبرة لعزل هذه التجهيزات عن المحيط البشري، بعد حظر إستعمال هذه المحولات لكون الزيوت المستعملة فيها سامة وخطيرة، قبل أن تقرر وزارة البيئة سنة 2004 تدارك الوضع بعد شكاوي الجمعيات المحلية المهتمة بالبيئة وإكتشافها خطر هذه الزيوت وإشعاعاتها وضرورة تحويل هذا الخطر إلى وجهة أخرى.

براميل الموت هنا !

آثار هذه البراميل مازالت قائمة، وكذا بقايا الأتربة الملوثة والزيوت المتدفقة، نظرا للحجم الكبير من البراميل المخزنة طيلة سنوات، والتي تعرضت للتخريب لإستعمال حطبها في التدفئة من طرف الأعوان الحراس، لجهلهم بالخطر الذي كان بجوارهم، ومساهمتهم في مضاعفة آثاره بتصرفات كانوا يجهلون مخاطرها .

شهادات للمعاناة والتألم للمصير المجهول

أشار "ب. م" أحد ضحايا زيوت الأسكاريل أن منطقة برج نيلي متواجدة برواق مفتوح على هبوب الرياح والزوابع الرملية الهوجاء ،مما جعل الغازات السامة تنتقل من ألسنة النيران المشتعلة من حطب البراميل إلى كل عون متواجد بالمستودع كان لايحمل وسائل الوقاية والحماية لعدم تقديمها لهم أو حثهم لحملها والتنويه بالخطر الذي يجاورهم، والذي تفطنوا له بعد سنوات من أعوان سونطراك الذين أعلموهم بالخطر الذي حرسوه دون علمهم وعدم توفرهم على وسائل الوقاية . من جهته أكد السيد "ب.ط" عون للحرس البلدي عمل خلال سنوات الإرهاب في التسعينات في هذا المستودع قبل تسريحه أن ظروف العمل كانت بدائية والأعوان كانوا يجهلون خطر البراميل التي يحرسونها والتي تسببت في إشعاعات للكثير منهم باتوا يتحملون عواقبها وآثارها مع مرور السنين، مشيرا إلى تعرضهم مرتين لهجمة إرهابية سنة 1999 تمكنوا من التصدي لها بعد مشادات وإطلاق للنار.

ظروف عمل قاسية تحول المستودع إلى.. معتقل !

يعتبر أعوان الحرس البلدي الذين عملوا لسنوات في هذا المستودع، أن ظروف العمل كانت جد قاسية، في غياب الإنارة والتدفئة في فصل الشتاء، وغياب الأكل، بالإعتماد على إمكانياتهم لتوفيره وإقتنائه، وإنعدام وسيلة نقل أو علبة صيدلية للعلاج في حال أي خطر أو مرض، مشيرين أن مكان عملهم تحول إلى "معتقل"، خصوصا وأن العمال الذين كانوا يضعون ويخزنون الزيت لديهم لباس خاص يقومون بحرقه، بعد إنتهاء العمل ومغادرة المستودع، مما أدخل الشك في نفوسهم، لأن ثيابهم التي يلبسونها كانوا يعودون بها إلى منازلهم، دون أي مراقبة أو متابعة .

تشوهات جلدية وأمراض سرطانية تنهش الضحايا

أكد ضحايا زيوت الأسكاريل بولاية الأغواط أن أمراضا كثيرة باتت تصيبهم في السنوات الأخيرة بسبب هذه السموم التي إستنشقوا رائحتها أو لامسوها دون معرفة لأخطارها ،فأصبحوا يئنون من آلام في مختلف جهات جسمهم، وإلتهابات جلدية على أجسادهم، يزورون المستشفيات والعيادات الخاصة دون أن يدركوا حقيقة مرضهم وأصل السرطان الذي يفتك بهم الواحد تلو الآخر، لأن جميعهم باتت أعراض المرض تلاحقه من آلام في الرأس والقلب وإلتهابات جلدية ،وأمراض في الحساسية وحتى حرمان من الإنجاب في السنوات الأخيرة، ينتظر كل واحد منهم دوره لتسليم نفسه إلى بارئها بعدما تجاهلت السلطات وضعهم وإرتفع عدد الضحايا إلى 14 قتيلا لحد الآن .

حتى المواشي لم تسلم من خطر زيوت الأسكاريل

أشار الحاج " ب .ب" أحد موالي منطقة بليل بحاسي الرمل أن العديد من موالي المنطقة تكبدوا خسائر كبيرة إثر نفوق مواشيهم وجمالهم بسبب إستعمالهم للصهاريج والبراميل "المسمومة" التي كانت في هذا المستودع لشرب حيواناتهم، حيث إكتشفوا بعد فترة إنتفاخ بطن الشاة وسقوطها أرضا بعدما يسيل الدم من فمها ،ليتكبدوا خسائر في قطعانهم بعد أن فشل البياطرة في تحديد سبب الوفاة .وأضاف المتحدث أن أعوان الحرس البلدي سلموهم البراميل بحسن نية ظنا منهم أنها فضلات عادية يمكن إستعمالها في غياب توجيهات تمنعهم من ذلك ومخاطر تهدد إستخدامها .

المشطوبون عنوان معاناة أخرى

تفطن أعوان الحرس البلدي العاملين في مستودع برج نيلي إلى الخطر الذي يهددهم متأخرا خلال سنة 2001 من أعوان الحراسة لسونطراك، فقدموا تظلمات للمطالبة بوسائل الوقاية والحماية لأن الزيوت التي يحرسونها سامة وأخطار كبيرة تهدد من يلمسها أو يستنشقها ،وطالبوا بتحسين ظروف العمل البدائية وتوفير وسائل الوقاية والحماية، إلا أنهم تعرضوا للضغوطات والتهديد بالطرد خصوصا بعد إستتباب الأمن والطمأنينة بالمنطقة ،فأحيل بعضهم على لجنة التأديب دون علمهم وتم عزلهم وشطبهم من سلك الحرس البلدي ،بمجموع 45 مشطوب من أصل 137 عون عملوا بهذا المستودع السام، دون حقوق أو مستحقات أو تعويض لوضعهم الذي يزداد تدنيا من سنة إلى أخرى في غياب تكفل حقيقي وعدم الكشف عن تحاليل الدم بعدما إمتنع معهد باستور عن الإفراج عنها .

سنة 2012 بداية المطالبة بالحقوق الضائعة

لم يشعر ضحايا زيوت الأسكاريل بالأضرار إلا في سنة2012 بعد مرور 11 سنة على مغادرتهم لمستودع الموت، وإصابتهم بأمراض تنفسية وجلدية إستدعت دخولهم المستشفى والمكوث فيه لعدة أيام ،وإكتشاف أن زيت الأسكاريل الذي كانوا يحرسونه تسبب لهم في أمراض مزمنة حسب الأطباء الذين زاروهم وأكدوا لهم أن الداء عويص والعلاج منعدم بعد تكثيف التشخيص في جهات مختلفة، بعد أن دمر المرض حياتهم وبدأ قطار الموت في حصد أرواحهم، الأمر الذي جعلهم يراسلون السلطات للتكفل بحالاتهم وتنظيم أول وقفة إحتجاجية بالأغواط في الفاتح نوفمبر 2013 لإيصال صوتهم إلى الجهات المسؤولة وضرورة إيجاد حلول حقيقية لهم قبل أن يلفظ الجميع أنفاسهم في صمت.

إحتجاجات وطنية دورية لمساندة ضحايا الأسكاريل

بادر ممثلو أعوان الحرس البلدي من عدة ولايات يمثلون أغلب ولايات الوطن بتنظيم حركات إحتجاجية دورية بمدينة الأغواط للتضامن مع زملائهم بولاية الأغواط ضحايا الإشعاعات السامة الذين لم يدركوا لسنوات مخاطر البراميل التي كانوا يحرسونها .المحتجون طالبوا بإنصاف الضحايا وتوفير التغطية الصحية لهم وكذا التعويض المادي لأسر المتوفين ،مع فتح تحقيق حقيقي وشامل حول مخلفات زيوت الأسكاريل التي تريد السلطات دفنها مثل الزيوت المدفونة بعضها في المنطقة ،والتي يشك بعض المواطنين في كونها مصدر تزايد حالات الإصابة بالسرطان في هذه الولاية، مما إستدعى إنجاز مستشفى لأمراض السرطان بالمنطقة بسعة 140 سرير هو قيد الإنجاز من طرف مؤسسة كوسيدار بعاصمة الولاية .

قنوات أجنبية تريد تدويل القضية

إتصلت قنوات تلفزيونية أجنبية بضحايا زيوت الأسكاريل بولاية الأغواط من أجل عرض قضيتهم في الإعلام الأجنبي وطرحها في المحاكم الدولية، لكن الضحايا رفضوا الإقتراح لأنهم يعتبرون الجزائر فوق الرؤوس ولايمكن إعطاء فرصة للأجانب لإستغلالهم من أجل النيل ببلادنا ،رغم أنهم ضحايا لممارسات بعض المسؤولين الذين تلاعبوا بمستقبلهم وصحتهم .ويؤكد بعض الضحايا الذين إلتقيناهم أن الكثير منهم أبناء وأحفاد لشهداء ومجاهدين إختاروا الإلتحاق بهذه المهنة في سبيل الوطن والله ،وهم غير نادمين على تضحياتهم ونضالهم للحفاظ على مكتسبات الأمن، إلا أنه ماحز فيهم سقيهم بالسم وهم لا يشعرون، وهضم حقوقهم وأعز مايملكون صحتهم وحتى عائلاتهم بعدما حرم بعضهم من الإنجاب أو هلاك زوجاتهم بسبب المرض الخبيث .

مديرية البيئة تؤكد رفع الزيوت السامة

كشف مصدر مسؤول بمديرية البيئة لولاية الأغواط في تصريح لـ"الخبر" تكفل المديرية بهذا المشكل المطروح عليها وتقديم توصيات للسلطات المحلية لإنجاز بين سنتي 2001 و2004 أرضية بالخرسانة مع إنجاز جدار لهذا المستودع لحمايته، قبل أن تقوم وزارة البيئة في سنة 2004 بتكليف المؤسسة الفرنسية "كوفال" المختصة عالميا في القضاء على هذه الزيوت المحظورإستعمالها منذ سنة 1987 لرفعها من هذا المستودع ونقل 184 محول يضم زيوت الأسكاريل ،مع تنظيف المكان والموقع لتفادي أي أخطار مستقبلية .


عدد قراءات اليوم:



مساحة المشاركة من القراء




تحديث