السياسة وأزمة المقابر؟!

نقطة نظام
12 فبراير 2018 () - سعد بوعقبة
0 قراءة
+ -

الجزائر بلد يحتاج فعلا إلى دراسات معمقة تخص “سوسيولوجية المقابر”!
في الثورة الجزائرية، كان الثوار يخبئون السلاح في المقابر! وبعضهم يعقد الاجتماعات النظامية في المقابر! والآن أصبح الساسة يعقدون اجتماعاتهم في المقابر! ويتخذون القرارات في المقبرة أيضا؟!
في سنة 1966 أراد الرئيس بومدين أن يدعم شرعية حكمه فاتجه إلى المقابر لتشييد مرجعية كاريزمية... فأحضر من دمشق رفات الأمير عبد القادر ودفنها في العالية في جو مهيب، وقال فيه الشعراء وهو يدفن في العالية: “يا عبد القادر... لئن حسنت فيك المراثي وذكرها... لقد حسنت من قبل فيك المدائح”! وأراد بومدين أن يرصع قبر الأمير في العالية، فعمد إلى جلب رفات كبار الشهداء أمثال: الحواس وعميروش وعبان وبن مهيدي وزيغود وديدوش وبن بولعيد ولطفي، ولكن عائلة بن بوالعيد رفضت نقل رفات ابنها من الأوراس إلى العاصمة... وهدد ابن بوالعيد الأكبر عبد الوهاب، رحمه الله، الرئاسة إن هي أقدمت على نبش قبر والده في نارة بالأوراس. وفشل المشروع السياسي “المقبري” البومديني! فاكتفى بدفن الأمير وحده، مؤجلا الموضوع إلى وقت لاحق. ولكن رفات الحواس وعميروش تم استخراجهما من عين الملح وتم نقلها إلى مقر القيادة الدركية في العاصمة، وبقيت الرفات في الصناديق حتى مات بومدين، ولم يستطع إتمام مشروعه السياسي في دفن هؤلاء بمقبرة العالية.
في هذه الأثناء توفي بومدين وأكمل الشاذلي مشروع المقبرة السياسية في العالية، فقام بجلب رفات المذكورين أعلاه مضافا إليهم العقداء الأربعة الذين أعدمتهم الثورة في الحدود التونسية، إضافة إلى العديد من الشهداء الكبار، وتم دفن الجميع في العالية استكمالا لمشروع المقبرة السياسية التي بدأها بومدين... وأنشئ مربع الرؤساء ومربع قادة الثورة ومربع المجاهدين الكبار.
في هذه الأثناء، توفي مصالي الحاج ودفن “سكوتي” في تلمسان، وتوفي قائد أحمد، رفيق بومدين، ودفن “سكوتي” في تيارت... وتوفي العديد من القادة والثوار والزعماء ودفنوا “سكوتي” ولم تشملهم المقبرة السياسية.
وظهرت حكاية التمرد على مبدأ الدفن السياسي في العالية، فالعديد من الزعماء يوصون بدفنهم خارج المقبرة السياسية، مثل بن خدة وفرحات عباس ومهري ومنجلي والحاج لخضر وغيرهم، وهم كثر، فأصبحت معارضة السلطة بعدم الدفن في المقبرة السياسية موضة سياسية للأموات السياسيين! وشهدت مقبرة العالية ظاهرة غريبة، وهي وضع قبور الرؤساء وكبار المدفونين في زنزانة محاطة بالأصفاد الحديدية، بحجة أن عابثين بدأوا يعبثون بالقبور، فوضعت هذه القبور الرسمية في سجن حقيقي، وأصبح من يريد أن يترحم على فقيده المهم لابد أن يطلب رخصة من السلطات! فيما تكون القبور الأخرى حرة، ومنها قبور بعض المسيحيين! والآن هناك في العالية رفات 6 رؤساء ومعهم الأمير في سجن حقيقي محاطة قبورهم بالأصفاد.. ولهذا يمكن أن يشذ عن القاعدة الرئيس زروال ويدفن في باتنة مثلما شذ عن القاعدة القائد الفذ مصطفى بن بوالعيد الذي رفض أهله سجنه مع العظماء في العالية وبقي حرا طليقا في براري الأوراس الأشم.
أحد العمالقة الذي رحل مؤخرا وهو المجاهد بن عودة أوصى بأن يدفن في عنابة ولا يدفن في مربع العظماء في العالية. فقد أصبحت التوصية بالدفن خارج العالية موضة! ترى ماذا حدث للجزائر والجزائريين حتى أصبحوا يختلفون حتى في الجوار في المقبرة؟! هل لأن السياسة انحطت إلى حد أنها أصبحت تصدر خلافاتها حتى إلى المقابر، أم أن الأمر له علاقة بأمور أخرى. أتمنى أن تدرس سوسيولوجيا هذه الظاهرة.
[email protected]

شارك مع أصدقائك

فايسبوك تويتر جووجل+ إيميل

شاركنا رأيك

دخول