المستشفيات العمومية تتحول الى مقابر!

مجتمع
2 سبتمبر 2017 () - م.ف. عثماني
0 قراءة
+ -

تشكل مصالح الاستعجالات وقاعات الجراحة بالجزائر، يوميا، مسرحا للعديد من المآسي والحوادث الخطيرة، ضحاياها إما أطباء يتعرضون إلى اعتداءات من طرف أقارب المرضى والمنحرفين، وإما مواطن دخل المستشفى للعلاج لكنه خرج في كفن أو مصاب بعاهة مستديمة بسبب خطأ أو إهمال طبي، وفي أحسن الظروف يدخل في رحلة بلا نهاية بحثا عن تشخيص صحيح.

 

تحتفظ الذاكرة الجماعية للجزائريين، إلى الأبد، بصورة تلك المرأة الحامل وهي مرمية في بهو قاعة الاستقبال بمستشفى في ولاية الجلفة، تتوسل توليدها وماتت متأثرة بآلام المخاض في أحشائها هي وجنينها على مرأى من الجميع، وتحولت بعدها إلى قضية دولة تدخلت فيها رئاسة الجمهورية وفتحت تحقيقا، بل صارت هذه الواقعة رمزا ومثالا لكل من يريد نقد ووصف واقع المستشفيات بالجزائر.

 

ولم تمر على الحادثة أيام حتى شهدت سيدة في 33 من العمر أخرى المصير ذاته، فبعدما قامت بجولة ماراطونية حول مستشفيات العاصمة، فاضت روحها يوم 10 أوت الجاري، بمصلحة الولادات في مستشفى نفيسة حمود بحسين داي في العاصمة، إثر تعرّضها لنزيف دموي حادّ أثناء وضعها مولودها وهو في شهره السادس ونصف، ووجّه أفراد العائلة الذين لا يزالون تحت الصدمة، أصابع الاتهام إلى الطاقم الطبي الذي، حسبهم، تهاون في التكفل بابنتهم، فيما أوضح رئيس المصلحة ومدير المستشفى بالنيابة بأن حالة الضحية كانت معقدة جدا لدى قدومها إلى المستشفى. وروت والدة المرحومة لـ"الخبر"، يومها قائلة "بقيت ابنتي تئن من آلامها والدماء تسيل داخل قاعة الانتظار وما حز في نفسي أكثر هو كلام القابلة التي رفضت تسلم الرسالة الطبية التي كانت بحوزتنا ومختوم عليها كلمة "حالة عاجلة"، وفي حدود الساعة السادسة مساء، حسب عائلة الضحية، التفت الأطباء إلى الأم وأخبروها بأنه لا توجد حاضنة يوضع فيها الرضيع، فأردنا العودة بها إلى مستشفى مصطفى باشا، إلا أن الطبيبة أرغمتها على الإمضاء قبل المغادرة، لأن حالتها تزداد سوءا، فقررنا إبقاءها هناك.

 

وبرّر رئيس مصلحة التوليد بمستشفى نفيسة حمود ما جرى آنذاك، "بأن حالة الضحية كانت معقدة للغاية، وهي الحالة الثانية من بين حوالي 12 ألف حالة ولادة، مشيرا إلى أنهم يشتغلون في ظروف صعبة ولا تخضع لمعايير الصحة العالمية. ولم يخف رئيس المصلحة بأن "الطبيب يشتغل في ظروف صعبة، بدءا من نقص الهياكل القاعدية، (لم يتم تشييد أي مستشفى منذ الاستقلال)، كما أن المدرسة الوطنية لم تزود المستشفى بقابلة جديدة منذ سنة 2013، ومن دون الحديث عن تكفل ممرضة بـ42 سريرا، والمعايير الدولية تنص على أن كل ممرضة تتكفل بستة أسر فقط.

 

وقبل نحو شهر، أصيب سكان ولاية عين الدفلى بصدمة بعد تلقي خبر وفاة امرأة حامل تنحدر من بلدية واد الشرفة بعد 10 دقائق من دخولها مستشفى البليدة، وحسب عم زوج المرأة الحامل الحاج عامر بوزار، فإن العائلة نقلت ابنتها الحامل البالغة من العمر 20 سنة إلى مستشفى محمد بوضياف بالمدية، بناء على طلب طبيبها المشرف على علاجها الذي أكّد بأن الجنين الذي تحمله قد فارق الحياة منذ ثلاثة أيام، وبمستشفى المدية تم استقبال المرأة الحامل، ليتقرر نقلها إلى مستشفى البرواقية قبل العدول عن هذا القرار والإبقاء عليها بمستشفى المدية، وعند حلول الساعة الثالث والنصف، تم نقلها على متن سيارة إسعاف إلى مستشفى البليدة حيث لفظت أنفاسها الأخيرة بعد 10 دقائق فقط من دخولها المستشفى، وأشار عم زوج المرأة الحامل إلى أن أطباء بمستشفى البليدة أكّدوا لمرافقي الضحية بأن الضحية كانت قد فارقت الحياة قبل استقبالها بمستشفى البليدة.

 

قصة السيد مصطفى عوداين القاطن ببلدية بابا علي في العاصمة، هي الأخرى جديرة بالتوقف عندها، فالرجل يعيش حالة نفسية قاهرة منذ تعرّضه لحادث خطأ طبي بمستشفى دويرة في العاصمة، جعله بمجرد أن يستيقظ من التخذير مشلولا جزئيا لا يقوَى على السير بشكل طبيعي بعد خضوعه لعملية جراحية على مستوى الظهر لاستئصال التهاب سبّبه له داء "الحمى المالطية"، ولما حاول المريض الاتصال بطبيبه أخبره الممرضون بأنه في عطلة نهاية الأسبوع، ما أدخله في حالة رعب حول وضعيته وقلص من آمال استعادة عافيته، نظرا لتعرضه إلى نزيف على مستوى العمود الفقري ضغط على النخاع الشوكي حتى أتلف جزءا منه فسبب الشلل النصفي.

 

روى مصطفى قصته لـ"الخبر" قائلا "في أكتوبر 2013 أجرى لي الطبيب العملية ولما استيقظت من التخذير، وجدت نفسي مشلولا، ولما سألت الممرضين على طبيبي ليطمئنني حول ما ألمّ بي، أخبروني بأنه في عطلة أسبوعية، ولمدة أربعة أيام لم يأت، فتعجبت كيف يمكن للطبيب أن يتركني ولم يتابع حالتي بعد التخذير ولم يتأكد من نجاح العملية، خاصة وأنني كنت أعاني من نزيف داخلي، صار يضغط على النخاع الشوكي، ويستلزم تدخل الطبيب بعملية جراحية ثانية قبل فوات الأوان ويقع الشلل وهو الأمر الذي يعد إهمالا من طبيبي".

 

من جهتهم، الأطباء يقعون ضحايا التعفن الحاصل في المنظومة الصحية، ومن أمثلة ذلك، الحادثة التي وقعت بمستشفى الرويبة شرقي العاصمة، في جويلية 2014، حيث اعتدى شخص على طبيب مقيم وممرضة بمصلحة الأمراض الصدرية، فبعد معاينة الطبيب لمريضة كانت رفقة ابنها، تفاجأ الطبيب بالابن وهو يطلب من إخوته هاتفيا الحضور إلى المستشفى بعد سوء معاملة تكون قد تلقته والدته، وهو ما تم فعلا بعد لحظات، حيث حضر الإخوة الثلاثة وضربوا الطبيب والممرضة.

 

وقبلها وفي نفس المستشفى ليلة 23 مارس 2014، اعتدت مجموعة من الشباب على الطاقم الطبي بسبب تأخر نقل رفيقهم المصاب بحروق خطيرة ناتجة عن ألعاب نارية، فبعد وصول المصاب في حدود الساعة الثامنة ليلا، قام الأطباء بتقديم الإسعافات الأولية له، غير أنه تأكد لهم ضرورة نقله إلى عيادة متخصصة في الحروق، فطلبوا إرسال سيارة إسعاف "الصامو" المجهزة بالنظر إلى حالة المريض، غير أن تأخر السيارة أجج غضب مرافقيه الذين توافدوا بكثرة على المستشفى، وقاموا بتكسير زجاج مصلحة الاستعجالات الطبية وتهشيم عدد من السيارات، كما حاصروا المصلحة التي تحصن عمالها خلف الجدران.

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول