من حِكم الصّوم التّراحم بين أفراد المجتمع

اسلاميات
15 يونيو 2017 () - الشيخ عبد المالك واضح *
0 قراءة
+ -

يقول الحقّ سبحانه: {وَاعْبُدُواْ الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا، وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ، وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى، وَالْجَارِ الْجُنُبِ، وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ، وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا}.
إنّ من أعظم خصال المجتمع المسلم التّحابب والتّآلف والتّراحم، بل إنّ ذلك فريضة شرعية وضرورة حيوية لصلاح المجتمع واستقراره، ولذلك فإنّ من مقاصد الصّوم تربية أفراد المجتمع المسلم على التّآلف والتّراحم بين جميع فئاته: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ}، وقد بيّن الرّسول صلّى الله عليه وسلّم حال أفراد المجتمع في تماسكهم وتكافلهم بصورة تمثيلية رائعة؛ فقال: ”مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”. والفرد في المجتمع مأمور بإجادة أدائه الاجتماعي، بأن يكون وجوده فعّالاً ومؤثّرًا في المجتمع الّذي يعيش فيه: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَاتَّقُواْ الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ}، ويقول الحبيب صلّى الله عليه وسلّم: ”المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا”، بل لابدّ للمسلم خاصة في زمن المصائب والشّدائد والفتن أن يتنازل عن حظوظ نفسه ومصالحه الشّخصية من أجل المصلحة العامة، فالطّمع والجشع وحبّ الذّات يظهر في النّفوس؛ لأنّه لا يثبت على الأخلاق العظيمة في مختلف الظروف إلاّ العظماء: ”صنائع المعروف تقي مصارع السّوء، والصّدقة تطفئ غضب الربّ، وصلة الرّحم زيادة في العمر، وكلّ معروف صدقة، وأهل المعروف في الدّنيا أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدّنيا أهل المنكر في الآخرة، وأوّل مَن يدخل الجنّة أهل المعروف”.
من حِكم الصّوم أنّه يكسب المسلم روحانية في النّفس ورقّة في القلب ولينًا في السّلوك، فيظهر ذلك في تعامله مع إخوانه في المجتمع، فيثمر ذلك العفو والتّسامح والبذل والعطاء، وتقديم النّفع، وكفّ الأذى، فيكون ذلك زادًا لبقية العام؛ بل للحياة جميعًا، ولا شكّ أنّ من كان كذلك فهو الموفّق لنيل هذه المطالب وهذه الرتب، وفي شهر رمضان يكون الإنفاق أعظم؛ لأنّه يتزامن مع الصّيام والقيام وقراءة القرآن، فكيف بمسلم يقرأ قول الباري سبحانه: {مَنْ ذا الَّذِي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً}، ثمّ لا يسارع إلى الإنفاق والبذل والعطاء! فكم في المجتمع من جائع، وكم من محتاج، وكم من يتيم ومسكين ومريض وغارم، يحتاج إلى مَن يقف بجانبه ويمدّ يد العون له، في شهر البذل والسّخاء.
لقد كان المصطفى صلّى الله عليه وسلّم أجود النّاس، وفي رمضان خاصة، فقد أخرج الإمام البخاري من حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: ”كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أجود النّاس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيُدارِسُه القرآن، وكان يدارسه القرآن في كلّ ليلة من ليالي رمضان، فلَرسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم أجود بالخير من الرّيح المُرسلة”، وعند البخاري أيضًا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: ”قال الله تعالى: أنفق يا ابن آدم أنفق عليك”. وفي هذا الشّهر المبارك يجتمع المسلمون في المساجد لأداء الصّلوات فتزداد الألفة بينهم، وتجتمع الأسر والأقارب على موائد الإفطار، وفيه يبحث النّاس عن المحتاجين والفقراء، وفي ذلك دافع للتّآلف والتّراحم بين الأغنياء والفقراء، فيصبّ كلّ ذلك في مصلحة المجتمع. تالله ما أحوجنا إلى هذه المعاني السّامية، وإلى التخلُّق بالرّحمة والتّعاطف والتّكافل، فهذه القيم العظيمة هي الّتي تضمِّد جراح المنكوبين، وهي الّتي تواسي المستضعفين المغلوبين، وتدخل السّرور على المحزونين، وتعين المشرّدين والنّازحين بسبب الحروب والصّراعات، والمشاكل والفتن، ولاسيما في هذا العصر الّذي تتعرّض فيه كثير من بلاد الإسلام للشّدائد والمحن، وتلاشت فيه الرّحمة من أكثر الخلق، وقست القلوب، فلا يسمع في هذا العصر لصرخات الأطفال، ولا لأنين الثكالى، ولا لحنين الشّيوخ، ولا لكلمة الضّعفاء، لا يسمع فيه إلاّ للغة القوّة، ومنطق القدرة، ومبدأ المصلحة الشّخصية، فأين نحن من قول رسول الله الرّحمة: ”أحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجلّ سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دَيْنًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخي في حاجة أحبّ إليّ من أن أعتكف في المسجد شهرًا، ومَن كفّ غضبه ستر الله عورته، ومَن كظم غيظًا ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضى يوم القيامة، ومَن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتّى يثبتها له أثبت الله تعالى قدمه يوم تزِلُّ الأقدام، وإنّ سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخلّ العسل”.

إمام مسجد عمر بن الخطاب*
بن غازي ـ براقي

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول