توجيهات نبوية حول آداب الطّريق

اسلاميات
11 يناير 2018 () - الشيخ عبد المالك واضح
0 قراءة
+ -

يروي الشّيخان في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: “إيّاكم والجلوس على الطّرقات”، فقالوا: ما لنا بُدٌّ، إنّما هي مجالسنا نتحدّث فيها، قال: “فإذا أبيتُم إلاّ المجالس فأعطوا الطّريق حقّها”، قالوا: وما حقّ الطّريق؟ قال: “غضّ البصر، وكفّ الأذى، وردّ السّلام، وأمر بالمعروف ونهيّ عن المنكر”.
ورد في هذا الحديث الشّريف فوائد عظيمة يمكن استنباطها، منها رحمته صلّى الله عليه وسلّم بأمّته: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}، فما من أمر يقرِّبنا إلى الجنّة إلاّ أمرنا به، وما من أمر يقرِّبنا إلى النّار إلاّ نهانا عنه، وها هو يحذِّرنا من الجلوس في الطّرقات؛ لأنّه صلّى الله عليه وسلّم يدرك خطورة تلك المجالس، الّتي كثيرًا ما انتُهكت فيها الحُرُمات، وارتُكبت فيها الحماقات، وتردَّدت فيها الإشاعات، ومع أنّ أصحابَ المصطفى أبرُّ النّاس قلوبًا، وأحسنهم أخلاقًا، ومع أنّ حديثهم كلّه خيرٌ وإحسان، وفضيلة وإيمان، فقد نهاهم عن الجلوس في الطرقات، ويمرّ فيها بين الفينة والفينة نساء محتشمات متحجبات، صالحات قانتات، حافظات للغيب بما حفظ الله، في مجتمع لم يَخلق الله تعالى أطهر منه، ففي أزقة هذا المجتمع الطّاهر يأتي النّهيّ الصّريح: “إيّاكم والجلوس في الطّرقات”، فكيف الأمر في طرقاتنا اليوم! وكيف الحال مع نسوة هذا الزّمن الكالح الّذي ترجَّلت فيه النّساء وتخنَّثت فيه الرّجال!
إنّ كفّ الأذى عن النّاس من أعظم الصّدقات الّتي دعانا إليها ديننا، وها هو أبو ذرٍّ يسأل رسول الله، أيُّ العمل أفضل؟ فقال: “إيمان بالله تعالى وجهاد في سبيله”، قال: يا رسول الله: فأيُّ الرِّقاب أفضل؟ قال: “أنفسها عند أهلها وأغلاها ثمنًا”، قال: فإن لم أجد، قال: “تُعِين صانعًا أو تَصنع لأخرق”، قال: فإن لم أستطع، قال: “كُفَّ أذاك عن النّاس، فإنّها صدقة تَصَدَّقُ بها عن نفسك”، فكفُّ الأذى عن النّاس من أهم حقوق الطّريق، فلا تتعرّض لأحد بما يكره، ولا تذكر أحدًا من النّاس بسُوء، ولا تهزأ بالمارة، ولا تسخر من راكب ولا ماش، لا من شيخ أحدب، ولا من عجوز شوهاء، ولا تُشِر بيدك أو عينك إلى أحد، ولا تفعل ما يفعله السُّفهاء والأراذل من قول فاحش ونقد لاذع.
يُروى أنّ شيخًا ذا هيبة كان يجالس الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، فكان يُقبل عليه ويكرمه، فبلغه عنه أنّه طيَّن حائط داره من خارج فأعرض عنه في المجلس، فاستنكر الشّيخ ذلك، فقال: يا أبا عبد الله هل بلغك عنّي حدث؟ قال: نعم، طيَّنت حائطك من خارج، قال: ولا يجوز؟ قال: لا؛ لأنّك قد أخذت من طريق المسلمين أُنملة، قال: فكيف أصنع؟ قال: إمّا أن تكشط ما طينته، وإمّا أن تهدم الحائط وتؤخّره إلى وراء مقدار أصبع ثمّ تطيّنه من خارج، فامتثل الرّجل وهدّم الحائط وأخّره أصبعًا ثمّ طيّنه من خارج، فأقبل عليه الإمام أحمد كما كان.
وإماطة الأذى وإزالته من طريق النّاس من شعب الإيمان: “الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شُعبة، فأفضلها قول لا إله إلاّ الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطّريق، والحياء شُعبة من الإيمان”.
ومن فوائد الحديث إفشاء السّلام الّذي هو سُنّة نبويّة وأدب كريم يجب أن يتخلّق به أبناء الإسلام، فهو يغرس المحبّة، ويزرع الأُلفة، ويغسل الأحقاد، ويزيل الأمراض، ويستجلب مغفرة الله ورضوانه: “لا تدخلون الجنّة حتّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتّى تحابُّوا، أَوَلا أدلُّكم على شيء إذا فعلتموه تحابَبْتُم، أفْشُوا السّلام بينكم”. وأن يُسَلِّم الصّغير على الكبير، والقائم على القاعد، والرّاكب على الماشي، وأن يكون على مَن تعرف وعلى مَن لا تعرف، لا كما يفعل بعض الحمقى والمغفَّلين ممّن لا يلقون السّلام إلاّ مَن كان مِن شرذمتهم وعلى شاكلتهم المشوَّهة.
ومن حقوق الطّريق الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وهذه مصيبة عمَّ بها البلاء وطمَّ، نرى المنكر بأعيننا، ونسمعه بآذاننا ولا ننكره، ونسينا ما حفظناه ونحن صغار، فكبرنا ولم يكبر معنا قولُ المصطفى صلّى الله عليه وسلّم: “مَن رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”، فالتّغيير باليد كلٌّ بحسبه، فوليّ الصّبي له أن يغيّر المنكر بيده، والوليّ العام على المسلمين، وهكذا، والتّغيير باللّسان لمَن كان ذا علم وحلم.
وأخيرًا فإنّ من حقوق وآداب الطّريق غضّ البصر: {قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكَى لَهُمْ}، ففتنة النّساء فتنة عمياء، لا يكاد يَسلم مِن أذاها ولا يَنجو من خطرها إلاّ مَن عصمه الله، طوفان لا ينجو منه أحد، في الصّحيح: “اتّقوا الدّنيا، واتّقوا النّساء، فإنّ أوّل فتنة بني إسرائيل كانت في النّساء”، بلاء ابتُلينا به، ومحنة أذهلت العقول، وصهرت أفئدة الرّجال الفحول، وتلاشى معها إيمان كثير من المسلمين، وصرفت قلوب آخرين عن البرّ والتّقوى، ورد في الصّحيح عنه عليه الصّلاة والسّلام: “إنّ الله كتب على ابن آدم حظّه من الزّنا، أدرك ذلك لا محالة، فزِنا العين النّظر، وزنا اللّسان المنطق، والنّفس تمنّى وتشتهي، والفَرْجُ يصدِّقُ ذلك كلَّه أو يكذِّبه”.
إمام مسجد عمر بن الخطاب
بن غازي ـ براقي

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول