"المؤسسات الإسلامية مرشّحة لأن تلعب أدوارًا أكثر رسوخا وأبعد تأثيرا"

اسلاميات
12 يونيو 2017 () - حاوره: عبد الحكيم ڤماز
0 قراءة
+ -

يرى الأستاذ عز الدين قاسي، عميد مسجد عثمان بمدينة ليون في هذا الحوار لـ"الخبر"، أن المؤسسات الاسلامية ستلعب دوار مهما فرنسا.

 

هل يمكنك إفادتنا بخريطة بيانية للمساجد في فرنسا؟
يبلغ تعداد المسلمين في فرنسا أكثر من ستة ملايين نسمة، وفقًا لإحصائيات غير رسمية، أي بنسبة تقارب العشرة بالمائة من التعداد الإجمالي للسكان. وهذه النسبة هي أكبر نسبة للمسلمين في دولة عضو في الاتحاد الأوروبي. وهذا ما يُعطي الظّاهرة الإسلامية في فرنسا خصوصية لازمة الاحترام. فلم يعُد الإسلام في فرنسا دينًا هامشيًا، وإنّما هو دين عدد هام من أبناء المجتمع. أمّا فيما يخصّ المساجد، فعددها يفوق 2500 حسب وزارة الداخلية. في الحقيقة، هي ليست مساجد بالمعنى المعماري للمصطلح، بل أغلبها قاعات للصّلاة لا تتجاوز مساحتها 200م2. فعدد المساجد بالمئذنة، مثلاً، لا يتجاوز 40 مسجدًا. مع العلم أنّ هناك 150 مسجدا يتم بناؤه حاليًا في فرنسا، كما أنّ هناك حاجة لبناء 1000 مسجد لسدّ حاجيات المسلمين في فرنسا.
ما الدّور الّذي تؤدّيه المساجد بمدينة ليون خصوصًا وفرنسا عمومًا في شهر رمضان؟
يظلّ المسجد هو المؤسسة الإسلامية الأولى في فرنسا، باعتباره المكان الّذي يقيمون فيه صلواتهم ويجتمعون فيه بمناسبة أعيادهم ومواسمهم وأفراحهم وأتراحهم. ويختلف دور المسجد ويتفاوت تأثيره بحسب القائمين عليه، وبحسب الإمام الّذي يؤمّ النّاس فيه، فهناك مساجد يقتصر نشاطها على إقامة الصّلوات، وهناك مساجد أخرى لها برامج وعظية وتعليمية منتظمة، كما أنّ مستوى خطيب الجمعة أو عميد المسجد ومدى تمكّنهم من الثقافة الشّرعية واستيعابهم لواقع المسلمين في فرنسا، يجعل أثره بين النّاس مختلفًا، بحسب درجته من ذلك التمكّن والوعي. وللمسجد دور اجتماعي وتربوي هام بين المسلمين في شهر رمضان. وتنظم كثير من المساجد “موائد رمضان” في هذا الشّهر الفضيل، تتمثّل في توزيع وجبات إفطار للفقراء والمساكين والطلبة وكذلك لمعتنقي الإسلام وهم كثُر. وللمسجد أيضًا دور في رمضان في مجال التّعريف والدّعوة للإسلام، ولكن هذا الدّور يظلّ مرتبطًا بمستوى القائمين عليه وقدرتهم على الانفتاح على النّاس واستقبالهم والردّ على استفساراتهم.
ما مدى إغراق بيوت الله في التجاذبات السياسية في فرنسا؟
يتزامن شهر الصّيام هذا العام مع الانتخابات البرلمانية في فرنسا الّتي سوف تقام يومي الأحد 11 و18 جوان. وتشهد المساجد الكبيرة كمسجد “عثمان” بمدينة ليون حركة غير عادية، تتمثّل في الزّيارات المتتالية والمكثّفة للمترشّحين السّياسيين لهذه الانتخابات من اليمين واليسار. وهذا أمر يزعجنا كثيرًا، لأنّنا نريد أن نحفظ مؤسّساتنا الإسلامية من المشاكل وذلك بعدم إغراقها في التجاذبات السياسية، كما أشرت إليه في سؤالك، لأنّه كثيرًا ما يعود علينا العمل السّياسي بسوء. نريد أن ينخرط المسلمون في فرنسا في الشّأن السياسي ليس بناءً على اعتبارات دينية أو عرقية أو ثقافية، ولكن من منطلق المواطنة الّتي لا تفرّق بين مواطن وآخر. هذا من حيث المبدأ. أمّا من حيث الواقع، فالمسلمون في فرنسا لهم حضور ضعيف في الحياة السياسية، ويرجع هذا الضعف إلى أسباب عديدة، بعضها عائد إلى الجاليات المسلمة الّتي لا تزال تمرّ بمرحلة انتقالية بين الوجود المؤقّت كمهاجرين والوجود الدّائم كمواطنين مستقرّين. ومع ذلك، فإنّه بالإمكان القول إنّ الحضور السياسي للمسلمين مرشّح للنّمو، بعد أن أصبحوا يشاركون في الانتخابات المحلية وأصبح عدد منهم يصل إلى مقاعد المجالس البلدية. كما أنّ بعض الهيئات الإسلامية تحاول تحسيس المسلمين وتوعيتهم بضرورة وأهمية مساهمتهم في الشّأن السياسي، من خلال المشاركة بالتّصويت على الأقل.
جعلتم من مسجد “عثمان بن عفان” الّذي تديرونه منبرًا للحوار بين أتباع الديانات ومؤسسة لتبادل الآراء والأفكار بين المسلمين، كيف تمّ ذلك؟
يسمّى مسجد “عثمان بن عفان” بالقُرب من مدينة ليون بمسجد المثقفين، لأنّ كثيرا من الّذين يعتادونه من الطلبة والأساتذة الجامعيين والأطباء، وكذلك لأنّه يقع أمام حرم جامعي كبير. يحتوي المسجد على مدرسة لتعليم اللّغة العربية وتدريس القرآن الكريم ومبادئ التّربية الإسلامية، تستوعب 500 تلميذ تتراوح أعمارهم بين 6 و12 سنة. ويحتوي كذلك على معهد إسلامي يقدّم للكبار تعليمًا شرعيًا منطلقًا من مصادر الإسلام الصّحيحة على أيدي متخصّصين في العلوم الشّرعية، ويستوعب هذا المعهد حوالي 200 طالب. وإنّ من الأنشطة الّتي يقيمها المسجد باتجاه المجتمع النّدوات والمحاضرات، وذلك من خلال طرح بعض الموضوعات العامة الّتي تجيب على تساؤلات غير المسلمين، سواء فيما يتعلّق بجوانب دينية بحتة تتصل بالعقائد والعبادات الإسلامية، أو بخصوص قضايا فكرية واجتماعية تتعلّق بالإسلام والمسلمين وتحتاج إلى بيان وإيضاح. فهناك أعداد من النّاس تُبدي اهتمامًا بهذه الأنشطة، لأنّهم يشعرون بحاجة إلى التعرّف على هذا الدّين الّذي يكثر الحديث عنه في وسائل الإعلام المختلفة. كما يُنظم المسجد كذلك لقاءات الحوار الدّيني والفكري، وخاصة في مجال الحوار الإسلامي المسيحي، حيث يسعى هذا الحوار إلى بناء علاقات تعارف بين المسلمين وغيرهم، وبحث قضايا دينية من خلال طرح موضوعات يتمّ تناولها في ندوات مشتركة من الزّاويتين الإسلامية والمسيحية. وتشهد هذه اللّقاءات إقبالاً خصوصًا من المسيحيين الّذين يَرغبون في التّواصل مع المسلمين ومعرفة مواقفهم، ما يُطرح في السّاحة الفكرية والإعلامية من قضايا وإشكالات. ولا تقتصر لقاءات الحوار على التجمّعات الدّينية، وإنّما تشمل أيضًا بعض المؤسسات الفكرية العامة الّتي تهتم بالوجود الإسلامي وتنظر إلى طبيعة تفاعله مع المحيط الاجتماعي، وترغب أن تبني علاقات مع المسلمين من أجل تفعيل دورهم الاجتماعي في ظلّ مجتمعات تعدّدية تحكمها أنظمة علمانية. ولا شكّ أنّ هذه المؤسسات الإسلامية مرشّحة لأن تلعب في المستقبل أدوارًا تكون فيها أكثر رسوخًا وأبعد تأثيرًا في واقع المسلمين، خصوصًا الأحداث الإرهابية الّتي تحصل سواء في العالم الإسلامي أو في الغرب وأثرها السيّء في ترسيخ الصّورة السّلبية عن الإسلام والمسلمين. 

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول