بدو رحل يعيشون على "النخالة" ورضّع يموتون من البرد

قراءة

خليفة قعيد / 18 ديسمبر 2016 ()



لا يمكن أن يتصور أحد أن يجد مجموعات بشرية من البدو الرحل الجياع الفقراء في صحراء الجنوب الشرقي لولاية الوادي، مازالت تعيش بأطفالها ونسائها وشيوخها على هامش الحياة، يبيتون في العراء، يفترشون الأرض ويتلحفون السماء، ويقتاتون على "نخالة" المواشي حينما تنفد المئونة الشحيحة جدا، فتقلصت أوزانهم وقصرت أطوالهم جراء أمراض سوء التغذية، بل ومات بعضهم من البرد والمرض والجوع.

أضحى الكثير من البدو الرحل منذ سنين عديدة دون هدف ولا أمل لهم سوى خوض معركة الحياة من أجل البقاء في مشاهد إنسانية مزرية للغاية، بسبب حرمانهم من خيرات التنمية في زمن البحبوحة المالية حتى فاجأتهم جارفات التقشف، فدكّتهم دكّا، ويئسوا من السلطات أن تغير حياتهم نحو الأفضل، فاستسلموا لواقعهم المرير ينتظرون الفرج من الله، ويحلمون كل يوم بصدقات المحسنين والجمعيات الخيرية من مساعدات طبية وغذائية وكسوة لعلها تصبرهم على قسوة الحياة.

 

الجفاف يقضى الماشية والعراء يفتك بالبشر

 

طوال مدة السير عبر المسالك الرملية الوعرة والمتشعبة للعرق الشرقي الكبير باتجاه بعض مواقع المأساة الإنسانية للبدو الرحل، لم يكُفَّ الدليل كمال، السائق الذي خبر مسالك الصحراء، عن الحديث حول صعوبة حياة هؤلاء الناس الذين يعيشون تحت عتبة الفقر وطواهم الزمن فأضحوا نسيا منسيا، اللهم سوى بعض المساعدات الإنسانية والطبية التي تقوم بها بعض الجمعيات الخيرية. صراحة كنت لا أصدق كلامه كثيرا، وأعتقد أنه يبالغ في الوصف كي يدفعني لإيصال أوضاعهم المزرية للرأي العام وللجهات المركزية، حتى تتدخل لإخراجهم من أوضاعهم البائسة. ولكن اتضح أننا توغلنا أكثر في الصحراء والتقينا ببعض البدو الرحل، وجدنا المعاناة مطابقة للواقع بل أكثر.

في منطقة البرج، حوالي 80 كلم إلى الجنوب، توغلنا في المسالك الوعرة المحاطة بالكثبان الرملية الشاهقة للعرق الشرقي الكبير. كانت صورة الجفاف رهيبة للغاية. كان أول ما استقبلنا بعض النباتات مثل أشجار الأزال والعلندى القصيرة المتخشبة والعارية من أي أوراق خضراء بسبب موسم الشتاء، وما على البدو الرحل سوى الانتظار إلى موسم الربيع حتى تخضر هذه الأشجار وتورق فتحصِّل منها المواشي وخاصة الإبل بعض الكلأ، أما الأعشاب على بساط الأرض فمنعدمة تماما ولا يوجد فيها إلا الرمل، ومع ذلك فإن بعض الماشية وخاصة الماعز لا تكاد ترفع رأسها عن الأرض لعلها تعثر على ما تقتات به، وأحيانا "تربش" بأظلافها التربة الجافة كما يفعل الدجاج عادة، لتميط التراب عن نبتة شبه مدفونة تسرق من جذورها بعض الحياة.

يقول الموال عمي فرح "إنها موجة جفاف صعبة للغاية تضرب الجهة منذ سنوات عديدة، وأجبرت الكثير من العائلات البدوية الفقيرة على الهجرة نحو شمال الولاية في المناطق المتاخمة لولايتي تبسة وخنشلة بحثا عن المراعي، ومنهم من باع ماشيته وجاور قرية من القرى البعيدة هروبا بنفسه وبعائلته وأولاده من الموت جوعا وفقرا".

أما الأطفال والنساء فقد بدوا يتحركون كالأشباح قرب منازلهم التي هي عبارة عن زرائب وأعشاش منصوبة تتشكل من الحلفاء وبعض الحطب، ومدعومة بالأكياس الفارغة لأغذية الأنعام.

أول من التقيت به ورحب بي بشير (38 سنة) رب عائلة كثيرة العدد. سألته أليس لديكم خيم صوف تأوون إليها؟ أجاب وقد أطرق إلى الأرض حياء من وضعيته المزرية "الله غالب هكذا نعيش، وهذا هو بيتنا كما ترى، نفترش ونساؤنا وأطفالنا الرمل البارد في هذا الشتاء ونتغطى بفراش أو بطانية، والسقف هو السماء، فلا شيء يحمينا من الأعلى لعدم قدرتنا على توفير مبلغ خيمة صوف. وإذا السماء أمطرت في الليل، فنقضي كامل ليلتنا مستيقظين دون نوم، نرتجف من البرد بأطفالنا ونسائنا الحوامل والرضع وشيوخنا ومرضانا، أما إذا تهاطلت الأمطار في النهار فإن وقعها أخف علينا لكوننا نتحرك من مكان إلى آخر".

 

انتشار أمراض سوء التغذية

 

بعد بضعة كيلومترات من السير في المسالك الرملية، وصلنا إلى منطقة المعظمة. أطلّت بعض الزرائب، كان الوقت ضحى، وكانت بعض النسوة مع أطفالهن جالسات يتحدثن في حلقات فوق مرتفعات الكثبان، وما إن رأين السيارة وسمعن أزيزها وهي تلتهم الرمال في طريقها باتجاههن حتى أسرعن في لملمة حوائجهن وفررن بأطفالهن واحتمين داخل الزرائب خوفا منا باعتبارنا غرباء ولا يعرفن مرادنا من الزيارة، ثم شرعن يرقبن السيارة من بعيد حتى اقتربنا منهن.

نزلت من السيارة وتبادلت التحية مع بعضهن فارتحن لي ثم سألتهن عن رب الأسرة ، فأجبن بأنه ذهب يرعى مواشيه. وهنا سألت صاحبة الزريبة ماذا أكلت في فطور الصباح؟ فخفضت رأسها وقالت "لا شيء، أحيانا نفطر بالشاي وحده إذا توفر، وعند الغداء والعشاء نحضر خبزة ملّة من مطحون الدقيق ندفنها في رماد النار الساخن حتى تطهى ونتقاسمها جميعا". ثم أضافت "وعندما لا نجد شيئا نستنجد بنخالة الأغنام".. كان مشهد بعض أطفالها المصابين بأمراض سوء التغذية يدعو إلى الشفقة والبكاء، ويعيد إلى الأذهان صور المجاعة الشديدة في بعض بلدان الساحل الإفريقي.

أرتني مسعودة صاحبة زريبة أخرى، وكلها ألم وحزن، طفلَيها عبد المجيد (6سنوات) وسالمة ذات (4 سنوات) اللذين لا يقويان على الحركة بسبب المرض والجوع الشديد، فجسماهما مصابان بالهزال الشديد، ضخامة في الرأس قياسا ببقية الجسم وقصر في القامة وضعف في الوزن مقارنة بالقامة والوزن الافتراضيين ما يدل على أنهما مصابان بأمراض سوء التغذية، حسب ما ذكره لي طبيب العظام محلو جمال الدين الذي كان رفقة وفد طبي عاين في نفس اليوم بعض عائلات البدو الرحل ضمن القافلة الطبية لجمعية تاج الصحة بقمار، ومنها هذه العائلة، وأكد بأن "هذين الطفلين مصابان بأمراض ضعف المناعة وسوء التغذية لنقص بروتين كلوريك، وهو ما يدل عليه تخلف الوزن وتأخر طول القامة وفقر الدم وغيرها من الأمراض، لذلك يظهر الرأس كبيرا مقارنة ببقية الجسم"، وأضاف "لقد وجدنا مثل هذه الحالات لدى عدة أطفال أقل من 15 سنة وأيضا لدى عدد من الكبار نساءً ورجالا".

 

الخيمة لصغار الماعز ونحن نبيت في العراء!

 

واصلنا السير نحو بير العرق، بعد حوالي 10 كيلومترات حللت بإحدى الزرائب، لأول مرة لاحظت خيمة متواضعة منسوجة من الصوف. قلت لعمي بريك رب الأسرة الذي بدا لي في الأربعينات من عمره، لأنه لم يعرف سنّه بالضبط، "الحمد لله لديكم خيمة تأوون إليها مع أطفالكم هي أفضل من المبيت في العراء!"، فضحك وقال "إنها للجديان الصغار والماعز والأغنام المريضة، نحميها من البرد والأمطار حتى لا تهلك"، ثم تمتم كمن يريد التوضيح أكثر "الماشية لها أولوية المبيت في الخيمة لأننا نخشى هلاكها، أما نحن وأطفالنا فقد تكيفنا مع الوضع، وليس لنا إلا الصبر على المبيت في العراء".

غير بعيد عن هذا المكان، توجهت إلى بيت من القش والحلفاء وأكياس أعلاف الماشية، سألت محمد (30 سنة) ويبدو ضعيف البنية قصير القامة، ويكاد يكون في مثل بِنية ابنه علي، 16 سنة كما يعتقد، ربما قصر قامة الوالد وضعف الوزن يعود إلى سوء التغذية. وجهت له سؤالا مستفزا أليس بإمكانكم توفير اللحوم من مواشيكم لاستهلاكها للتخفيف من الجوع؟ فأجاب "نحن فقراء جدا، عندما نشعر بالموت يقترب منا بسبب الجوع نبيع بعض رؤوس الماشية ونشتري بثمنها بعض الدقيق والزيت والسكر والشاي وشيء من الخضر، وهكذا على الدوام. أما العيش على اللحم فمعناه القضاء على مصدر رزقنا أمام حالة الجفاف الرهيبة التي تجتاح الصحراء منذ سنوات. إن أكثر البدو الرحل الفقراء أمثالنا لا يتذوقون اللحم سوى في عيد الأضحى أو بعض المناسبات الأخرى القليلة مثل الختان أو الزفاف.. أحيانا نضطر لبيع بعض مواشينا لشراء الأعلاف، من أجل أن تعيش بقية المواشي ولا تموت بسبب انعدام الكلأ جراء الجفاف الطاحن، كما نلجأ لاستهلاك النخالة الموجهة للمواشي لنعوض بها المئونة الغذائية التي تنفد"، ثم أكد "تُبعث فينا الحياة من جديد عندما تزورنا قوافل الإغاثة الخيرية بما تحمله إلينا من دواء وغذاء وكساء"، فسألته هل يمرّ عليكم المهربون؟ فأجاب "نحن لا نفرق بين أحد منهم.. من يمنحنا الغذاء والدواء والكساء ندعو الله له بالخير ولا نسأل من هو ولا من أين جاء ولا عن اتجاهه".

 

النساء يلدن بمفردهن على الطريقة البدائية

 

مررت بمناطق بدوية عديدة منسية مترامية الأطراف على مساحة نحو 300 كلم مربع، كان يتواجد في كل عائلة مررت بها تقريبا مريض أو أكثر، وخاصة الأطفال الرضع والنساء الحوامل. في منطقة شعالة البرق وجدت شابة حاملا شاحبة الوجه، كانت تلهث لكونها كانت تلاحق بعض العنزات لتعيدها إلى القطيع.. سألتها عن عمرها فلم تعرف، ثم عن عمر حملها فلم تعرف أيضا، ولكن عجوزا بجانبها قالت لي أظن أن عمر حملها 3 أو 4 أشهر، فسألتُ العجوز كيف تلد النساء هنا في هذه الظروف القاسية؟ فقالت "كما ترى هناك زريبة فارغة مفتوحة على السماء، تدخل إليها الحامل وتضع مولودها بمفردها، فإذا ماتت أو مات وليدها دفناه ودفناها وارتحلنا إلى مكان آخر حتى لا نتذكر المأساة، فمن الصعب جدا استقدام قابلة تقليدية من مسافات بعيدة خاصة إذا كانت الحالة حرجة". ثم أضافت "كنا نتواجد قبل شهرين في منطقة بأقصى الجنوب، ولكن الجفاف قضى علينا وعلى ماشيتنا فجئنا إلى هذا المكان بعد أن قطعنا نحو شهرين مشيا على الأقدام ومعنا أطفال مرضى وحوامل وشيوخ".

وبخصوص مشاكل المرأة الحامل لدى البدو الرحل، أوضحت لي الطبيبة العامة بيات وهيبة التي التقيتها هناك ضمن الوفد الطبي لجمعية تاج الصحة بقمار، بأن "المرأة الحامل هنـا تلد ولادة ذاتية وبدائية بسبب انعدام المساعدة والمكان المناسب للولادة، لذلك فإن المولود وأمه في خطر كبير، كما لا يوجد فحص دوري للحامل كل 3 أشهر"، كما أكدت بأنها لاحظت الانعدام الكلي لعمليات التلقيح، حيث وجدت أطفالا وفتيانا كبارا في السن دون أي تلقيح.

 

الأمية والجهل ضاربة أطنابها

 

تنتشر الأمية بأبسط مبادئ الحساب، وحتى معرفة العمر، ففي هذه الفيافي الصحراوية القاحلة لا قيمة للزمن لدى هؤلاء البؤساء ولا للعمر ولا للمكان، بعد أن تساوى لديهم الموت بالحياة. سألت الكثير من البدو الرحل عما إذا كانوا يستطيعون تحديد أعمارهم، فلم يتمكن إلا القليل منهم من الإجابة، بل منهم من استغرب السؤال أصلا، كنت حينما أسأل أحدهم عن عمره يلتفت إلى غيره لعله يجد لديه الإجابة الشافية ولكن هيهات. بعضهم يجيب بعبارة "أظن أن عمري كذا".. ويبدو أن عدم معرفة الكثير منهم لأعمارهم لا يعود إلى الأمية المتفشية فحسب، بل أيضا إلى اليأس وعدم الجدوى من معرفته كما قال محمد "وماذا نفعل بأعمارنا، سواء عرفناها أو لم نعرفها؟ نحن نعيش وكفى حتى يأخذ الله أمانته". كما لا يستطيع الكثير عدّ الأرقام بشكل تصاعدي منتظم. في منطقة مالح الزهرة طلبت من الشاب الجموعي، البالغ 19 سنة حسبما يظن، أن يحسب من 1 إلى 100، ففشل وتوقف عند الرقم 7، وهو لا يعدّ رؤوس الماشية عدّا، بل يعتمد على الذاكرة والترميز بحيث يضع على كل رأس منها علامة خاصة يميزها بها.

كما ينتشر الجهل ببعض أمور الدين والعبادة، سألت البعض كم عدد الصلوات في اليوم فلم أجد الإجابة الصحيحة إلا عند القليل، منهم من يقول ثلاث ومنهم من يقول أربع أو خمس صلوات، ومنهم من يجيب بأنه لا يعرفها أصلا. سألت الشابة خيرة ويظهر أنها في العقدين من عمرها هل تعرفين الصلاة؟ فأجابت "نعم، وهل يوجد من لا يعرف الصلاة؟"، طلبت منها أن تقرأ سورة الفاتحة فلم تستطع غير التلفظ بعبارة "الحمد لله رب العالمين" التي تلفظت بها أنا أمامها. قلت لها "كيف تصلين إذن؟" أجابت "أقول الله أكبر (ورفعت يديها تريني تكبيرة الإحرام).. ربي افتح علينا، ربي احفظنا، ربي خفف علينا.."، ثم استمرت في الدعاء، ثم قالت "بعدها أركع وأسجد وأقطع السلام". وهنا تذكرت على الفور المثل الشعبي "ميمونة تعرف ربي وربي يعرف ميمونة".

أما في بير لعمى فإن الشاب الراعي دويم وجدته على العكس من خيرة يحفظ الفاتحة ولو بصعوبة، ولكنه متعود على التيمم بدل الوضوء الذي لا يعرفه جيدا، كما لا يلجأ إليه إلا في بعض المرات بسبب قلة الماء كما قال، حيث يتم الحصول عليه من آبار بعيدة. وقد ذكر العديد من البدو الرحل بأن الآبار الرعوية التي حفرتها مصالح الدولة لهم ولمواشيهم وتشتغل بالطاقة الشمسية لم يعد بعضها يعمل بسبب الأعطاب التي طالتها، كما أنها لا تشتغل كلما كان الجو غائما لانعدام أشعة الشمس اللازمة وعدم توفرها على مخزّن الطاقة الشمسية، ما ضاعف من متاعبهم في الحصول على المياه.

ورغم الجهل بأمور العبادة والفقر المدقع، فإن هذه العائلات البدوية لها عالمها الروحي وثقافتها البدوية المتأصلة، فهم يقرضون الشعر ويمارسون بعض الطقوس والمعتقدات، ويتمسكون بالأولياء الصالحين وإقامة الحضرة الروحية وزيارة لبعض أضرحة الأولياء المتواجدة في البوادي عساهم يجدون فيها العزاء للتخفيف من حجم معاناتهم، مثل الولي أبو موسى الذي زرت ضريحه المتواجد في عمق الصحراء الشرقية الجنوبية، على بعد 100 كلم جنوب بلدية دوار الماء الحدودية ونحو 80 كلم شرق بلدية العقلة، حيث يتردد عليه بعض البدو ممن لهم حاجة دنيوية أو روحية يطلبونها. "نحن نزور الولي أبا موسى للتبرك عسى الله أن يخفف عنا، ويعوضنا في آخرتنا ما حرمنا منه في دنيانا"، على حد تعبير عمي مبارك الذي غادرته وهو يمطرني بالأدعية بصلاح الحال للعباد والبلاد.

أما الطفلة وهيبة ذات 8 سنوات التي زارت مرة المدينة،وهي صغيرة عندما نقلت إليها لسبب صحي، فلديها حلم وحيد لا تعتقد بأنه سيتحقق ذات يوم، فقد قالت لي وفي ذاكرتها صورة لن تنساها قد شاهدتها في المدينة "رأيت الأولاد والبنات يذهبون للمدرسة لابسين الأزرق والوردي، أريد أن أكون واحدة منهم، فحياة الرعي وجمع الحطب صعبة جدا عليّ هنا".

 

سعد يحلم بقيطون وضاوية تحلم بفلايك

 

وفي منطقة بير عربية، نحو 30 كلم جنوب بلدية العقلة، كان الدليل كمال متوجها بي إلى بعض العائلات التي قيل لي إنها تقتات على صدقات المحسنين. وصلنا وقت المغرب رغم انطلاقنا بعد الظهر مباشرة، ولم تكن المسافة بالطويلة، غير أن الكثبان الرملية الوعرة وانعدام المسالك وعملية البحث الطويل عن مواقع العائلات المتناثرة في بير عربية استنفد منا كل الوقت.

وأخيرا توقفنا لدى راعٍ ذكر أن اسمه الجيلاني وأن عمره حوالي 30 سنة، ولكن بدا لي أنه أكبر من ذلك بكثير، يتكئ على عصاه التي يهش بها على غنمه مع طفله عبد القادر. قال "تتواجد في بير عربية نحو 15 عائلة طواها النسيان ويصارع أفرادها البرد والجوع والمرض، ولا يعرفون حتى من يكون رئيس بلديتهم"، وأضاف "نحن نحتاج الغذاء والكساء والعلاج"، ثم دلّني على مكان عائلة للأيتام تعيش الفقر المدقع وكبر طفلاها على صدقات البدو وبعض المحسنين، وقد زوجهما كفيلهما ببنتيه لكي يحافظ عليهما من الهلاك والتشرد.

بعد حوالي 10 كيلومترات وصلت إلى عائلة الأيتام. أول ما رأيت الشاب اليتيم سعد، كان كالشبح أو الأثر المنسي، ضعيف البنية، غائر العينين، شفتاه المتيبستان تكشفان أنه لم يذق شيئا طوال يومه. سألته هل أنت صائم يا سعد؟ ضحك وهو يقول "لا نحن لسنا في رمضان"، قلت فما لك شاحب الوجه متيبس الشفاه، هل أنت مريض؟ فأجاب "لم آكل شيئا منذ الصباح!". تذكرت على الفور ملاحظة قالها لي رئيس جمعية كافل اليتيم إبراهيم جويدة الذي تنقلت معه في رمضان الماضي إلى فقراء البدو الرحل ومنحتهم جمعيته بعض المساعدات الانسانية "ما أتعس حياة اليتيم المعوز لدى البدو الرحل. إذا كانت العائلة العادية لا تستطيع توفير قوتها، تصور حياة اليتامى، لا يوجد مثيل لقساوتها على وجه الأرض". سعد لا يعرف كم عمره حينما طلبت منه تحديده، سألته أين بيتك وعائلتك وأطفالك، لقد قيل لي إنك تزوجت، فأجاب "هذا بيتي!"، يا له من بيت! دائرة صغيرة متشكلة من أغصان أشجار العلندى وبعض الحلفاء، دون سقف، مفتوحة على السماء وفراشها الرمل. قال "في هذا البرد والأمطار نضع أجسادنا على الرمل المبلل مباشرة، نتغطى ببعض القش، طفلاي جبارية وعمر كثيرا ما يبيتان ليلتهما وهما يصرخان من شدة البرد". سألت سعد مرة أخرى "لكن لماذا يا سعد لا تصنعون خيمة تحميكم من البرد؟"، فقال "نحن لم نجد ما نقتات به فكيف لنا بخيمة؟ نرجو من المحسنين أن يوفروا لنا قيطونا".

التفت إلى زوجته ضاوية التي كانت تقول لي إنها وزوجها وطفليهما لا يأكلون شيئا في الصباح، مباشرة يتوجهون إلى رعي بعض الماعز والأغنام. ولكني عندما لم أشاهد في معصمها سوارا ولو فضيا أو نحاسيا، سألتها عن شيء آخر رغم أن سؤالي محرج للغاية هل تضعين في أذنيك فلايك يا ضاوية؟ انهمرت دموعها حسرة وأسى وهي تريني على استحياء أذنها جرداء دون فلايك، ثم احتضنت طفلها الرضيع بشدة وقالت "لم أضع في حياتي فلايك رغم أن أذنيّ مثقوبتان عساهما يزدانان يوما ما بفلايك، أنا زوجة يتيم ووالدي الذي كان يكفل زوجي مع شقيقه كان معدما، فزوّجنا أنا وشقيقتي لهذين اليتيمين حتى لا تتقطع بنا السبل". غادرت سعد الذي يحلم بوجبة غذائية مكتملة مع ولديه وبقيطون يقيهم شر البرد القارس، وودعت ضاوية التي تحلم بفلايك، وهم تضمّ إليها طفلين ينتظران مصيرا مجهولا.

 

 لولا الجمعيات الخيرية لانقرضت عائلات

 

لا يمكنني هنا أن أمر دون أشير إلى الدور الإنساني والإيجابي الذي تقوم به قوافل المساعدات الإنسانية للجمعيات الخيرية من داخل وخارج الولاية، والتي يوجه لها العديد من البدو الرحل كل الشكر والثناء، ومن بينها جمعية كافل اليتيم التي تعنى بأيتام البدو الرحل، وجمعية تاج الصحة بقمار التي التقيت بطاقمها الطبي والاجتماعي خلال جولتي الصحفية في مرابع البدو الرحل.

يقوم الأطباء المنتمون إلى جمعية تاج الصحة بصفة دورية بغلق عياداتهم والتوجه في قوافل صحية تطوعية إلى عائلات البدو الرحل المسحوقة والمهمشة في أقصى صحراء الوادي، بحثا عن المصابين بأمراض خطيرة أو مزمنة.

وقد صرح مسؤول القافلة الصحية الأستاذ نور الدين وثري لـ "الخبر" عند التقائنا في الصحراء، بأن الجمعية قامت منذ مارس سنة 2006 بتنظيم 32 قافلة إنسانية وإجراء 1545 فحص ميداني لفائدة البدو الرحل مدعم بالمساعدات الغذائية والكسوة والأدوية من مجموع 2762 فحص قامت به لفائدة المعوزين عبر مختلف مناطق ولاية الوادي، ويمثل النساء والأطفال فيها نسبة 84%. كما كشف بأن الوفد الطبي للجمعية عثر خلال زيارته على عائلات من البدو الرحل تعيش تحت عتبة الفقر وتقتات على أغذية الأنعام "النخالة"، كما وجد الوفد الطبي حالات ولادة تحول معها المواليد إلى اللون الأزرق من شدة البرد والعراء، ثم ماتوا ورأوا قبر أحدهم جنوب شرق بادية الغنامي الحدودية.

كما أكدت شهادات لـ "الخبر" وفاة امرأة عجوز من البدو الرحل منذ أيام تحت الجوع والمرض بناحية بير الصبايعة في بلدية بني قشة الحدودية، فشل الطاقم الطبي الذي تنقل إليها في إنقاذها.

وذكر ممثل جمعية تاج الصحة بأنه لهذه الأسباب وجدت الجمعية نفسها مضطرة لتقديم مساعدات لهؤلاء البائسين حسب نصيحة الأطباء، حتى يؤدي الدواء مفعوله ولا يشكل خطرا على المرضى وهم في حالة جوع دائم.

وحسب رئيس اللجنة الصحية للجمعية الدكتور جديع جابر، فإن أمراض سوء التغذية هي الأكثر انتشارا مع هشاشة المناعة، إضافة إلى حالات لأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم والرمد الحبيبي وفقر الدم، ناهيك عن الأمراض الموسمية الصدرية خصوصا.

 

سلطات نائمة في العسل

 

سلطات الوادي، وحسب العديد من شهادات الجمعيات الخيرية والطبية التي تفقدت مرارا عائلات البدو الرحل، لم تقدم ما عليها من واجبات إزاء هؤلاء المهمشين، بل إن مكتب جمعية تاج الصحة بقمار جوبه مرة بالرد السلبي من طرف مسؤول كبير معني بمثل هذه الأوضاع. فقد طلبت منه الجمعية تقديم المساعدات وخاصة الخيم، مع تعهد الجمعية بتقديم قوائم اسمية بالمحتاجين، وإن شاء هذا المسؤول تتم عملية تقديم المساعدات عن طريق رؤساء البلديات المعنية وليس الجمعية، فما كان من هذا المسؤول سوى أن رد عليهم، حسب مكتب الجمعية دائما، "وما دخلكم أنتم في توفير المساعدات والخيم؟ أنتم جمعية خيرية طبية اهتموا بالصحة وكفى"، فرد المكتب عليه "كأطباء لا يمكننا منح الدواء لمرضى لا يقوون على الحركة بسبب الجوع ولا يملكون القوت، ونخشى أن يتسبب الدواء لهم في أضرار صحية لكون أجسامهم لا تتوفر على الحريرات اللازمة". ولم تتلق الجمعية من السلطات الرسمية أي شيء.

كما وقفت وزيرة التضامن والأسرة وقضايا المرأة مونية مسلم لدى زيارتها إلى بعض مناطق البدو الرحل يوم 20 أفريل 2015، على صورة مقربة من معاناة بعض نساء البدو الرحل، وشاهدت بأم عينها زرائب مصنوعة من الأكياس الفارغة يحتمين داخلها من شدة الحرارة، فثارت وقتها في وجه السلطات المحلية المعنية، وطالبت بتغيير أوضاعهم المزرية وخاصة النساء الحوامل اللواتي يلدن مباشرة على الأرض وتتعرض الكثيرات منهن للموت مع مواليدهن، غير أن الوضع مازال على حاله رغم بعض الحملات الصحية والإغاثية الرسمية، ولكنها بسيطة جدا ولم تغير شيئا من الحياة البائسة لهؤلاء التعساء الذين تم تهميشهم في زمن البحبوحة المالية، ويبدو أن ضربات زمن التقشف قاسية جدا عليهم.

 وتفضل بعض الجهات الرسمية، بما فيها أوساط مركزية وحتى عدد من المنتخبين المسؤولين، تبرير عجزهم عن التكفل بالبدو الرحل برفض هؤلاء تغيير نمط حياتهم البدوية، وتحبيذهم البقاء في أوضاعهم المزرية رافضين العيش الكريم ونِعَم التنمية، ولكن الواقع الميداني والشهادات المجمعة من البدو الرحل تفند هذه الادعاءات الزائفة، وتؤكد بالفعل بأنهم مسحوقون ويأكلهم الجوع والمرض والعراء، بل إن بعض عائلات البدو الرحل صرحت لنا أنها تطالب الدولة بنصيبها الشرعي من برنامج القضاء على البناء الهش الممنوح لسكان الحواضر، بينما يتم تهميشهم، وذلك بتمكينهم من الحق في بيوت لائقة متمثلة في الخيم المصنوعة من الصوف والوبر، والتي لا يستطيعون اقتناءها لغلاء ثمنها.


عدد قراءات اليوم:



مساحة المشاركة من القراء




تحديث